قضية الصحراء كابوس سياسي يجب إنهاؤه

ليس من باب المبالغة ، أن نؤكد على أن التظاهرة الأخيرة ضد تصريحات الأمين العام الأممي ، كانت تحمل ميسما تهييجيا مفرطا في التشنج و رد الفعل الموبوء بالشوفينية و المخزنة و الوطنية المفترى عنها . فالأكيد أن لا علاقة مطلقا بين شعاراتها و فعالياتها و المشاركين فيها ، و ما نسميه بالحل الديمقراطي المتوافق عليه بعد مفاوضات صريحة ، محرجة و معقدة و استراتيجية في بعد نظرها .

لندع جانبا محمد ع العزيز، و قيادة جبهته ، و لنعتبره عميلا جزائريا ، و دمية سياسية بيد العسكرتارية الجزائرية ، مسايرين في هذا طرح المخزن و رأيه العام المغربي ، و لنوجه له جميع تهم الخيانة و الإرتزاق بعد أن نستعرض أمامنا “روابط ” التاريخ و الجغرافيا و الدين و البيعة الشرعية و السياسية . و نحن نضعه جانبا ، دعونا نتحدث عن انفصاليي الداخل الصحراوي من أميناتو حيدر الى ماء العينين السويح مرورا بدجيمي الغالية ، ابراهيم دحان ، فاطمة دمبر و للا نْها بوشا الخليفي ، خيدومة الجماني ، لحبيب الصولحي و القائمة تطول . لماذا لا يتم الحديث عن هذا التعبير الإنفصالي الذي تشكل داخل مدن الصحراء و أصبح يمارس حقه كاملا في التنقل و السفر و المواجهة مع الإدارة المغربية و سياسة دولتها بخطاب تحرري استقلالي صريح و مباشر ؟

هؤلاء و غيرهم كثير، لا يتحفظون أبدا في التعبير عن مواقفهم الداعية الى الإنفصال النهائي عن المغرب و يعقدون لأجل هذا ندوات صحفية و يستقبلون الوفود الأجنبية على أراضي العيون و السمارة و الداخلة و ينظمون أنشطتهم الدعائية و التعبوية علانية و أمام أنظار و مراقبة ممثلي السلطة المغربية ، بل إنهم يسمحون خلال أنشطتهم هاته ، ببرمجة تدخلات هاتفية و بقراءة رسائل و مساهمات مسؤولي البوليزاريو الرسميين ، و منهم من يحضر كمؤتمر أو كمراقب لمؤتمرات و لقاءات جبهة البوليزاريو . يمارسون كل هذا ، بجوازات سفر مغربية و يمتطون طائرات مغربية و يمرون بمطارات مغربية .

يجري هذا أمام صمت و عجز الأعيان الصحراويين ، و أثرياء المنطقة المستفيدين من ريع النظام و سخاءه ، و أمام جنيرالات و أمنيي المغرب دون أن يطرح المغاربة بسياسييهم و فاعليهم و خبرائهم السؤال التالي :
ما حقيقة الوضع هناك و ما أسراره و ما هي الأطراف التي تتحكم و تصنع و تديم المشكل هناك بكل هذه التناقضات و المعطيات الغريبة و المفارِقة ؟

تحوم شكوك كثيرة حول ما تقوم به الدولة المغربية من فرقعات “جماهيرية ” و تجييش خطير للمواطَنة المبلطجة و بتأثيث حزبي و نقابي و مدني هجين أمام تصريح لمسؤول أممي لم يتفوه إلا بما اعتاد التصريح به نشطاء صحراويين في وضح النهار و أمام ميكروفونات و كاميرات الإعلام الدولي ؟

تحركات من هذا القبيل تعطي انطباعا للمتأمل الهادئ أننا أمام تدبير سريالي تهكمي لملف مصيري و شائك . استمعت لتدخلات مسؤولي الأحزاب المدعوة للمشاركة في التظاهرة الشهيرة و خلصت الى تقاطع و توافق ذهنياتها في السذاجة و التبسيط مع ما أبانت عنه ممثلة الديبلوماسية الموازية المغربية السيدة نزهة بري في مشاركتها المتحفة لدى قناة فرنسا 24 .

