المجتمع الطوعي..مقابل عجز الدولة التليدي يقترح تقليعة جديدة لمواجهة معضلة التعليم والصحة

عادي وطبيعي بل ومشروع حتى، أن يبحث بلال التليدي وينقب ويتفحص ويستخرج “لمسات” ايجابية لحصيلة حكومة يرأسها الحزب الذي ينتمي إليه، خصوصا وقد شارفنا على انطلاق الحملة الانتخابية.

في امقال له معنون ب”لمسة الاسلاميين”، يحسب للتليدي أنه يقر بشكل ضمني ويعترف بشكل مبطن، بفشل هذه الحكومة في ايجاد حلول لمعضلات كبرى في مجالات حيوية لبلد كبلدنا، فيما سماه بالسياسة الاقتصادية والاجتماعية، وخص بالذكر منها بالأساس مجال التعليم والصحة…طبعا مع حرصه على التأكيد على أن هذه الحكومة حتى وإن لم تنجح في التقدم خطوات إلى الأمام في هذا الباب فهي على الأقل أوقفت النزيف…وهو أمر غير مؤكد بالنظر لتراجع المؤشرات .

في هذا الميدان يمكن أن نسوق بعضا من نماذجها، ويتعلق الأمر بمؤشر الهدر المدرسي ومؤشر وفيات الأمهات أثناء الولادة…غيض من فيض فشل الحكومة في ايقاف النزيف بالرغم من التزام المغرب بتحقيق تقدم ملموس في إطار أهداف الألفية للتنمية في حدود سنة 2015.

طيب، يمكن للعارف بالتحديات الكبرى في مجالات يعشش فيها الفساد بشكل كبير والذي يتطلب تدخلات هيكلية وخصوصا جرأة وإرادة سياسية حقيقية…أن يتفهم أن الحزب الذي يرأس الحكومة غير قادر لوحده على توفيرها…وأن الأمر يستدعي وجود حكومة “وطنية” بقوى سياسية فاعلة ومؤثرة، إن لم يكن على مستوى مؤسسات الدولة فعلى الأقل في قلب القطاعات الحقيقية للمجتمع…هذا مفهوم ولا يجب أن نخضعه للسجال والبوليميك.

غير أن ما لا يفهم هو ما يقترحه علينا الأخ التليدي انطلاقا من قراءة التجربة الحالية واستخلاص دروس في أفق وكاستشراف للمستقبل، حيث يقول بصريح العبارة…أن هناك “خيار ثالث، (وهو) الذي يسند إلى المجتمع الوظيفة الطوعية في تقديم نموذج آخر للتعليم، ومبادرات أخرى في العلاج، ويقوي ويوسع وعاء الاقتصاد التضامني التعاوني، كان من الممكن أن يتم الاشتغال عليه لإعادة التوازن”.

بصراحة هذا الاقتراح هو ما يمكن أن ندخله في باب ما جاء في كم من حاجة قضيناها بتركها…أي بدل البحث مجددا على مداخل سياسية حقيقية تسمح باستعادة دور الدولة والقطاع العام عموما في مجالين حيويين (التعليم والصحة) يقترح علينا السيد التليدي أن يفتح المجال ليلعب “المجتمع الطوعي” دوره…أي بصريح العبارة نفض اليد ودعوة المجتمع المدني (الطوعي) ليتحمل تبعات فشل السياسات العمومية.

لا يتقدم التليدي بمقترحات واضحة في هذا الباب…بل ولم يعطي حتى تعريفا لهذا الذي سماه بالمجتمع الطوعي…فهو على ما يبدو ليس منشغلا بهذا بقدر ما يشغله البحث عن لمسة الإسلاميين وتميزهم على ما عداهم.

لا لا يا سيدي…في انتظار أن تقدم لنا تعريفا واضحا ومقترحات دقيقة…وجب التذكير فقط أنه وحسب دراسة أنجزها برنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) فإن نسبة التطوع لدى المغاربة جد ضعيفة وأنه بالنظر لمعيقات مرتبطة هي الأخرى بمعضلة التعليم، فلا يمكن نهائيا الاعتماد على المجتمع التطوعي لإخراج البلاد من النفق.

لا لا يا سيدي، لا يمكن الاكتفاء بسياسة النعامة…ولا يجب الوقوع في مطبة البحث عن “اللمسة الإسلامية” بهاجس انتخابي محض، بل يلزم التحلي بالجرأة السياسية للتوجه إلى المنابع الحقيقية التي تعرقل تطور البلاد…فلا فكاك للسياسي الحقيقي من مواجهة الأسئلة الحارقة والتحديات الكبرى حتى وإن كان الأمر يتطلب كلفة سياسية…والمقصود في هذه الحالة الجرأة ضد من لا يرحمون البلد وليس في مواجهة من لم تبقى لهم أية إمكانية للتضحية…أي الفئات العريضة من المغاربة الذين أعيتهم التضحيات طيلة سنوات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.