20 يونيو ذاكرة الشعب المغربي

مقدمة :
.عرف المغرب منذ الاستقلال الشكلي، إلى اليوم عددا من الانتفاضات الشعبية العارمة احتجاجا على الوضاع الاجتماعية المزرية التي يرزح تحت وطأتها أغلبية أبناء الشعب المغربي، والتي كانت نتيجة للسياسة اللا شعبية للحاكمين، وهكذا اعتبرت هذه الانتفاضات بمثابة محطات لإبراز مدى السخط الذي يعتمل في نفوس الجماهير على ظروفها المعيشية المتدهورة، كما اعتبرت مجالا فسيحا لإسماع صرخات المحتجين في وجه الاستغلال والاضطهاد والاستبداد والنهب وتأكيد للطاقات النضالية الهائلة التي تتوفر عليها الجماهير. ومن بين هذه الانتفاضات الخالدة في التاريخ المغربي نذكر انتفاضة 20 يونيو 1981 بالدار البيضاء.1//. السيــــاق التــــــاريخي: واقــع ومعطيـــــــــــاتمن أجل الخروج من أزمة الانحصار الاقتصادي الذي لازم فترة السبعينات، تبنى النظام سياسة التقشف من خلال تطبيق التصميم الثلاثي 1978/ 1981 فكانت نتيجتها كارثية على أكثر من صعيد، بحيث أدت إلى :

1- تدني مردودية العديد من القطاعات الإنتاجية وفي مقدمتها قطاع الفوسفاط الذي تقلصت إنتاجيته بنسبة ( 5،4 – % ) إذ انتقلت في شهر نونبر من 26528000 إلى 15635000 طن وهبوط مبيعاته في السوق العالمية بسبب المنافسة.

2- تدني مروع في القدرة الشرائية من خلال تبني سياسة حقيقية الأسعار من خلال رفع الدعم عن العديد من المواد الأساسية مع العمل على إلغاء صندوق المقاصة.

3- موسم فلاحي أسود، بحيث عرف المغرب سنة 1981 جفافا استثنائيا، الذي مس بالأساس أراضي البور. ومعروف أن المتضرر في هذه الأراضي هم الفلاحين الذين لا يملكون مأوى لمواشيهم ولا يراكمون علف سنوات ولا يستطيعون الحصول على القروض وحفر الآبار، والبحث عن مراعي في مناطق لم يشملها الجفاف لاكترائها وشراء العلف الذي وصل ثمنه أرقام خيالية.

4- إثقال كاهل المواطنين بنفقات الحرب في الصحراء التي قدرت حسب مصادر أمريكية بمليونين دولار يوميا، والتي كانت تقتطع في شكل ضريبة خاصة من رواتب الموظفين المتوسطين والصغار والمستخدمين والعمال، وبواسطة الضرائب الغير مباشرة بالنسبة لفئات واسعة من الشعب.

5- اختلال الميزان التجاري الذي سجل تفاوتا ملحوظا بين قيمة الصادرات ( 24،4 + % ) وقيمة الواردات ( 33،7 + % ) التي ارتبطت بتغدية العجز الغذائي وبارتفاع أسعار البيترول.

6- أما التمويل الخارجي فقد عرف تطورا بلغ 55 % مقارنة مع سنة 1980 بحيث ضرب رقما قياسيا وصل إلى 14.2 مليون درهم.

لقد ساهمت هذه الوظعية الاقتصادية في تفاقم أوضاع الجماهير الشعبية، وتدني معيشتها، وتصاعد وثيرة البطالة في صفوفها التي بلغت مليون ونصف عند نهاية سنة 1980، وتشريد مئات الفلاحين الفقراء والمعدمين، لكونهم لا يستفيدون من سياسة السدود، وتدفق عائلات كبيرة منهم نحو المدن الكبرى والاستقرار بمناطق أحزمة البؤس مما عمق من ظاهرة التضخم السكاني في المجال الحضري.

كما عرفت هذه المرحلة أزمة سياسية خانقة بين مكونات حركة المعارضة البرلمانية من جهة والطبقات الحاكمة من جهة ثانية، كانت مظاهرها الصارخة تتمثل في:

1. فشل مناظرة إفران، بعدما فشلت اللجنة الوطنية للتعليم المنبثقة عنها في تحقيق “إجماع سياسي ونقابي” حول ميثاق التعليم.

2. دعوة الاتحاد الاشتراكي لمقاطعة استفتاء 30 ماي 1980 المتعلق بتمديد عمر البرلمان من 4 سنوات إلى 6 سنوات.

3. النقد الصريح والواضح للديبلوماسية المغربية في مجال تسوية ملف الصحراء.

4. الرقابة على صحافة المعارضة وقمع الحريات العامة من خلال مصادرة الحق في التعبير والتظاهر والاضراب وإقامة محاكمات صورية للمناضلين النقابيين والسياسيين.

