أبو زيد الإدريسي بين الأمازيغوفوبيا و التأسلم الإسترضائي لأنظمة البترودولار

ألقى المسمى المقرئ أبو زيد الإدريسي محاضرة بالسعودية يروج بين ثناياها تناقضات جمة تكرس العقلية المتحجرة للمتشبعين بالفكر التأسلمي الذين يجعلون من الدين أداة إستوصالية لفتح نيران على كل فكر يفند الطرح الإسترزاقي لمن يريد إضفاء طابع الوصاية الربانية على التفكير العقلي و تقييده بمعيقات و رواسخ الفكر القومجي الهادف لإضفاء طابع القداسة على العرق بتحوير النصوص الدينية و تأويلها لتتناسب إطراديا مع ثوابت الطرح الأرسلاني المؤسس لقومية دينية تجعل العرق العربي في الدرجة الأولى بالمقارنة مع باقي أعراق الشعوب المؤمنة برسالة الإسلام المخاطبة للإنس و الجان على حد سواء و المتضمنة لمعيار التقوى كمعيار محوري للتفاضل .

و قد بلغت قمة التجاسر بأبو زيد الإدريسي التطاول على هوية الشعب الذي يدفع اجرته كأستاذ جامعي بإقحامه و إسقاطه صفة البخل على الامازيغ في حضرة أسياده العروبيون ليقهقهوا عاليا في قاعة مكيفة و يشعروا بالإستقواء الخيالي الذي لا يوجد إلا في مخيلاتهم المعاقة التي لا تحتاج للنقاش و الجدال بقدر ما تحتاج لعلاج بسيكولوجي صارم يخرجهم من قوقعة التعالي الوهمي و التوهم بالإعتلاء ، و ياتي ما جاء به الإدريسي في محاضرة الرياض إستمرارية للحملات المتواصلة من لدن المتأسلمين الذين لا يدعون فرصة تمر للتعبير عن ميوعة فكرهم و تماهيهم في فتح النيران على الهوية الامازيغية للفت إنتباه قوى البترودولار التي تنعم عليهم بالتكريمات و الاوسمة و المال الوفير كتعبير عن وفائهم الدائم لفكرة خلقت ميتة مبنية على إنفصام حاد في التقييم و التمييز مفادها ” وطن عربي من المحيط إلى الخليج ” ، و الملفت للنظر هو كون ما صرح به الإدريسي بصفته عضوا في حزب القنديل السياسي و عضوا كذلك في دائرة حركة التوحيد و الإصلاح التي كانت نشأتها برعاية مخزنية قحة لمجابهة الفكر المتياسر في لحظة معينة ، و الأخطر هو كون الحزب المتزعم لحكومة في بلد امازيغي يناقض و يقوض محددات الهوية من اجل إسترضاء فكر أجنبي دخيل على الهوية الأصلية للشعب الامازيغي و هو الامر الذي لا يختلف في شيء عن دعم لفكر عنصري شاذ يهدف لطمس هوية شعب لإبقاء فلول الفكر العروبي حيا في اوهام محتضنيه.

إن مد الفكر التأسلمي المعادي للهوية الامازيغية و العازف على الوتر الحساس للشعب بإستغلال الدين فيما هو سياسي هو دليل على الفشل الذريع للقومجيون الذين لا يريدون في الحقيقة إقرار إخفاقهم في طمس هوية الشعب الامازيغي ، فلا التأويل المشيطن لظهير 16 ماي 1930 الذي سمي بالبربري بهتانا نفع ، و لا ترسيم العروبة في الدساتير الممنوحة المتعاقبة شفع في زحزحة الامازيغ عن هويتهم الأصلية الصامدة في وجه سهام العروبة المشرقية التي تستمد شرعية سياسية زائفة من إيديولوجيا عرقية أساسها الفتك و التنكيل و القتل و الإتهام بالزندقة لكل داحض للفكر المتأسلم فالدين الكوني العالمي لم يأت للعرب فقط و لم يكن إمتيازا لهم بقدر ما كان دليلا على همجيتهم التاريخية فلو كانوا مؤمنين حقا لما رموا محمد صلعم بالحجارة في الطائف و لما اخرجوه من مكة مهاجرا ، إن التأسلم السياسي الذي كان سيد الموقف في صراع سقيفة بني ساعدة بعد التطاحن على السلطة لأول وهلة الذي افرز التحارب بين من بشروا بالجنة ، لن يفلح في أرض شعب تمكن من إسقاط الحكم الفرعوني في زمن كانت الجزيرة العربية رمالا تحركها الرياح ليأتي بعد ذلك ذاك الكائن الذي يئد إبنته في زمن كان الامازيغ قد جعلوا المراة حاكمة و أسسوا لدورها المجتمعي في إزرفان إيمازيغن .

