2/1 الديمقراطية والعلمانية ، أي أفق في المشهد المغربي ؟ الحلقة الثانية : الأصولية حاضنة طبيعية للاعقلانية

لأية ديمقراطية ولأية علمانية يتسع أفق المشهد المغربي ؟ وما هي العراقيل التي تعيق تدشين البناء الديمقراطي في المغرب الذي لا يزال في قاعة الإنتظار ؟ لا بد من إثارة هذا النوع من الأسئلة ولا بد من الإهتداء إلى أجوبة .

مما لاشك فيه أن المغرب مُجْبَرٌ على التحديث والعصرنة ، مُجبر على ذلك من جهتين : الجهة الأولى هي الضغوطات الخارجية المتمثلة في المعايير التي يفرضها السوق العالمي والمواصفات التي تضعها الأسرة الدولية شروطا للمعاملات مع أي دولة تتغيَّى الحصول على موقع داخل هذا السوق ، أما الجهة الثانية فهي الإشكالات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي يعاني منها المغرب والتي باتت تستدعي حلولا مستعجلة ولا تقبل التأخير . إن إكراهات التنمية واستشراف آَفاق المستقبل والإستجابة لتطلعات المغاربة وطموحاتهم تتطلب لزوما آَليات عقلانية للتدبير والتخطيط والتسيير والبرمجة وصُنع القرار ، التحديث والعصرنة أصبح الآن مطلب كل طفل في أبسط بيت مغربي ، والعقلية التي تقود الدولة المغربية حاليا لا تستطيع بأي شكل من الأشكال التفاعل مع معطيات التحديث والعصرنة إن لم يكن استحالة تعايشها معها ؛ التحديث والعصرنة قدر الإنسانية وليس اختيارا مطروحا أمام الشعوب لأن التطور والتقدم قانون طبيعي يَخْفُرُ تاريخ البشرية منذ أن بدأت مغامرة الإنسان في هذا العالم ، لذلك فالشعوب التي تُساير تحديات التطور والتقدم لا تفعل ذلك بالإستناد إلى المعجزات والتوقعات الغيبية وصلوات طلب الغيث والإستسقاء ، لكنها تتمكن من ذلك بالإستناد إلى الفكر العقلاني ومنتوجات البحث العلمي واعتمادهما داخل مؤسسات الدولة المختلفة وتعميمهما في الفضاء الثقافي العام .

الدولة المغربية توجد على بعد مسافة ضوئية من هذه الأجواء إذ لا شيئ يؤشر على أن انخراط المغرب في مشروع التحديث والعصرنة صادر عن قناعة حاصلة فعليا عند الطبقة السياسية الحاكمة ولا حتى عند أغلب مكونات المجتمع السياسي ؛ إن مشروعا من هذا الحجم يشترط التوفر على آليات وأدوات التنفيذ ، التي هي ذاتها جزءا منه ، كما يستوجب تعاقدا بين جميع المكونات السياسية من خلال دستور وطني يجسد الحد الأدنى من التوافق ويُنهي استعلاء فئة اجتماعية وتنمُّرِها على باقي الفئات ، وهذه المقومات منعدمة في الوقت الراهن ؛ التحديث والعصرنة قرار سياسي ومشروع وطني ينبغي أن يستوفي كل عناصر هذا القرار وهذا المشروع وإلا أصبح مجرد استهلاك إعلامي ودغدغة لمشاعر الناس ليس إلا . الإلتحاق بالعصر والإمساك بناصية التقدم والتحديث متوقف على وجود مؤسسات قوية تمتلك الصلاحيات اللازمة للتصرف والتدبير ومستقلة عن كل أصناف الوصاية ، وفي نفس الحين تكون تحت سلطة المراقبة والمحاسبة مع عدم وجود أي أثر لسلطة فوق القانون ، فالعصر الحديث عصر مؤسسات ومسؤوليات ولن يقبل في حاضرته سوى البلدان التي استوفت المعايير العقلانية لمنظومة الدولة الحديثة ، أما الدول التي تهاب رياح التغيير والمُكبّلة بقيود الأصولية ، مثل المغرب ، فلا مكان لها داخل بنية العصر الحديث . إن مشروع التحديث والعصرنة إذا لم يكن مرتبطا ارتباطا عضويا بمشروع التحول إلى الديمقراطية والعلمانية فإنه سيبقى في حدود التضليل والهرطقة.