5. التنديد باستمرار المعتقلين السياسيين خلف القضبان

6. عدم تسوية ملف الموقوفين من رجال التعليم على إثر إضرابهم البطولي (أبريل 1979).

7. الاحتجاج على محاكمة قتلة الشهيد عمر بن جلون، التي أخفت الكثير من أسرار هذه القضية، ولم تستجيب لتساؤلاتها المحيرة.

2.// نضـــــــالات 1979 / 1980 

على إثر هذا الوضع المحجوز، شهدت سنتي ( 1979 –1980) حركة جماهيرية عارمة متقدمة على سابقتها مثل ذلك على الخصوص في حركة الإضرابات الطويلة التي خاضتها الطبقة العاملة، في قطاعات ومواقع انتاجية أساسية مثل الفوسفاط، السكك الحديدية، النسيج، معامل إنتاج السكر، قطاع الموانئ، التبغ الصناعات الحديدية، البترولية ، الغذائية، فأغنتها بانضمام رجال التعليم والصحة وقطاع الأبناك، تميزت هذه الحركة النضالية بالاتساع والشمول في الزمان والمكان، كما انضمت إليها فئات أخرى تنتمي إلى الشبيبة المدرسية والجامعية والتجار الصغار، كما ساهم الفلاحون حي حركة احتجاج ضد حرمانهم من استغلالهم للأرض، التي اتخذت أحيانا طابعا دمويا من خلال المواجهة بين القواد والدركيين وأعوان السلطة ( فلاحو قرية أحد كورت، فلاحو جماعة أولاد سعيد الواد، فلاحو قبائل الأوداية). وقد عزز من طول نفسها النضالي ميلاد الكونفدرالية الديموقراطية للشغل (ك.د.ش) التي حاولت تبرير شرعية ميلادها بتكثيف النضال في ضوء انتقادها للسياسة الانتظارية للنقابة المركزية: الاتحاد المغربي للشغل (ا.م.ش) حتى تتمكن من التميز والتجدر وبالتالي العمل على تقوية وتوسيع نفوذها السياسي والنقابي في أوساط العمال وباقي الفئات الكادحة والمهمشة.

3.// إضـــــــــرابات 18/ 20 يونيو 1981

اعتبرت إضرابات 18/20 يونيو 1981 التي دعت إليها كل من المركزيات النقابية: الاتحاد المغربي للشغل والكونفدرالية الديموقراطية للشغل، نوعية ومتميزة بكل المقاييس. ذلك أن إضراب 18 يونيو كان قد دعى إليه الاتحاد المغربي للشغل، وساندته في ذلك الكونفدرالية الديموقراطية للشغل وساندته في ذلك الكونفدرالية الديموقراطية للشغل حين أصدر مكتبها التنفيذي يوم 17 يونيو 1981 بلاغا يدعو فيه الجماهير العمالية إلى المشاركة في إضراب 18 يونيو. أما إضراب 20 يونيو 1981، فكان إضرابا عاما على الصعيد الوطني وفي جميع القطاعات العمالية وغير العمالية بدعوة من الكنفدرالية الديموقراطية للشغل وقد ساندت هذا الإضراب وشاركت فيه النقابات الوطنية للتجار الصغار والمتوسطين والنقابة الوطنية للتعليم العال والاتحاد الوطني لطلبة المغرب.

وكان المطلب الجوهري لهذا الإضراب ذو طابع سياسي محدد واضح: الإلغاء الفوري الكلي والضروري لكل الزيادات التي عرفتها المواد الاستهلاكية الأساسية في 28 ماي 1981.

ساهم تراجع الحكومة عن 50% من الزيادات في 7 يونيو على إثر الاحتجاجات والمظاهرات التي عمت العديد من المدن المغربية، في إثارة الحماس الشعبي وتفجيره وضم إليه فئات واسعة من أشباه البروليتاريا، وبرز الدور المتعاظم للتجار الصغار والمتوسطين في عملية إخراق الإضراب للأحياء الشعبية ومساهمة فئاته من أطفال وشباب ونساء وشيوخ في الإضراب العام الذي تحول بفعل الحماس الثوري للشباب إلى انتفاضة شعبية عارمة عمت أغلب مناطق الدار البيضاء وكانت تتسع لتشمل المحمدية وباقي المدن الأخرى لولا إخمادها بقوة رصاص النظام الهمجي وقمعه الرهيب والوحشي حيث قدرت المعارضة عدد الضحايا بين 600 و1000 مواطن ، وحسب شهود عيان فإن 120 فردا لقوا حتفهم متأثرين بجراحهم بحيث لم تقدم لهم الإسعافات الضرورية. وصدرت أحكام قاسية وصلت 20 سنة في محاكم البيضاء، حيث أن غرفة جنائية واحدة وزعت ما مجموعه 1400 سنة سجنا.

