كلمة نورالدين جرير في الذكرى الثالثة لرحيل أيمن المرزوقي

يحق لنا اليوم، وكما تأسست أرسخ عاداتنا نبلا، أن نعتز بتحويل أعمق لحظاتنا الإنسانية وأكثرها حميمية، إلى لحظة تأمل وتفكير بصوت جماعي مسموع في مسارنا النضالي، باعتبارنا صوتا ممانعا وفيا لنسقه الرمزي والقيمي المؤسس على إرث كفاحي لا يساوم على مبدأ التغيير لفائدة كسب معركة سيادة الشعب على قراره السياسي، وثروته الوطنية، ورأسماله الرمزي، كمدخل لبناء الدولة العصرية، دولة الحقوق والحريات، دولة المواطنة والمواطنات والمواطنين…

وككل صوت كفاحي متجذر في تربة الأحلام الشعبية، نحتاج الآن، وفي كل لحظة وحين، وباستحضار متبصر لموازين القوى السياسية، ولتناسل الإكراهات المتنوعة وتعقدها، إلى استلهام التجارب المضيئة لرموز اليسار وقادته، وفتح حوار طموح متجدد خلاق مع إرثهم النضالي الممتد في حاضرنا ومستقبلنا، تقديرا منا لحمولته المستنيرة، وقدرته على مدنا بأسباب الاستمرار على درب مقاومة شروط التردي المتناسلة من إرادة التنميط، والرغبة العمياء اليائسة في إخراس الأصوات التي تشير بثبات إلى أفق التغيير غير القابل لأدنى مساومة.

الرفيقات والرفاق،

أيها الحضور المناضل، هذا هو الإطار الذي يقف فيه اليوم أيمن شامخا بيننا، كما رافقناه وعهدناه، كما اختبرتموه جميعا فكرا وسلوكا ومواقف، يساريا تربت أحلامه وآماله في قلب المعارك الجماهيرية والسياسية، توجه وعيه وعنفوانه كذات فاعلة وكرمز، أسئلة عميقة هي التي يواجهها اليوم كل يساري يعي معنى أن يكون يساريا، في ظل حرب معلنة شاملة على منظومة القيم الإنسانية الكونية، عنوانها الأبرز تسليع الأحلام والقيم وإرادة التغيير نفسها، وفي ظل الحاجة إلى إعادة صياغة مستمرة خلاقة لأسئلة الهوية اليسارية، على ضوء تحديد صارم لمجال ما لا يمكن التفاوض حوله أوالمساومة عليه، أي مجال الحقيقة ذاتها، التي لا يمكن أن تعني شيئا آخر غير التغيير الشامل لفائدة تسييد الإرادة والقرار الشعبيين…

أيها الحضور المناضل، في هذا الإطار يقف أيمن شامخا بيننا، ليصرخ على ألسنتنا بما ظل يردده، بالصوت الثابت الذي يتطلبه الدفاع عن الحقيقة، وهو يكرر بإصرار بمناسبة حراك 20 فبراير وما سبقه وما تلاه، محذرا من التهاون والتقاعس إزاء رهان قرصنة الحقيقة واحتكارها لفائدة تأبيد الاستبداد والتخلف والإقصاء، وتسجيل حق كتابة التاريخ وتأويله باسم أكثر الإرادات رغبة وحاجة إلى إقبار تاريخ التعدد والاختلاف والرفض، أي تاريخ وذاكرة القيم الإنسانية المغربية الكونية، التي تشمل في تمثيليتها الديمقراطية الشاملة الجهات والأجيال والطبقات ذات الإرث الكفاحي المشترك. وككل رمز يستحق موقعا حيا في ذاكرة المستقبل، فإن هذا الصوت الواضح لرفيقنا ورمزنا أيمن المرزوقي، يصير أكثر قوة وأشد وضوحا كلما تكاثف غبار التضليل والتيئيس، أو أصابنا أي قدر من التيه أو الضعف الإنساني، أفرادا أو تنظيما أومواقع، في ظل متغيرات تتطلب منا سرعة التفاعل وتجديد القراءة وبداهة تحيين المواقف وتكييف وسائل الفعل وقنوات التواصل، محصنين ببوصلة تشير إلى هدفنا الأسمى: التغيير الديمقراطي الجذري الشامل، دون عقد ضعف أو تعال فارغ من أي نوع إزاء ضرورة الاعتراف بنسبية سعينا ونسبية اجتهاداتنا الفكرية والسياسية ونسبية أخطائنا، لان فعلنا تاريخي ونتائجه تاريخية، ولأن ما يترتب عليه سلبا أو إيجابا، لا يمكن تقييمه بعيدا عن حركة التاريخ النضالي المعاصر لهذا البلد وهذا الشعب.