ثم إن الاجدر بالإدريسي و من معه ان يلتحقوا بركب الجزيرة العربية إن هم أرادوا تأسيس دولة عربية لأن تأسيسها على أرض امازيغية يتناقض مع مقومات تاسيس الدول و يتنافى مع عصارة الفكر السياسي التي تؤكد على ضرورة إستمداد أي نظام سياسي لمشروعيته من هوية الشعب ، و إن تحالف قوى التأسلم السياسي مع قوى القومجيين المنادين بأعربة العالم عموما و اعربة البلدان المسلمة خصوصا هو خطوة مفضوحة في إستغلال الدين كمقدس لمآرب سياسية هدفها الأعم هو ضمان مصالح سياسية و كسب رضى أنظمة الخليج التي تستمد شرعيتها من آبار البترول التي ستنقضي في يوم ما لا محالة و لن يبقى إلا رصيدهم الاسود من الجهل المركب في تاريخ الإنسانية الذي يثير ضحك و سخرية أي متعقل عاقل .

إن الإفتخار بنزعة القومية العربية في شمال إفريقيا هو إفتخار بجرائم صاحبت الغزو العربي لتامزغا الذي لم يفلح في طمس هوية الشعب الذي تمكن في فترة تاريخية أن يطوق روما و يعلنها يوغرطن للبيع ، و رغم سياسات التعريب الممنهجة التي إستغلت الدين في نشر سموم القومجية فلم تفلح أبدا في زحزحة القناعة الجماعية لإيمازيغن في التشبث بهويتهم و ما يجب ان يدركه أبو زيد و حزبه القنديلي و جماعته التي إنطلقت من الدعوة من الوعظ و الإفتاء في فرائض الوضوء لتصل لمزاحمة قوى المخزن العتيدة في تقاسم كعكة السلطة و إحتضان الفساد ، هو ان الزيف السياسي قد سقط على كل متخنج يختبئ وراء الدين ليسترزق و يراكم الثروة قد إنتهت صلاحية فكره بعدما أسسوا لخطاب سياسي تكليخي يستعبد الشعب بواسطة وسائل تمويهية تأتي من غرفة عمليات قوى البترودولار و تطبق بكل حذافيرها ليقول من يدعي الفقه لأسياده المشرقيين ان عملية التعريب و إبادة الامازيغية متواصلة ، ثم إن البخل و الشح الذي حاول الإدريسي إلصاقه بإيمازيغن هو دليل على جهل تام بالعلوم الحديثة فالبخل عاهة نفسية لا عرق لها و لا وطن أشد مراتبه هو البخل و الشح المعرفي الذي يتسم به أبو زيد ، كيف لا و هو عضو بالجمعية المدافعة عن اللغة العربية في بلد غير عربي ، كيف لا و هو يقول عن القضية الفلسطينية قضية وطنية اولى بالإهتمام في كتابه ” فلسطين و صراع الإرادات ” ، كيف لا و هو يقول ان العروبة هي الضامن لسيرورة مجتمعية في المغرب في كتابه ” في المساندة النقدية لحكومة التناوب ” .

