أكباش فداء ما بعد العفو الملكي.

كل متابع لتصريحات؛ كل من وزراء الحكومة و الديوان الملكي؛ منذ تفجر فضيحة العفو الذي استفاد منه مغتصب الأطفال(ة) الأحد عشر؛ سيخرج بملاحظة واضحة؛ و هي التخبط الرسمي في التعاطي مع مجريات هذه الورطة؛ بين انكار وزير الاعلام معرفته بالأمر، و تبرير وزير العدل قرار العفو بخدمة المصلحة الوطنية، ثم نفي الديوان الملكي عبر بيانه أي علم للملك بخطورة الجرائم التي يتضمنها الطلب المعروض على العفو. زيادة على المدة التي تطلبها الديوان الملكي لاصدار بيان الانكار و التي تعتبر طويلة أمام طبيعة الوضع الاستثنائي؛ كل هذا يثير حفيظة الشك و الريبة لدى المتتبع.

ما يمكن أن يستشف من بيان الديوان الملكي أن الملك قد تم تغليطه؛ و هذه في حد ذاتها سابقة في تاريخ الدولة العلوية الحديثة؛ فمن ذا الذي يتجرأ على تغليط الملك و في ملف تقيل كهذا. هذه الملابسات كان من المنتظر أن يكشف عنها التحقيق الذي أمر به الملك حسب البيان؛ حيث جرت العادة في البلدان التي تخضع لسيادة الشعب؛ و في قضايا من هذا الحجم؛ عقد مؤتمر صحفي لشرح حيثيات التحقيق و توضيح نتائجه و كيفية التوصل الى هذه النتائج، ثم الاجابة على أسئلة الصحفيين الوطنيين و الدوليين؛ من أجل اطلاع الرأي العام على الحقائق كاملة و اقناعه بنزاهة التحقيق و مصداقية عمل اللجنة التي باشرته. فما الذي يضمن اذن، عدم تقديم المنذوب السامي للسجون ككبش فداء بعد اغراءه بالتعويض أو الضغط عليه؛ و هنا، و في نفس السياق المرتبط بلجنة التحقيق؛ وجب طرح بعض التساءلات ذات بعد جوهري؛ حول الخطوط التي رسمت لهذه اللجنة، و حدود الصلاحيات التي منحت لها، و هل استطاعت طرح أسئلة على رئيس الدولة باعتباره صاحب القرار الأول و الأخير في المصادقة على العفو و تنفيذه؛ لتوفير المعلومات الكافية لتحديد المسئول الفعلي عن هذا الخطأ.  الا أن الديوان الملكي فضل التعامل بلغة البيانات التي تبقى ذات طابع فوقي، باعلانه من خلال بيان مقتضب خلاصة ما توصل اليه التحقيق المرطوني؛ و الذي على ضوئه، تم اعفاء حفيظ بن هاشم المنذوب العام لادارة السجون و اعادة الادماج؛ و بهذا أقفل القصر هذا الملف، دون استكمال  باقي أطوار التحقيق، الذي يتوجب فيه المزيد من التعمق في قضية ماتزال تهدد الأمن المجتعي، من أجل الكشف عن الأسباب الحقيقية وراء اقدام مسئول مخضرم كحفيظ بن هاشم، شارف على الثمانين من العمر و خدم لعقود الأعتاب الشريفة، و نال ثقة و رضا الملكين؛ محمد السادس و الحسن الثاني الذي سبق أن قلده سنة 1994 وسام العرش من درجة قائد، و هي الثقة التي يبرزها اصرار القصر على الاحتفاظ به على رأس مؤسسة حساسة كادارة السجون، بعد استقدامه من الادارة العامة للأمن الوطني التي تولى فيها منصب مدير عام؛ رغم رفع صوره كواحد من رموز الفساد في التظاهرات منذ اندلاع الربيع العربي، و ضدا على كل الأصوات التي بحت من أجل ابعاده عن هذه المؤسسة.