الوضع الإجتماعي والإقتصادي والسياسي في المغرب لم يعد يُطيق الإجراءات الترقيعية والوصفات العشوائية الخاضعة لمنطق المناسبات والإملاءات ، كما أن المغاربة سَئِمُوا سياسة المُنة والهبات وقفة رمضان وصندوق المقاصة والتكفل بالمرضى وضحايا حوادث السير من المال الخاص ، أعني سَئِمُوا سياسة تعاملهم كمُتسولين وشحاذين ؛ المغاربة ليسوا عِبْئاً على وطنهم ، ومشكلاتهم لا تكمن في الخُبْزِ ، وإنما تكمن في انعدام الكرامة وغياب العدالة الإجتماعية ومصادرة الحق في المواطنة الكاملة وفي استحواذ فئة على السلطة وعلى الثروة الوطنية التي هم صانعوها . الطبيعة اللاعقلانية للنظام السياسي الحالي في المغرب لا تسمح بتجسيد الحد الأدنى للعهد الدولي ومواثيق الإعلان الأممي لحقوق الإنسان التي تعد شروطا أولية للإنتماء إلى العصر الحديث لأن هذه الشروط تقتضي وجود مؤسسات لتفعيلها ولا يمكن أن تصير واقعا مُعاشا خارج دولة القانون والمؤسسات . يوجد المغرب تحت هيمنة       القوى المحافظة وأسيرا لدى الأصولية التي تقاوم بشتى الوسائل طموح المغاربة في الإنتقال إلى المستقبل وتَتَشَرَّسُ في الإلتفاف والتلفع على كل فرصة تُتاح للمغرب لإحداث الإصلاحات الضرورية حتى يكون على موعد مع التاريخ ؛ المثال الحي على هذا هي الفرصة المهدورة التي أحدثتها حركة العشرين من فبراير ، لقد عايشنا جميعا كيف انتصبت الأصولية وتوحدت ضد مطالب الحركة الشبابية الرامية إلى التغيير والتحديث والعصرنة ، وكيف تكتلت وأجمعت على تمرير الدستور المُعَدَّل ؛ المغاربة رهائن عند الأصولية ، والمغرب مُحاصر من طرف الأصولية ، أينما وليت وجهك لن تجد سوى الأصولية ؛ فما هي إذا حظوظ مشروع التحول إلى الديمقراطية في المغرب ، وما العمل ؟ .

ثلاثة حواجز تقف صخرة صماء في وجه تدشين البناء الديمقراطي والعلماني في المغرب الذي لا يزال أمره معلقا: الأول هو اللاعقلانية المتحكمة في عقول المغاربة ، الثاني هو الأصولية الجاثمة على تاريخ المغرب منذ إنشاء كيان الدولة المغربية ، الثالث هو المخزنية المحتضنة للسلطة ؛ ويحيط بهذه الحواجز الثلاثة حزامان منيعان يغذيانها بالقوة والقدرة على الإستمرار والصمود وهما حزام الفقر وحزام القبضة الحديدية للأجهزة الأمنية .

  • اللاعقلانية :

اللاعقلانية هي الحاضنة الطبيعية للأصولية كما أن الأصولية هي الحاضنة الطبيعية للمخزنية ، والسلطة السياسية هي الخيط الناظم لهذا التحالف الثلاثي . طرح المسألة بهكذا صورة يُظهر إلى أي حد أن معركة التحول إلى الديمقراطية والعلمانية في المغرب خيار عصي وشائك ، ويُظهر أيضا حجم الصعوبات التي تنتظر الحركات المُطالبة بدمقرطة الدولة المغربية . خوض هذه المعركة لا يخص الحقل السياسي لوحده وإنما يتجاوزه إلى حقول أخرى ينبغي للسياسيين أن لا يغفلوها وإلا انتهت مجهوداتهم إلى الإحباط والإستسلام كما حدث ويحدث مع العديد من الأطر السياسية التقدمية التي تُوِجَتْ تجاربهم بخواتم مأساوية حيث أصبحوا مخزنيين أكثر من المخزنيين أو أصوليين أعتى من الأصوليين أو يائسين أيْأسُ من اليائسين فباتوا خصوما أشداء لما كانوا علية بالأمس القريب .