إن الإستنفار و الهجومات المتوالية في المرحلة الاخيرة من لدن المتأسلمين المتخصصين في الإفتاء في مواضيع الوضوء و الجنابة ، على الهوية و القضية الامازيغية هو دليل على قرب فلول خطابهم الذي تجاوزه التراكم المعرفي الزمكاني ، بعد إستفاقة الشعب من سبات الإيديولوجيا القومجية و إقتناعه أن الامازيغية مشروع حضاري شامل في شمال إفريقيا و ما دونها فهو خرافة تاريخية سائرة للزوال بعد حين ، ثم إن الحديث عن القومية العربية في بلد غير عربي هو شهادة زور في حق الإثباتات التاريخية التي تستلزم جلد هؤلاء المتطفلين على العلم و التاريخ .

الخطاب التنويري العقلاني المشبع بالتعدد و الإختلاف و القائم على نسبية المعطى للحركة الامازيغية، سائر في كشف ترهات و أساطير القومجيين الذين يريدون جعل الامازيغية مطية سياسية يتقربون بها إلى الانظمة البترودولارية لنيل بعضا من فتات الهبات و الحصول على رضى و مباركة هذه الانظمة ، فلا هجمات الريسوني و الفيزازي و الحدوشي و علال الفاسي و لا قبلهم من عربوشيين وصولا إلى معاوية أفلحت في إزاغة مسار هذا الشعب عن هويته ، و رغم كل الميزانيات الضخمة المسخرة لهؤلاء من إعلام و منظومات تربوية و منابر في الجرائد و مطبعات تطبع كتب صفراء تحوقل بالعروبة و تقدس لها فهي في آخر المطاف مجرد تزيين لإيديولوجيا مفروغة من إستيتيقات الإستدلال ، فإن كنا بخلاء نحن الامازيغ فلم تنادوننا في خطبكم المفخخة بالأعزاء ؟؟ و إن كان الشعب الامازيغي مسخا فلم فشلت خطط التعريب لما يزيد عن 12 قرنا في طمس هويتنا ؟؟ و إن كانت العربية التي تقدسونها من اجل مرامي سياسية هي السائدة فلم تضربون التعتيم عن التمدرس بالامازيغية و لم تغيبونها من الإعلام الرسمي و لم تتحاشون الحديث عن الأمجاد التاريخية للشعب الامازيغي ؟

إن خرجة الإدريسي الأخيرة لا تخلو ان تكون وسيلة تسول و خضوع لعبد متسول لبركة سيده المشرقي ، و هي لن تفلح مادامت دماء الأجداد تسري في عروق الشعب و لن تنجح مادام الأمازيغ مصرين على إسقاط أصنام العروبة المتحجرة المحصنة في قوانين تفخيخية مستصدرة من لدن نظام سياسي أقيمت شرعيته على العروبة قبل الإسلام و تم تسخير بيادق السلاطين و منهم الإدريسي للترويج بأن العروبة ركن سادس من اركان الإسلام .

و على سبيل الختم فإن التأسلم السياسي المستغل للدين من اجل تكريس اعربة المحيط هو مجرد خطأ تاريخي أفرزته عصارة متحجرة تنظر للزمكان من زاوية الركود و الجمود في زمن تسارع المعلومة و دينامية الفكر المغربل للترهات التي تحجز مكانها في مزبلة التاريخ .

الامازيغية ارقى من ان تذكر في مجالس من يفتي بضرورة هجر المراة في الفراش و ينظر إليها كوسيلة إشباع غريزي ، و الامازيغية اسمى أن تلفظ على لسان من يُنَظِر لوطء الجثث و يحلل التفجير بالاسواق و يرى الغرب فتنة لكنه يقتني سيارته و يتداوى في مستشفياته و و لولاه لظل هؤلاء يركبون ظهور الدواب في زمن غزو الفضاء ، و الحصيلة أن سكيزوفرينا أبو زيد تبين ان هنالك فصيلة إنسانية تقترب من الشمبانزي اكثر من دنوها إلى إنسان عاقل يغلب العقل عن النقل و لا يقدس إلا إنسية الإنسان و ليس له أي تفويض إلاهي لتاويل خطاب ديني حسب هواه السياسي و رغباته المالية .

التعاليق (0)
أضف تعليق