التخلف السينمائي في تناول قضايا الوطن المصيرية

مؤسف، وبنظرة مازوشية مشروعة ومبررة، أن نستنتج أن سينما البلد لا تختلف كثيرا عن دبلوماسيته في تخلفها وهي تتناول قضاياه الوطنية والمصيرية…
كان ذلك هو حال المفترى عليه عنوة، والمسمى قيد عرضه، فيلما بعنوان المسيرة، لمخرجه السيد يوسف بريطل والمدرج ضمن عروض المسابقة الرسمية في الدورة السابعة عشر للفيلم الوطني بمدينة طنجة…
الفيلم من تشخيص مجموعة من الممثلين المغاربة الكبار، محمد خي ومحمد الشوبي رشيد الوالي والسعدية ازكون ويمتد على بساط واحد وتسعين دقيقة ورصد له حوالي 70 مليون درهم، وهو بالمناسبة مبلغ يقترب كثيرا مما يرصده المركز السينمائي المغربي لكافة الانتاجات السينمائية المغربية السنوية والتي تصل إلى ثلاثين فيلما…
يستهل الفيلم حكيه انطلاقا من عملية فلاش باك يقوم بها البطل، وهو في سن متقدمة، يتذكر من خلالها الاجواء التي شارك فيها في المسيرة الخضراء، وذلك في حوار مع صحفية…. فلاش باك هذا يظهر البطل وهو شاب يحترف النصب ومطارد من طرف مجهولين لا تعرف هويتهما ولا أسباب مطاردتهما له، ثم يعرج على حكاية أخوين يتاجران في بيع الخرفان والذي سيؤدي بأحدهما إلى مصادفة الخطاب الملكي للراحل الحسن الثاني الذي يدعو إلى المشاركة في المسيرة، يث يعرج الفيلم على عملية التسجيل للمشاركة في هذه المسيرة لتظهر قصة المرأة الحامل التي يرفض الموظف المسؤول تسجيلها…
تنطلق المسيرة لتجد هذه الشخصيات الثلاثة نفسها في المسيرة، ودون العروج على الكثير من الأخطاء في الاستدراج الحكواتي، تستمر الشخصيات في تقديم نفسها، والقصص في البناء الدرامي إلى حين الوصول إلى الحدود الفاصلة بين القوات الاسبانية حيث من المفروض أن تكون الحبكة الدرامية في اوجها، لكن المخرج وكاتب السيناريو فشلا في تحويلها إلى لقطة سينمائية مفتوحة على المفاجئة والجمالية، واكتفيا بحلها بشكل سطحي ومستبلد بالنظر إلى الوعي الجمعي بسيرورة قضية الصحراء الحالية والمأزق السياسي الذي تعرفه…
دون ذلك، وفي قراء رمزية للرسائل التي يوجهها الفيلم، لا يمكن سوى التحسر على غياب الوعي السياسي لدى الطاقم الذي أشرف على إخراج هذا العمل بهذا التشوه، حيث يستشف من الفيلم أن الذين صنعنوا المسيرة الخضراء هم المطاردون واللصوص، فالبطل الذي يحكي، هو ذاته البطل المطارد لأسباب لا يعرفها الجمهور، وهو الذي سرق الخمسة دراهم في اللقطات الأولى، وهو الذي أمسك العلم الوطني بيديه واخترق الحدود وغرسه في رمال الصحراء..
هذا دون الحديث عن الحوار الانتصاري بشكل بليد، والممجد لشخص الملك الراحل بشكل يصور المغاربة كخانعيين بينما الفترة التاريخية التي شهدت المسيرة الخضراء كانت فترة تنامي وعي تقدمي كبير وكان المشهد السياسي يحبل بالكثير من المخاضات السياسية والاجتماعية…
مرة أخرى، بالامكانيات التي رصدت لهذا الفيلم، كان بالامكان صناعة عشرات الأفلام التي يمكنها التأريخ لذا الحدث، بالشكل الذي يمكنه من التعبئة وحفظ الذاكرة بما يليق بتطلعات هذا الشعب…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.