منسوب العقلانية في الوعاء الإجتماعي المغربي منسوب هزيل وهامشي ، مؤشرات ذلك نستقيها من الخطاب اليومي المتداول في الفضاء العام والخاص في البيوت داخل الأسر ومن البضاعة المعرفية المستهلكة في المؤسسات التعليمية ومدرجات الجامعة ومن مجال الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي ومن الإنتاجات الفنية والأدبية ومن البرامج الإجتماعية على الراديو والتلفزيون ومن خطب السياسيين وداخل أروقة الأحزاب ومن مداولات البرلمان والسياسة الحكومية وكذلك نستقيها من الإدارة العمومية ومن مكاتب المجتمع المدني ومن نمط تسيير المقاولات والشركات الإستثمارية وصولا إلى أسلوب صرف المداخيل العامة للدولة ؛ التفكير العقلاني يعيش محنة حقيقية في المغرب ، فبينما كان مفروضا أن يكون في أبهى تألقه بعدما تمكنت أوسع الفئات الإجتماعية من نعمة التعليم نلحظ ، وعكس ذلك ، ِردَّة فظيعة تجتاح المجتمع نحو الغيبيات ورفضا عنيفا للفكر النقدي والعقلاني خصوصا ، ويجب التأكيد على هذا  لدى الحاصلين على التعليم العالي ، أقصد هنا جزءا كبيرا من الطبقة الوسطى التي تُعتبر اليومَ الكتلةَ الصَّمَّاءَ للأصولية في المغرب عوض أن تكون كتلة صماء للثقافة العلمية ومدرسة في الإجتهاد وحرية الفكر .

الديمقراطية لا تنحصر في صناديق الإقتراع ، وليست الإنتخابات ، مهما كانت خالية من تدخلات الإدارة وإرادة التزوير ، دليلا على الديمقراطية ، هذا الشأن لا يهم سوى الجانب التقني للديمقراطية ، ولا يكون كما يجب أن يكون إلا إذا كان المجتمع متشبعا بقيم ومفاهيم الديمقراطية كأسلوب عقلاني لتدبير الحياة العامة ، أما في غياب حصول هذه القناعة عند الناس سيظل مطلب التحول إلى الديمقراطية حبيس مقرات الأحزاب وستظل صناديق الإقتراع متعطشة إلى التزوير . المطلوب هو العمل على دمقرطة المجتمع من خلال نشر الوعي النقدي وتقوية حضور التفكير العقلاني في التداول العمومي ، في البيوت ، في فصول المدارس ومدرجات الجامعات ، في أروقة الأحزاب وعلى شبكة التواصل الإجتماعي الإلكترونية … ، أعني أن معركة التحول إلى الديمقراطية أكبر من معركة سياسية وحقلها أوسع من الحقل السياسي ، إنها معركة ، في المقام الأول ، مع اللاعقلانية ومع ما يترتب عنها ، فلا يمكن للديمقراطية كمنتوج عقلاني أن تُبنى على قاعدة لاعقلانية ؛ ومن سُخرية الأقدار أن الهيئات الحزبية الحاملة لشعار التحول الديمقراطي والتي يجب أن تكون معقلا للعقلانية هَبّتْ عليها رياح الأصولية فتمكنت من شل قدراتها فتعطل إشعاعها . بالنسبة للذين ينظرون إلى الحياة من نافذة السلطة الغيبية لا يُستساغ عندهم فصل الدين عن الدولة وحرية المُعتقد والتشريع الوضعي والحريات الفردية وتحرر المرأة إلخ ، لأن كل شيئ في نظرهم محسوم لا سبيل إلى تبديله بما هو أقل منه أي بما يأتي من عند الإنسان . اللاعقلانية تحُطُّ من قيمة الإنسان فهي أكبر عدو للإنسان ، والديمقراطية تُكرِّمُ الإنسان إنها أكبر اَنتصار للإنسان .

