مارغريتا، تعيش وقتها الإضافي..

إنها في قاعة انتظار على أبواب السماء المشرعة ..كما يحلو لها ان تقول ..لقد أقفلت عامها التسعين قبل سنة او سنتين.. أزورها في الشهر مرة..او مرتين ، لأعتني بحديقتها الصغيرة ، واحمل لها مالم تعد عظامها المهترئة تقوى على حمله : صندوقين من المياه المعدنية ، ورق صحي ، قارورتي خل تفاح ، ثلاث قارورات زيت عباد الشمس نمساوي ، باقة ورد وأشياء أخرى. .مقابل حفنة يوروهات…

ذات ظهيرة ..كنت منغمسا بجوارحي في مطاردة وإعدام كل الطفيليات التي يحلوا لها المقام في ال…مناطق الأكثر رطوبة ..من تلك الحديقة الصغيرة ..بجوارحي فقط كما هي عادتي دائما أثناء العمل ..اما دواخلي ..كانت هناك بعيدا تسبح في عوالم أوسع وأرحب. .و أجمل ..ولا مكان للطفيليات فيها.. انتزعني صوتها الآتي من الحديقة المجاورة ..

-هالو..

حين التفت لأرد التحية بأحسن منها ..رأيتها لأول مرة ..وﻷخر مرة ..كانت امرأة في جسم طفلة ..جسد ضئيل ..بشرة شاحبة كالشمع..ذراعين عاريين كغصنين نحيلين..وجه طفولي خال من كل المساحيق والألوان ..ومن كل اكسسوار ..سوى حلقة فضية تخترق طرف أنفها…عرفتها بالتو ..انها “ميلاني” ابنة الجيران ..او بالأحرى انها الدكتورة ميلاني طبيبة متخصصة في طب الأطفال بالمستشفى الجامعي بماينز..حديثة التخرج ..ولم تتجاوز بعد عامها الخامس والعشرون ..بفضل العجوز” مارغريتا” كنت أعرف عنها الكثير ..أكثر مما تعرفه هي من اخباري وأسراري..

تلك الظهيرة..سألتني عن طماطمها التي تعفن قبل ان تنضج ..وعن رؤوس الخس التي تلتهمها جحافل الحلزون ..حين اخبرتها..انه عليها حماية طماطمها في بيت بلاستيكي ..وحماية خسها برش مبيد ..رفضت ..اخبرتني بما يشبه صراخ طفلة :

– كي آكل انا حبة طماطم ..لا يجب أن أقتل طيورا وعصافير في جزيرة هناك وسط المحيط ..

مرت الأيام والشهور ..اخبرتني العجوز ان” ميلاني” غادرت رفقة صديق لها بعيدا عن ألمانيا. .غادرت إلى أعماق افريقيا ..استمر غيابها قرابة السنة ..جابت فيها أطراف خارطة البؤس..الجوع.والمرض ..وحين عادت ..كانت قد عاشت حياتها كلها ..او اغلبها ..

عادت صامتة ..حزينة ..مكتئبة ..حاولت العودة إلى عملها ..فلم تسعفها أحزانها. .اضربت عن الكلام ..إلا مع نفسها في حوار صامت ..لم تعد تتحدث حتى مع والديها .. ذات يوم حار..الصيف الماضي ..اتصلت بي “مارغريتا “..حان موعد العمل مرة اخرى ..حين فتحت لي باب بيتها..هممت كعادتي للعبور إلى الحديقة..استوقفتني :

– تعال لنجلس قليلا ..لنشرب اولا فنجان قهوة.

اعرف عاداتها جيدا ..فنجان قهوة قبل العمل ..يعني ان هناك أمر مستعجل ..خبر عاجل حسب قاموس الإعلام. .

– آه.. آه.. ميلاني ماتت..يوم الجمعة المقبل ستتم مراسيم الدفن.. وجدتها والدتها مستلقية بوجهها على مكتبها الصغير في غرفتها..وبجانبها قنينة ويسكي ..وعلبة أقراص. .

-انها طبيبة ..هكذا أخبرتني مارغريتا قبل ان تضيف ..انها طبيبة ..تعرف بالتأكيد أقصر الطرق للموت وأقلها ألما ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.