لنسطر و بالبند العريض أن الشوفينية و التعصب الأعمى في القضايا الكبرى ما كانا يوما حلا علميا و موضوعيا . كل ما يقود إليه تعاطي من هذه المنطلقات لن يكون إلا استنزافا معتبرا لمقدرات و مقومات و احتياطات التنمية الوطنية . و كل إدامة لهذا الصراع تحت أي مبرر لن يزيد إلا في تعقيده و إبعاده عن كل إمكانيات العثور على حل تفاوضي يراعي المصالح الحقيقية للمواطن . ناهيك عن مفعول تلك المشاهد و المضامين الكاريكاتورية التي رافقت هيجان المشاركين الموجه بالجهل و التجهيل و التي تجعل المغرب أضحوكة أمام الجميع . لا بد لنا من مقاربة الإشكال من زوايا أكثر جرأة و أكثر انفتاحا على الحقائق السياسية و المجتمعية كما هي تعتمل و تتطور و تنضج واقعيا و من أجل هذا علينا أن نخلق شروطا مواطنة جديدة للإنخراط الجماعي في مسلسل التسريع لحلحلته و طَي صفحته نهائيا .

توطئة لمشروع مستقبلي يروم وضع جميع المعنيين المباشرين بحالة الإعاقة و التخبط الذي تعرفه الأوضاع في الصحراء يبدو أننا مطالبين استعجاليا

ب: – الرفع التام للسرية التي تحيط بهذا الملف و مساراته و تعرجاته و كواليسه و تقديم الوثائق و المعلومات للرأي العام المغربي و الصحراوي حتى يفهم المواطن الحقيقة كاملة و يستوعب التطورات و يقطع مع الأوهام .
– إبعاد شبح الشبيحة الشعبية الجاهلة بمتطلبات العلاقات الدولية و التزامات الدول تجاه بعضها البعض ، عن كل ما يرتبط بفعاليات هذا الملف و إلا سنزيد من تقيح هذه المعضلة لنجد أنفسنا يوما في مواجهة عصابات متعصبة لما يتم اليوم شحنها به من مغالطات و مزايدات و تجاوزات لا تعير أهمية لقيمة المعلومة العاقلة و المنطقية .
– خلق دينامية لنقاشات مدنية و علانية بين مختلف تعبيرات المجتمع المغربي و جعلها حرة و مطلقة في تقديم الآراء و التصورات بعيدا عن تدخلات و مراقبة الأجهزة الأمنية و الإدارية .

– دعوة المجتمع الصحراوي الى نفس الدينامية و الحرص على إشراك كل ممثليه بتناقضاتهم في لقاءات و مناظرات لتعميق البحث و طرح البدائل بعيدا طبعا عن عيون المخابرات و ممثليها و أجهزتها .

– خلق مناسبات مشتركة للتناظر المبدع و تغطيته إعلاميا و إذاعته تلفزيا ليتمكن المواطنون من الجانبين من التعرف على حقيقة الخلافات و التناقضات و ليتمكن من فهم مجريات الأحداث و خلفياتها الموضوعية .

– العمل على فضح الجهات و الأطراف و الهويات و الأشخاص و بالدلائل و المعلومات الدقيقة الذين يستفيدون ماليا و اقتصاديا و مصالحيا و ريعيا من وضع الشلل و اللاحل الذي مازال يطبع هذه القضية .

– رفض سياسة احتكار البث و التقرير في المشكل و سحبها من أوساط المراكز الإدارية و الأمنية و المخابراتية و جعلها تدريجيا قضية رأي عام وطني واعي و منظم بما قد يساعد على القطع مع التحجر و الدوغمائية في طرح سؤال قضية هذه الصحراء .

– تربية المواطنين من خلال الإعلام العمومي و الأنشطة الحزبية و المثقفين على ان يفهموا أن العصر اليوم هو عصر حل الخلافات و التوترات بين الشعوب عبر آليات حضارية كالحوار العمومي و اللقاءات الديبلوماسية و ليس عبر الحروب و المواجهات اللفظية و القمعية .

– نشر ثقافة التعايش و ضرورة العيش المشترك و إفهام المواطنين أن لغة التنازلات المتبادلة وفق المصالح المشتركة للشعوب ليست لغة الهزيمة بقدر ماهي لغة النصر الحقيقي و الإنتصار المشترك .

إفلاس سياسي وأخلاقي

المهندسون المعماريون بطنجة يواكبون المستجدات العلمية والتقنية