في عام 2003 وعقب ما عاشته الدار البيضاء من أحداث مأساوية تعالت أصوات متعددة تُحمِّلُ الدولة مسؤولية تنامي التطرف الأصولي ومن ثم مسؤولية بروز نزوعات نحو إعمال العنف في الفضاء العام وترويع المواطنين ، ترى هذه الأصوات أن الحصار الذي مارسته الدولة على حرية التعبير وعلى الفكر النقدي والعقلاني ومنابره منذ عقود من الزمن هو السبب في طغيان المد الأصولي الذي بات يهدد الإستقرار الإجتماعي من خلال تحكمه في توجيه الرأي العام . أبرز تفاعل للسلطات الرسمية مع هذه الأصوات هي الإجراءات التي أحدثتها داخل الجامعة حيث قامت ، ولأول مرة في تاريخ المغرب الحديث ، بإعادة الإعتبار لشعبة الفلسفة وتشجيع الشباب الحاملين للباكلوريا على الإقبال عليها مع تعميمها على جميع الجامعات والإهتمام بتشغيل المتخرجين منها . شعبة الفلسفة هذه والإشتغال بميدان الفلسفة عموما عرف إطهادا لا مثيل له ، إطهادا رسميا ومجتمعيا في آن واحد : رسميا من حيث تضييق الخناق على الراغبين في متابعة الدراسة في شعبة الفلسفة وغلق باب التشغيل في وجوههم ، ومجتمعيا من حيث تأليب الرأي العام على الفلسفة باعتبارها دعوة إلى الإلحاد والخروج عن الملة وزرع التشكيك في العقيدة والثوابت العليا للأمة علاوة على أنها دراسة تشكل خطورة على صاحبها إذ تؤدي به إلى الجنون وفقدان التوازن العقلي والإرتماء في عالم المبيقات والمحرمات وما إلى ذلك من النعوت المُفْزعَة والمُقززة ؛ لقد تمكنت الدولة من غرس هذه الصورة في عقول الناس فتعمَّمَ هذا الإقتناع وتشكل إجماع رسمي ومجتمعي حول الموقف النابذ والرافض للفلسفة، وإلى حد اليوم لا يزال طلبة الأقسام التاهيلية ينفرون من حصص الفلسفة ويجدون صعوبات جمة في هضم برنامجها الدراسي ويعتبرونها مادة مُهدِّدَة لهم في استحقاق الباكلوريا ، أعني مادة عقابية وليست مادة معرفية .

لماذا تعرضت الفلسفة في المغرب إلى الإطهاد ؟ . لماذا حوصرت الدراسات الفلسفية وعُوضت بالدراسات الإسلامية كشعبة مستحدثة بالجامعة ؟ . ولماذا تم تشويه الإشتغال بالفلسفة ومحاصرة المتعاطين لها ؟ . أليس لأن الفلسفة مدرسة في العقلانية إن لم تكن أكبر منبت للعقلانية على الإطلاق ؟ أليست محاربة الفلسفة دليلا على لاعقلانية الدولة والمجتمع وعلى سيطرة المحافظين والأصوليين على مفاصل الدولة المغربية ؟ .

  • الأصولية :

    توجد لدينا أطروحة تقول إن المغاربة أصوليون بالطبع ، أصوليون بالطبع وبالفطرة ، وهذا هو سر رسوخ الأصولية في مؤسسات الدولة المغربية ، هذه الأطروحة هي الأرضية الإديولوجية التي تستقي منها الملكية مجمل توجهاتها في الحكم وعليها تؤسس دلالات مفهوم الشرعية  ، وهي ذاتها الأطروحة التي تتبناها أغلب الحركات الأصولية الفاعلة في الفضاء العمومي المغربي ، إن لم يكن كلها . يبقى علينا نحن المغاربة أن نتسائل هل نحن فعلا أصوليين أم يُراد منا أن نكون كذلك ؟ وكيف يمكن أن تكون أحوال المغاربة إن لم يكونوا أصوليين ؟ . وهل المغاربة مجتمع تقليدي ومحافظ أم هو متأخر ومتخلف ؟ .

    في الواقع ، الأصولية ظاهرة إنسانية وموجودة عند جميع شعوب الأرض المتقدم منها والمتخلف ، وهي أيضا ظاهرة تهم الجماعات البشرية وتهم الأفراد ؛ وكما يدل على ذلك اللفظ فإن الأصولية هي رغبة في العودة إلى الأصل وحنين إلى المنبع والمنطلق الأول وإلى البدايات ، الأبحاث الأنتروبولوجية والسيكولوجية تضع هذا الموضوع ضمن أولويات إهتماماتها بعدما تبين لها أنها جزءُ أساسي من الواقعة الإنسانية ، فالإنسان دائما تتنازعه قوتان : الأولى تدفعه إلى التقدم والمغامرة نحو المجهول والثانية تجذبه إلى الوراء وتعتقله في قوقعة التخوف من الجديد ، كذلك ينطبق الأمر على الفرد الواحد حيث أن الشاب يُبْحِرُ بخياله في المستقبل بينما الكاهل الذي تجاوز الخمسين من العمر يُبْحِرُ بخياله في الذاكرة وينغمس في النوستالجيا ، وهنا ملعب الصراع بين الأجيال . لكن قوة التقدم تتغلب دوما على قوة المحافظة والإنكماش لأنها القوة المنسجمة مع القوانين الطبيعية للتاريخ البشري ولولاها لما حصلت أي حضارة على الإطلاق . إن المسألة لا تتعلق بوجود الأصولية كظاهرة إنسانية من عدمها ، إنما تتعلق بوجود الدعوة إلى الأصولية الني تترجم هذه القوة الكامنة في الذات الإنسانية إلى قدر تاريخي وإلى إديولوجيا ، بينما القدر الحقيقي للإنسان هو التقدم والتطور والرقي في السلم الحضاري . دعاة الأصولية لا بنظرون إلى الإنسان من حيث كونه كائنا مبدعا خلاقا وقادرا على التحكم في مصيره وإنما ينظرون إليه ككائن مُكلف مُطالب بتحقيق إرادة مرسومة سلفا ولا يملك إمكانية التصرف في هذا القدر لذلك فهم يعتبرون الأصولية طبيعة وفطرة ويفهمون التخلف والتأخر تقليدا ومحافظة .