4.// الشبــــاب القــــوة الضــــــاربة في الانتفــــــاضة

كان الشباب المطرود من المدارس، والمقصي من الشغل، والمحروم من الثقافة والترفيه، هو القوة الضاربة في الانتفاضة الشعبية البيضاوية، كان يندفع بكل قوة نحو الشارع متحديا قوات الأمن على اختلاف ألوانها والمدججة بالسلاح لتحطيم كل ما كان يرمز في عينه إلى الحرمان والقهر ( الأبناك، السيارات، الطرق التي تخترق أحياء الصفيح…)

كان العنف هو سيد الموقف، هو الجواب المباشر على لا مبالاة الدولة – دولة الرعايا- وعنفها المدمر للجسد والروح معا. كان تعبيرا عن الإحباط وخرق الكرامة البشرية. كان إدانة صارخة لسياسة التسلط والنهب والقهر والقمع، ولسياسة الفوارق الطبقية الصارخة التي تخلق الثورة والرفاه لفئة قليلة من المجتمع لا تتعدى 5% من سكان المغرب، والبؤس والحرمان لدى فئات واسعة من الشعب وفي مقدمتها الشباب المقصي من الحياة والذي يمثل 80% من السكان الناشطين، والذي يتعرض في جزء كبير منه للبطالة والتشرد والأمية والجهل وتعاطي المخدرات والانحراف بشتى أشكاله.

لقد كانت انتفاضة 20 يونيو 1981 من القوة والحدة بحيث جعلت العديد من رجال الأعمال ومختلف الفئات البورجوازية وكذا مسؤولين سامين في الدولة يتملكهم الفزع والرعب، ومنهم من كان يستعد للهرب “بأمواله” إلى الخارج .

تعليق 1
  1. محمد رحيم يقول

    ذاك اليوم كان السبت ، بعد اجتماع نقابي طاريء عقد بمدرسة ابن دريد بسيدي عثمان ، كجميع المدارس في المغرب إذاك ، سلمني المدير الأستاذ عمرو الزاوي رحمه الله مجموعة من البطاقات التي كانت السلطات المحلية ( القيد العباسي ) توزعها على المؤسسات ليدلي الموظف برأيه حول اعتزامه أو عدم اعتزامه خوض الاضراب ،
    تقرر خوض الاضراب من طرف جميع الموظفين إلا ثلاثة كانوا من الموالين للمخزن و المتعاملين مع السلطة، انصرف الجميع إلى حال سبيله و بقي الثلاثة بتلامذتهم في المدرسة مما أثار استفزاز المغادرين ، و المتحلقين حول المؤسسة لينهالو على العمارة الصغيرة بالحجارة محطمين كل زجاجها،
    تقول الروايات أن عناصر مجهولة هي التي أشعلت فتيل الفوضى في الشارع العام ، و نظرا للكم الهائل من التلاميذ الذين كانوا عائدين إلى منازلهم حصل الانفلات ، مما يشير إلى أن الأمر لم يكن ثورة بالمفهوم الكامل للثورة ، و إنما هو انفلات أمني سيق إليه الناس لغرض كسر شوكة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل و تمزيق لحمتها نظرا للمكونات التي كانت تضمها ، قطاع التعليم و الصحة على الخصوص ، خربت مصالح تجارية و نهبت متاجر و أحرقت منافع للناس مما يؤكد أن الرغبة في الاحتجاج و الثورة كانت متوفرة غير أنها لم تكن منظمة بالشكل المطلوب ، و نحن نعد لهذا الاضراب بعد موجة الطرد السابقة فاجأتنا القوات العمومية ( السيمي ) بدار طوليدانو حيث كان مقر الكونفدرالية ، و أغلقت جميع المنافذ إلى درب عمر و أضحى الوضع رهيبا ،
    انتقل الأموي ( شعلة الكونفدرالية آنذاك ) إلى الرباط لتداول الأمر مع المسؤولين و على رأسهم عميد الوزراء آنذاك المرحوم إدريس البصري ، منذ السابعة صباحا و الكل محتجز بالمقر ، و لم يحصل الإفراج إلا في السادسة مساء ،
    في الاثنين الموالي لسبت الحدث بينما نحن نصحح أوراق الامتحان التجريبي وصل إلى علمنا أن ( الثورة أو الانفلات ) قد حصل من جديد في الحي المحمدي ، استشارني الأستاذ الزاوي رحمه الله في الأمر من جديد فأشرت عليه بإخلاء المؤسسة حفاظا عليها من التخريب ، و كان صارم الأمر إذ أمر بإغلاق القاعة مقر التصحيح و مغادرة المؤسسة توا ،
    على دراجتي النارية جبت مدينة الدار البيضاء شرقا و غربا و لم أر لبشر فيها أثر اللهم من مخلفات حرائق السبت، و بعض الآليات الثقيلة التي ظلت تزاحمنا في المدينة ، سيارات مصفحة ، قبعات خلف الأسيجة ، مدفعية و غيره من عيارات مختلفة و كأن حربا أشعلت فتيلها ، ضحايا سقطوا و مصالح دمرت و أناس زج بهم في السجون و منهم من قضى نحبه و منهم من ينتظر ،

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.