أزمة المدرسة في حاجة إلى نقاش أعمق.

في الوقت الذي وصل فيه النظام التعليمي بالمغرب إلى حافة الانهيار يتم من طرف الجميع وضع مختلف المشاكل التي تعرفها المدرسة العمومية المغربية جانبا والانكباب بشكل “سوريالي” على تعميق النقاش في جانب (رغم أهميته) لن يقدم ولن يؤخر في الهاوية العميقة التي تنتظر “تعليمنا”. اعتقد أننا تركنا الجوهر(أزمة المدرسة العمومية) ونتعارك حول الطريقة المثلى لإعلان الوفاة وتقديم التعازي( هل بالفصحى أم بالدارجة…)

شيء من التاريخ

إن أزمة المدرسة العمومية تعود في جانب كبير منها إلى اعتماد سياسة ممنهجة من طرف الدولة هدفت لحصار الفكر النقدي وتقييد حركية المجتمع و خاصة أطره الشابة والمتعلمة منذ منتصف الستينات من خلال مناهج تربوية ذات محتوى إيديولوجي منغلق وبأهداف “سياسوية” حصرت وظيفة المدرسة في إعادة إنتاج ثقافة الهيمنة وتكريس قيم الخضوع والخنوع وضرب الحس الوطني والديمقراطي الذي تشكل عقب الاستقلال.
وحين حصلت القناعة بضرورة بناء توافق وطني حول هذا الموضوع نتيجة للتحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية دوليا ووطنيا خلال نهاية القرن الماضي تم إنتاج الميثاق الوطني للتربية والتكوين و بالرغم من كل الملاحظات والانتقادات الوجيهة التي وجهت له فانه شكل في وقته الحد الأدنى الذي كان سيمكن من السير على الخط الصحيح إلا أن مسارات الأشياء بعد ذلك كان فيها الكثير من التعرجات التي أضعفت الرؤية الإصلاحية التي جاء بها الميثاق.
وقد شكلت الجهوية من خلال إرساء أكاديميات التربية والتكوين كمؤسسات عمومية ذات استقلال مالي و إداري احد ابرز تمظهرات هذه الرؤية ولكنها ألت إلى الفشل بسبب(من بين أسباب أخرى) تحكم “البيروقراطية الإدارية” في الأجهزة المركزية للوزارة والتي لم تكن مستعدة بالمطلق للتخلي عن الامتيازات العديدة التي يتيحها التحكم في قطاع ذو أهمية كبرى( أهم الميزانيات القطاعية واكبر عدد من الموارد البشرية التي تضمها الوظيفة العمومية…).

التعليم قضية سياسية

إن إصلاح التعليم هو مشكل إرادة سياسية بالدرجة الأولى .إن البحث عن حلول تقنية هو تغطية عن فشل السياسي بمختلف تياراته في إبداع حلول حقيقية لإدماج فعلي للمدرسة في محيطها المغربي وعدم القدرة على التفكير المعمق في المدرسة التي نريدها لأبنائنا لان اغلب النخب اليوم تكتفي بالحلول الفردية السهلة ( التعليم الخاص/ البعثات الأجنبية/ الدراسة خارج الوطن…).
وهو ما يفسر ربما إسناد حقيبة التربية الوطنية لوزير “تقنوقراطي” للمرة الثانية في ظرف اقل من خمس سنوات بعد التجربة السابقة للثنائي( اخشيشن/ العابدة) والذي استنجد بمكتب دراسات دولي لإخراج ” الحل السحري” المتمثل في البرنامج الاستعجالي و الذي جاء الوزير السابق فأعلن عن فشله دون أن يقدم بديلا قادرا على إعادة الثقة في المدرسة العمومية كما جاء في التصريح الحكومي للحكومة الحالية.
وهذا يؤشر على استمرار غلبة منطق” تقنوي” في مقاربة قضية التربية والتعليم بالمغرب دون امتلاك القدرة على الانتقال نحو طرح السؤال الكبير حول سياسة التعليم بالمغرب والإقرار بوجود أزمة هيكلية وبنيوية تمس النسق التربوي العام وضرورة توفر إرادة سياسية حقيقية لإعادة تعريف دور المدرسة العمومية في المشروع المجتمعي لوطن اسمه المغرب هل سنسعى فقط إلى تحسين أداء العنصر البشري ليكون في خدمة الرأسمال المحلي والأجنبي أم أن دور المدرسة اليوم يتجاوز ذلك بكثير لتستطيع بالفعل المساهمة في تربية وتكوين أجيال قادرة على رمس ملامح نهوض ثقافي وسياسي واقتصادي يليق بتاريخ ومستقبل هذا الوطن وهو ما يستدعي اعتبار التعليم خدمة عمومية وقطاعا منتجا وليس مجرد عبء على الميزانية كثيرا ما يستدعي إعادة التوازن للمالية العمومية التقليص من نفقاته.

التعاليق (0)
أضف تعليق