منذ إنشاء الدولة الإسلامية في المغرب الأقصى تعاقبت العديد من الأسر على حكمه وكلها تبنت الأصولية إديولوجية لنظامها السياسي وفاءً للأدارسة المؤسسين باستثناء حركة الموحدين . وجود المغرب بعيدا عن مراكز التجاذبات السياسية والمذهبية (المدينة/ دمشق/ بغداد/ البصرة/ الكوفة) ووجوده تحت أنظار الأطماع الخارجية وفرا مناخا مساعدا لترسيخ وحدة المذهب ووحدة العقيدة ، هذا الوضع أفرز مؤسستين قويتين لا تزالان تمثلان عماد الملكية : مؤسسة الزوايا (الشرفاء) ومؤسسة العلماء (الفقهاء) باعتبارهما قطبيْ الحقل الديني وحارسيْ العقيدة ؛ هاتان المؤسستان مارستا ديكتاتورية رهيبة على المغاربة لا يماثلها في ذلك إلا ما قامت به الكنيسة في أوربا القرون الوسطى . عاش المغاربة تحت هذه القبضة الحديدية لمدة تفوق 1200 سنة ، لم تسمح لهم بالإنفتاح حتى على المذاهب المختلفة الموجودة في الإسلام وعلى المدارس الكلامية الجدالية التي كانت نشطة في الشرق الإسلامي ، عرف المغاربة فقط الإسلام السني الأشعري والمذهب المالكي الذي لا يزال ينص عليها الدستور الحالي للمغرب باعتبارها المكونات المشروعة للعقيدة الرسمية للمغاربة . هذه الحالة أنتجت شخصية مغربية إستثنائية ، وفق الوصف المفضل عند الأصوليين ، والمقصود به تغلغل الأصولية في الحياة العامة للمغاربة وابتعادهم عن القضايا الخلافية ؛ لكن هل القول بأن المغاربة أصوليون بالطبع والفطرة ينبني على نظرة موضوعية أم على نظرة إديولوجية للتاريخ ؟ .

انطلق الموحدون من خارج مؤسسة الزاوية حركةً دَعَوية ضد التقاليد الأصولية حاملة لواء التجديد والإنفتاح ، ولما تمكنت من السلطة وأسست الدولة شهد المغرب فيضانا من الإجتهاد الفكري والعلمي أثمر أكبر مدرسة للعقلانية في تاريخ الإسلام ، لقد عاش المغاربة عصر الأنوار في القرن 12م حيث تحررت العقول من قيود الأصولية ومن رقابة مؤسسات القهقري فسطعت عقول عملاقة في الفكر العقلاني والعلمي ساهمت فيما بعد وبقوة في زرع بذور النهضة الأوربية الحديثة ، ويتربع على قمة هذا العصر أبو العقلانية العربية الإسلامية على الإطلاق إبن رشد أبو الوليد . غير أن هذه الفجوة التي أحدثها الموحدون في المراحل الأولى للدولة لم تدم طويلا إذ سرعان ما انكسرت إرادة التجديد أمام شراسة إرادة الأصوليين الذين تلفعوا على مركز القرار السياسي وركّعوه أمام سلطة الدولة العميقة ، وهكذا اقتُلِعَتْ رُفَاتُ جثمان إبن رشد المدفون في مراكش وحُمِّلَتْ هي وكتبه على ظهر بهيمة ورُحِّلَتْ إلى قرطبة رمزا لنهاية قصة العقلانية على أرض المغرب والعودة مرة أخرى إلى لجم كل محاولة للتعبير عن رغبة المغاربة في التغيير والتقدم والتطور. فجوة يتيمة في تاريخ المغرب وعن ماذا أسفرت لنتصور لو صارت هذه الفجوة سيرة حياة فعن ماذا كانت ستسفر ؟ . السؤال الآن ، هل هذا يعني أن المغاربة أصوليون بالطبع وبالفطرة ؟؟ . أليس هذا يعني أن الأصوليين يصادرون التاريخ ومن ثم  يشوهون معطياته عندما ينكرون التجارب المنيرة ؟؟ . وأيضا ألا يعني هذا أن الأصولية نزعة إحتقارية للإنسان ، أي أنها نزعة لا إنسانية ؟؟ . الأصولية ضلالٌ إديولوجي ، وإن من أشدِّ أنواع الضلال الضلالُ الإديولوجي .