 جزء كبير من المغاربة يرفظ تصديق هذه الرواية الرسمية التي تحمل هذا الموظف كامل المسئولية، و جزء آخر أكبر يشكك فيها؛ و لاقناع الرأي العام بنزاهة التحقيق و عدم فبركة قصته؛ وجب اطلاع الجميع على جميع المعطيات، بل واستكمال التحقيق الذي توقف بمجرد اقالة هذا المسئول، الذي من المفترض أنه متورط في قضية خطيرة تتعلق باخفاء معلومات عن الملك رمز و قائد البلاد و تظليله و المس باستقرار و أمن البلاد و تعريضها للخطر، أي؛ ما يسمى بلغة القانون الغدر و خيانة الأمانة، و اذا افترضنا وجود أسباب و دوافع جعلت مسؤول من هذا الوزن يقدم على عمل لا قانوني من هذا الحجم؛ فمن الأسباب البديهية و المعقولة في ظل دولة شارفت مؤسساتها على اعلان التطبيع مع الفساد و الرشوة؛ هو امكانية تورط هذا المسئول في هذه الجريمة، ان صح التعبير، هو تحصله على رشوة من طرف مقربين من دانيال كالفان المدان بثلاتين سنة سجنا؛ و في هذه الحالة وان تبث عليه ذلك، فان تهم الغدر و خيانة الأمانة بالاضافة الى الارتشاء؛ هي تهم تقود صاحبها الى السجن. فهل سيتم استكمال باقي حلقات التحقيق أم لا هذا ما سيسفر عنه القادم من الأيام؟

ثمة معطى هام في القضية؛ تم التغاضي عنه في بيانات الديوان الملكي. و بالرجوع الى الفصل التاسع من الظهير الملكي رقم 1-57-387 المعمول  به؛ حيث تشكل لجنة تعنى باعداد قوائم العفو و تسليمها للديوان الملكي قبل المصادقة عليها من الملك، و تسمى لجنة العفو، و تتشكل هذه اللجن حسب الظهير السالف الذكر، من، كل من وزير العدل أو مفوضه بصفته رئيسا للجنة، و المدير العام للديوان الملكي أو مفوضه، و الرئيس الأول لمحكمة النقض أو من يمثله، و الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض أو من يمثله، و مدير الشئون الجنائية و العفو أو من يمثله، و المنذوب العام لادارة السجون و اعادة الادماج أو من يمثله، ثم ضابط من القوات المسلحة تعينه السلطة الحكومية المكلفة بالدفاع الوطني فيما اذا تعلق الموضوع بعقوبات صادرة عن محكمة عسكرية، و يتم اتخاذ قرار العفو بناء على رأي و مقترحات هذه اللجنة التي تتكلف بدراسة طلبات العفو و تتمتع بصلاحيات الاقتراح و تجميع جميع المعلومات اللازمة من المصالح المعنية. فاذا كان الاشتغال يتم جماعيا داخل هذه اللجنة؛ فكيف تم تجاوزها و القفز على آلياتها من طرف منذوب السجون؟ و لماذا قبل الديوان الملكي تسلم الملف مباشرة منه دون مروره عبر القنوات القانونية؟

بالنسبة لي، سواء نسب الخطأ للملك، أم لمنذوب السجون؛ الأمر سيان، مادام الخطأ، عموما لم يخرج عن دائرة النظام السياسي الذي جمع جميع السلط في يده و حرم الشعب من حق مناقشته فيها؛ و الدليل هو تلك الدماء التي سالت على الاسفلت في كل تلك المجازر الوحشية التي تم اقترافها من طرف القوات العمومية ضد مواطنين كل جرمهم أنهم خرجوا ليعبروا عن غضبهم بكل سلمية على قرار ملكي؛ فهل يبقى بعد كل هذا، شك في نزاهة و مصداقية تحقيقات من هذا النوع داخل دولة قمعية يعيش بداخل سجونها منذ اندلاع الربيع العربي أزيد من 80 معتقل رأي و سياسة، جريرتهم الوحيدة أنهم تجاوزوا سقف المعارضة الرسيمة،  ليعارضوا النظام السياسي؟ هذا في الوقت الذي يستفيد فيه أخطر المجرمون من العفو باسم الملك. ففي ظل الحكم المطلق الماسك بكل الصلاحيات و المؤسسات؛ تكثر الأخطاء و الأغلاط، و هذا جانب مسلم به و لا يمكن فصله عن المنطق، و كلما غابت الديمقراطية و الحرية و ساد القمع و التنكيل بالمواطنين؛ الا وفقدت كل المبادرات الرسمية ثقة الشعب و أصبح ينظر اليها بعين الشك و الريبة.

 اذا لم يكن الملك حقا، على علم بمضمون العفو، فهو الآن، و بعد نشر مشاهد التدخلات العنيفة في حق المتظاهرين على الفضائيات الدو لية؛ أصبح على بينة حول ما ارتكب من فضاعات في حق المواطنين العزل، فهل سيأمر بفتح تحقيق نزيه في الموضوع، أم أنه هو الآخر؛ ضرورة أملتها المصلحة الوطنية على رأي وزير الحريات و العدل؟

نبيل بكاني

التعاليق (0)
أضف تعليق