الرفيقات والرفاق،

أيها الحضور المناضل: لا حصر للحظات الإنسانية الكبيرة، وللمواقف الجريئة الحكيمة، وللأفكار الحيوية المبدعة، الني تدفعني إلى الانحناء احتراما وامتنانا أمام القامة الشاهقة لرفيقي أيمن، غير أن أكثرها حضورا وحياة في كامل كياني الإنساني اليوم، هي تلك التي تمنح الأجيال الجديدة من المناضلات والمناضلين التقدير الكبير الذي يليق بهن وبهم؛ إلى درجة أن جانبا حيا من رمزية أيمن بيننا يعود إلى وعيه العميق بأدوار شباب المناضلات والمناضلين في التأسيس المتجدد لآليات إعادة صياغة الذات والتاريخ، انطلاقا من قناعته الراسخة بأن النضال عموما وأخيرا ليس سوى ترجمة لإرادة الحياة التي لا يمكن إلا أن تكون متجددة، وأن المتغيرات التي تحملها المسارات المتعرجة لحركة النضال، وفي مقدمتها التحول في المواقع والمواقف والرهانات، لا ينبغي أن تخلف آثارا أبعد من الألم الإنساني الطبيعي والمشروع الذي ينتج عن خسارة أطر وقامات نضالية في الطريق نحو تحقيق الأحلام الكبرى، دون أن يمتد إلى تكريس نزعة جنائزية لا تفيد شيئا في صقل وتطوير الفعل النضالي، لأن الامر يتعلق أولا وأخيرا بنضالات شعب يواجه تاريخه وواقعه بإرثه الرمزي الثقيل وإرادته المتجددة بتجدد أجيال مناضلاته ومناضليه… وهو ما ينبغي تسجيله اليوم بالبند العريض أمام حملات مغرضة، في مختلف وسائل الإعلام وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعية، التي تقدم صورة مضخمة عن تحول في تصورات وقناعات مناضلات ومناضلين يساريين سابقين كما لو كانت توجها يساريا عاما نحو الاستقالة من التاريخ واليسار معا؛ الأمر الذي يفتقد إلى النزاهة، في المقام الأول، فضلا عن كونه يترجم رغبة عمياء في وضع نهاية لما لا يمكن سوى للتاريخ قول الكلمة الفصل فيه.

فهذا الدرب مفتوح ما دام احتكار السلطة، والثروة، وحجز التطور، واعتقال الحقيقة، والمستقبل، وإهدار الكرامة، والإقصاء، وتعزيز المحافظة، وخلط السياسة بالقداسة، وغيرها كثير، قائما. يمضي من يمضي، بصرف النظر عن الدوافع التي لا تعنينا في هذا المقام، ويظل درب النضال مفتوحا تعمقه إرادة شعب يمضي نحو مستقبله، ونحن نعي جميعا تاريخية هذه الحركة، وما تعنيه من تقدم وجزر، صعود ونزول، خيبات وأفراح، إلى أن تنتصر إرادة التقدم… ولمزيد من التوضيح، يتعذر على أي كان حصر أعداد المناضلات والمناضلين الذين يجسدون خط الاستمرارية النضالية على قاعدة تطوير قراءاتهم وتأويلاتهم وفعلهم في الواقع، وهم يراكمون خبرات كفاحية مبدعة نضجت عقودا منذ تفتح وعيهم وإرادتهم في رحاب الجامعة، ما يجعل من هذا الخط قاعدة لا يوقف زحفها وتجذرها استثناء. وفي حضوركن وحضوركم ما يؤكد وحده رسوخها.

الرفيقات والرفاق،

أيها الحضور المناضل: يحضر أيمن اليوم بيننا بقامته الشامخة وتفاؤله الثوري، ليلهمنا ما نحن في حاجة دائمة إليه: أي تقدير ما أنجزناه معا، بوعي وحكمة وإصرار، من أجل استكمال بناء أداة حزبية يسارية اشتراكية قادرة على رفع تحديات بناء المشروع الديمقراطي الشامل، باستثمار التراكم النضالي الفكري والسياسي للتجارب اليسارية الحية المتجددة، وفتح آفاق واسعة أمام إسهام المناضلات والمناضلين الحريصات والحريصين على تطوير التجربة وبناء أفقها المغاير كهوية يسارية صريحة في انتسابها لمرجعياتها الفكرية والفلسفية والإيديولوجية الاشتراكية نصا وتحديدا، مكافحة من أجل فصل القداسة عن السياسة، وتطوير ممكنات الخيار السياسي اليساري الاشتراكي الجماهيري، وجعل التنظيم مجالا حيا لإشعاع الحريات والحقوق، وأرضا صلبة لاختبار قيم المشروع الديمقراطي الجذري، ولبلورة مشروعنا الثقافي المعرفي المبني على تسييد قيم النقد والنقد الذاتي وتثمين المبادرات الخلاقة، بما يجعل الحياة السياسية التظيمية الداخلية، نموذجا حيا لما نحلم بتأسيسه، إلى جانب كل من له مصلحة في التغيير، على أرض الواقع…

2 تعليقات
  1. شفيشو عبدالاله يقول

    بعد وقوفي على الكلمة المطولة التي ألقاها نور الدين جرير رفيبق الدرب للفقيد أيمن المروزوقي في محطات كثيرة كان أخرها اللجنة المنبثقة عن لقاء الشاون 2013 الخاصة بقضية الشهيد ايت محمد بنعيسى ، وبعد اعادة الوقوف للمرة الثانية على تلك الكلمة لم أتوقف عند اشارة ولو عابرة لما قدمه الفقيد للجنة التي كان الرفيق جرير عضوا فاعلا فيها بل لم يمر مر الكرام حتى على اعطاء اشارة للحضور المناضل بهته المحطة ونحن نخلد الذكرى 23 للشهيد….
    مجرد تساؤل

  2. ابو شادية يقول

    الرفيق نور الدين جرير مناضل كفاحي ممانع…..له رمزيته ومكانته ووضعه الاعتباري
    فتحية خاصة الى هذا المناضل الذي عرفته وانا طالب جامعي وكان لي شرف زيارته في سجن عين قادوس وانا مناضل داخل تجربة الديمقراطيين المستقلين وانا مناضل داخل اليسار الموحد وانا مناضل داخل الاشتراكي الموحد
    مناضل ظل وفيا لقيمه الكفاحية والممانعة منسجما مع تاريخه
    فتحية لك رفيقي نور الدين ايها الشامخ
    هكذا عرفناك وهكذا عهدناك…….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.