ومع ذلك فإنه من العبث واللامعقول وضعُ الأصوليين جميعهم في نفس السُلّة والتعامل مع الحركات الأصولية بطريقة متواطئة وكأنها كتلة واحدة ؛ الأصولية أصناف ودرجات ، منها الأصولية المخزنية ، منها الأصولية المنتمية هيكليا لمربع السلطة ، منها الأصولية الشعبية ، منها الأصولية السياسية الحزبية ، منها الأصولية المُنازعة لشرعية السلطة السياسية للملكية ومنها الأصولية المناوئة للأصولية الرسمية وهكذا … ، هذه الفسيفساء الأصولية تستدعي الكثير من الحذر عندما يتم الحديث عن الصراع الإجتماعي والسياسي في المغرب وعن مسألة التحالفات التي يفرضها هذا الصراع ، هذا جانب ، أما الجانب الآخر فإنه يجب عدم السقوط في النظرية الإديولوجية للإديولوجية الأصولية ، أقصد التعامل مع الأصولية فقط من الزاوية الإديولوجية ، فعلاوة على ضعف هذا الموقف فإنه يُعيد إنتاج ، من موقع آخر ،   نفس الموقف الأصولي ، أعني ضلالا إديولوجيا جديدا .

  • المخزنية :

المخزنية هي الدولة العميقة ، هي الطبقة الحاكمة في المغرب ، المخزنية حزب سياسي سري بلا هيئة حزبية وطرف أساسي في الصراع السياسي الدائر في المغرب يمارس نشاطه من خلف الستار والأبواب المغلقة ، ومن حين لآخر يخرج إلى العلن من خلال أحزاب صفراء ينعتها المغاربة عادة بالأحزاب الإدارية كان آخرها حزب الأصالة والمعاصرة (التراكتور) الذي أسسه صديق الملك . المخزنية هي مالكة السلطة والثروة والعقيدة : مالكة السلطة من حيث هيمنتها على مؤسسة الملك التي تستحوذ على القرار السياسي وتتواجد فوق القانون وخارج مجال المحاسبة والمسائلة ، ومالكة الثروة من خلال منظومة الريع التي تسيطر على مجمل الأنشطة الإقتصادية والمالية والإدارية والقضائية ، ومالكة العقيدة عبر مؤسسة إمارة المؤمنين التي تتحكم في مفاصل الحقل الديني الإسلامي وفي المجال العقائدي بشكل عام والتي تتمتع باستقلالية تامة عن جميع هياكل الدولة إن على صعيد التدبير أو على صعيد الموارد المالية والممتلكات ، إنها دولة داخل دولة . إذاً ، إذا كانت هذه هي المخزنية فماذا تبقى للمغاربة في هذا المغرب وأي مكان ظل شاغرا لتشغله الفئات الإجتماعية الأخرى داخل هذا الوطن وماذا تبقى من حديث عن عدالة إجتماعية ونكافؤ الفرص ومن ثم ما هي مصداقية الكلام عن مشروع التحديث والعصرنة وعن شيئ إسمه ديمقراطية ؟ .

