تشي غيفارا المؤمن

عندما كنا صغارا، كنا نختزل مسألة الممنوع و المباح في ثنائيات بسيطة، حيث كانت لتلك الافكار قدرة و قوة في الوصول الى الاقناع و الامتاع، فعندما تسقط كسرة خبر خطأ فوق الأرض، نسارع بالقول بأن الشيطان أكلها حتى نتسابق عليها لنعيد التهامها بنهم كبير، و على وجوهنا ترتسم ابتسامات المكر.

كنا بسطاء في أفكارنا، لغاية ما كبر المقاس على الجسد النحيل و صار موس الحلاقة يعرف عنوان ذقوننا، فأدركنا سهوا بأن الحياة أعقد بكثير من حكايا الجدة في ليالي الشتاء.

علمونا خطأ بأن ثنائيات الصبا هي درب من لهو الذاكرة الغير مدركة، علمونا بأن هناك الحلال و الحرام، و المسموح و الممنوع، و المرفوض و الرغوب، علمونا و علمونا و ياليتهم صاموا عن الكلام و تركوا فطرتنا تقودنا للصلاح، لذلك فلا غرابة أن يصدح ” هنري بروكس آدامز” بأن ” المدهش في العملية التعليمية هو كمية الجهل المتراكم في صورة حقائق”.

مناسبة هذه المناجاة العفوية هو تطرف العالم و ارتقاءه نحو الهاوية، ففي غياب القيم الاخلاقية، أصبح الكل يحارب الكل، و أصبح العالم أشبه بصورة مكبرة لفيلم ” سيد الخواتم” حيث الصراع الأزلي مابين النور و الظلام، غير أننا في عصر إختلط فيه الابيض بالاسود فصار المشهد رمادي، غير واضح، تماما كضمانات الغيب، ترى و لاترى، على حد تعبير الكبير محمود درويش في رائعته ” وحدك”، أو كحركات الالكترون في فيزياء الكم ، حيث معضلة الوجود و اللاوجود، فاختلطت نسبية الحقائق بإطلاقيتها، و تعددت التحليلات و التفسيرات، و تطورت أساليب التكفير و التحريم بأسانيد تلامس القشور و العواطف، فذبلت الأخلاق و تعززت الكراهية.

في ظل ذلك برزت حقيقة واحدة مفادها أننا نعيش اندحارا قويا للقيم الانسانية  و أزمة غير مسبوقة في تاريخ المفاهيم و الاخلاق ، فبالغرب هناك أزمة يمين و اقتصاد، و بالشرق هناك أزمة فكر ووجود، و بالشمال هناك أزمة تطرف و حدود، و بالجنوب هناك أزمة غذاء و حروب.

و الطبيعي أن تلك الظروف لن تنتج سوى تطرف، سواء ديني أو قومي أو عقائدي أو اثني، يسهم بدوره في صعود الخطابات العنصرية المتشبعة بالأنا، و إعادة انتاج محاكم التفتيش و ذهنيات التحريم، و اعادة تمثيل داحس و غبراء جديدة، سمتها  أنها لا تبقي و لاتذر.

و في غياب الأخلاق التي وجدت الرسالة النبوية لإتمامها و تعزيزها ، الكل صار يناجي إله يقدده على قد هواه، و الكل يفصل عباءته القومية و الاجتماعية و الدينية على قدر فهمه و استيعابه، و أمام كل ذلك تنحدر الاخلاق و القيم، و هي جوهر الدين و أساسه المتين، لذلك فلا غرابة أن نجد أفراد داخل المجتمعات الدينية تتعاطف كثيرا مع بعض الملاحدة نظرا لأخلاقياتهم الطاغية و النبيلة، بينما لا يتعاطفون مع رجالات الدين، فالثائر ” تشي غيفارا” مثلا الطبيب الارجنتيني المنحدر من عائلة برجوازية، قد كرس زهرة حياته من أجل إسعاد البشرية في دوائرها الوطنية الضيقة و آفاقها البشرية الواسعة، فمات في سبيل مبادئه السامية، فهو عاش من أجل الاخرين وضحى في سبيلهم، و الأكثر من ذلك فهو كان يدرك و يعي وجود الله، بل و يقاربه بمعنى سليم، ليس “كذات” لأن الله سبحانه و تعالى ” ليس كمثله شئ “، بل كصفات و قيم نبيلة من عدل و مساواة و حرية و كرامة و رحمة، عكس رجالات الدين الذين يفتون حسب ميزان المصالح و تقلبات الأمور، و هو مايفسر تعاطفنا الفطري مع غيفارا، و حتى أعتى الملاحدة لم يكن لهم موقف ضد الدين بل ضد استغلال الدين في التبرير و تمرير خطابات سياسية، و هو ماعبر عنه كارل ماركس بقوله ” أن دور الطاغية أن يجعلك فقيرا، و دور رجل الدين أن يجعل وعيك مغيبا” .

و عليه فالاخلاق هو السمة البارزة و الفارقة في تطور الشعوب، و تجاوز مراحل الجمود الحضاري و الانساني التي نعيشها و تأكيدها يأتي بمزاوجة الوعي بالارادة و الفهم السليم للمقدس، حيث الاخلاق و المعاملات الأساس المطلق.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.