في غياب تحرير المشهد المغربي من الإنغلاق الذي تفرضه عليه المخزنية ستظل جميع المشاريع التي يصبو المغاربة إلى تحقيقها سرابا وخيالات ، أما ما حمله ما يسمى بـ“العهد الجديد” فلا تعدو أن تكون سوى شعارات جوفاء خالية من أدنى مستوى من الجدية والإرادة لأنه وبكل بساطة يستحيل أن ينبع التغيير من عَرين الأصولية ، وليست أية أصولية وإنما من الأصولية الأكثر رجعية وتخلفا أقصد الأصولية المخزنية ؛ ومع ذلك انطلت الخدعة على أطراف واسعة من الأسرة التقدمية والديمقراطية التي صدقت السيناريو فآمنت بعناوين العهد الجديد فغيرت مواقعها والتحقت بحديقة دار المخزن ، كان على رأس هذه الأطراف جزء مهم من الحركة النسائية وعديد من الأطر اليسارية التي ساهمت في بناء الوافد الجديد : حزب الأصالة والمعاصرة . وإذا رغبنا الآن صياغة خلاصات لما كشف عنه العهد الجديد فإنني لا أجد أكثر من استنتاجين : الأول هو تقهقر التفكير العقلاني والحس النقدي لدى القوى التقدمية والديمقراطية مقابل الإجتياح الجارف للقوى الأصولية للفضاء العام ، الثاني هو اغتنام فرصة هذه المعادلة من طرف صقور الأصولية المخزنية لتجديد نخبها عن طريق إلحاق مجموعة من الوجوه المناضلة بالدوائر القريبة من مربع السلطة حتى تظهر الملكية هي القائدة للحداثة والعصرنة والديمقراطية ويُسحب البساط من تحت الحركات المناضلة من أجل التغيير السياسي والدستوري .

إذا كان لابد من عنوان يعكس صورة للمغرب المعاصر ليس هناك أفضل من “دولة الفساد” ، فلقد تحول الفساد الذي يبذل العالم جهودا جبارة لمُحاربته أسلوبا رسميا للدولة المغربية وقناعة عمومية اخترقت أغلب القطاعات الإجتماعية والإقتصادية والتعليمية والإدارية وحتى الحزبية والنقابية والهيئات المُنتخبة والبيوت وفصول الدراسة ، بل تحول الفساد إلى ثقافة ومنهج في الحياة عند الناس وقيمة محمودة توازي الشطارة والذكاء لتحقيق الغايات وبلوغ المآرب واغتنام الفرص . لقد عملت المخزنية ما في وسعها من أجل توريط أوسع فئات المجتمع المغربي في مستنقع الفساد حتى تكتمل منظومة الريع ويصبح بنية عامة لتسهل عملية التحكم والسيطرة ولتتوفر على الدوام إمكانية اختراق الكيانات المعارضة وإجهاض أي محاولة لتحريك الشارع ضد سياسة الدولة ، وقد يمكن أخذ حركة العشرين من فبراير وما تعرض له شبابها نموذجا لهذا الإختراق . يُقال ، السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ، هذا حكم حكيم وكلام كليم ، فالفساد لا ينتج إلا الإستبداد كما أن الإستبداد لا يولد إلا الفساد وهذا هو حال المغرب . كيف يمكن إذا للمغاربة التخلص من قبضة هذا الأخطبوط ، أخطبوط الفساد المخزني ليتمكنوا من الإنطلاق نحو المستقبل ؟. وكيف يستطيع المغرب الإنتقال إلى عالم الحداثة والعصرنة وهو تحت رحمة منظومة الفساد ؟ . وهل توجد عرقلة لعملية البناء الديمقراطي أكبر قوة وفعالية من الفساد ومن عقلية الإفساد ؟ .           تاريخ الأصولية أنتج مغربا فاشلا متعثرا فاقدا جهاز المناعة ، وعوض الإعتراف بهذه الخلاصة يتمسك دعاة الأصولية بالترويج للأطروحة القائلة إن المغاربة أصوليون ومحافظون بالطبع وبالفطرة ما يعني أن المغاربة هم الذين اختاروا هذا الواقع ويرغبون في البقاء ضمن هذه الشروط ويرفضون التغيير ؛ وفي الحقيقة ، هذه الأطروحة صحيحة وسليمة لأنها ومن حيث لا تشعر تجعل التخلف والتأخر مرادفا للأصولية ، وهي أيضا صحيحة لأنها تجعل من التخلف والتأخر مصدر الشرعية لنظام الإستبداد والحكم المطلق .

اللاعقلانية والأصولية والمخزنية جسم واحد ورؤية واحدة للحياة والإنسان ومنظومة سياسية متكاملة ، وهذا الجسم لايقدر على الإستمرار في الوجود دون الإستناد إلى دعامتين أساسيتين : دعامة الفقر ودعامة القبضة الأمنية ؛ أكبر شريحة بشرية استهلاكا للاعقلانية هم الفقراء لذلك فهم يشكلون أفضل جمهور للحركات الأصولية وذخيرة استراتيجية للسلطة المخزنية ، غير أن الفقر لوحده لا يكفي للحفاظ على هذا الجمهور وعلى هذه الذخيرة ، لأن الفقر متمرد بطبعه وقد ينتفض في أية لحظة ، لذلك وجب تسييج مساحة الفقر بحزام أمني متين وحساس يلتقط بدقة نبضات الشارع ويُحسن التدخلات الإستباقية .

التحول إلى الديمقراطية في المغرب عملية شاقة ومُكلفة لأنها تجابه إرثا تقيلا وواقعا معقد التشابكات ، وأعتقد أن الإنطلاقة السليمة لهذه المعركة ينبغي أن تسير على مسارين متوازيين : المسار السياسي والمسار الفكري والثقافي ، ويجب أن يكون بين المسارين إنسجام على مستوى عال ، في المقابل إذا كان الميل على المسار السياسي مع إهمال المسار الثاني فإنه سترتكب جريمة في حق الديمقراطية في المغرب وستؤجل هذه المعركة إلى مواعيد قد يطول انتظارها ، والأجواء التي تحيط ببرامج وشعارات الحركات الداعية إلى هذا التحول في الوقت الراهن غير مُطَمْئِنة البتة ، إن “الملكية البرلمانية الآن” وتحالف “فدرالية اليسار الديمقراطي” خطوتان سياسيتان لا تشكلان المدخل المناسب لخلخلة المشهد السياسي المُغلق ، فتح هذا المشهد متوقف على خطوات أكبر وأوسع وأكثر جرأة تمس مركز هذا الإنغلاق ، وليس من الرأي السديد القول إن السلطة هي المسؤولة عن غلق المشهد السياسي بل المسؤولية مُتقاسمة وربما يكون القسط الأوفر منها تتحمله القوى المناضلة من أجل التحول إلى الديمقراطية لأن قيودا ذاتية تشل حركتها وهي لا تسعى إلى التخلص منها وفي مقدمة هذه القيود وعلى رأسها نظرية التحالفات الجامدة التي تتبناه والتي لا تكترث بالواقعية السياسية وتعطي الأولوية للحدود الإديولوجية وتغمض عينيها عن ما سوى ذلك .

الخطوة الأولى التي يجب أن تنجز في أفق تحرير المشهد المغربي المغلق هي تكسير الحواجز بين المعسكر العلماني واليساري من جهة والمعسكر الأصولي والإسلام السياسي من جهة ثانية عن طريق فتح حوار شامل حول كل الإشكالات التي تهم رهانات التحول إلى الديمقراطية ، مِثل هذا الحوار من المفروض أن يكون قد تم في الماضي حتى لا تكون الأجيال الحالية مُجبرة على مواجهة ما أجَّلته الأجيال السابقة عوض التفرغ للإكراهات المعاصرة . الآن ، الأجواء العامة في المغرب مهيأة لتدشين هذا الحوار والفضل يرجع لرياح الربيع الديمقراطي وتجارب الشعوب المشابهة لنا في شمال إفريقيا ، فلا حاجة إلى التأكيد على أن الجميع قام بمراجعة أطروحاته ومواقفه وانخفضت درجات التوترات ، فالتجربة في غالب الأحيان تمارس سلطتها على التصورات والرؤى ، والحقيقة الكبرى التي اقتنع بها الجميع هي كالتالي : الوطن مِلك عام وليس في مقدور أي طرف من الأطراف السياسية والإديولوجية إقصاء الطرف الآخر أو الإدعاء بامتلاك الحلول دون الأطراف الأخرى ، الوطن يسع الجميع وينصت للجميع وفي حاجة إلى الجميع .

الخطاب اليساري/العلماني والخطاب الأصولي/الإسلامي هما التعبيران الأصيلان للمجتمع المغربي وهما اللذان سيحددان مستقبل المغرب وباقي التعبيرات الأخرى تحوم حولهما اقترابا وابتعادا حسب الإملاءات الظرفية ، فكلما استمر العداء والإقصاء المتبادل بين الطرفين كلما كان ذلك لصالح نظام الإستبداد والسلطة المطلقة وقوى الفساد والإفساد ، لكن إذا حصلت الإرادة في تكسير الحواجز النفسية بين الجانبين بتحويل العداء إلى الخصومة فإنه وبكل تأكيد سينفرج المشهد السياسي وستنشأ إصطفافات جديدة وسيسترجع الشارع المغربي الثقة في مُقدِّراته وإمكاناته .

شكل الديمقراطية والعلمانية في المغرب مرهون بالحوار اليساري الأصولي والحوار العلماني الإسلامي ، والأفق الذي يتسع لهذه الديمقراطية ولهذه العلمانية هو ثمرة هذا الحوار .

 

يُــــتــبـع في الحلقة الثالثة                             .

Ajaha.fouad@hotmail.com

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.