الحكومة والمعارضة: وجهان لعملة واحدة

يؤكد الفيلسوف الألماني ” إيمانويل كانط ” أن ” السياسة لا يمكن أن تتقدم بدون أن تكرم الأخلاق “. لكن مجال الممارسة لا يعكس هذه القاعدة الكانطية واقعيا، لذلك يتم النظر إلى فلسفة كانط عادة باعتبارها مغرقة في المثاليات، وأن تحققها العملي يظل أمرا بالغ الصعوبة. ومع ذلك فإن السلوك السياسي في الدول الديموقراطية لا يستقيم بمعزل عن الفعل الأخلاقي في تدبير الشأن العام واحترام الإرادات الشعبية والعمل على تحقيق انتظاراتها . أما عندنا فواضح أن كانط لا يعيش بيننا إطلاقا.

   في الحلقة التي خصصها برنامج ” مباشرة معكم” للنقاش حول الدخول السياسي الجديد، والتي استضاف فيها مسؤولين حزبيين من الحكومة والمعارضة، بدا جليا للمشاهد المتتبع أن هذه الأحزاب التي تؤثث المشهد السياسي المغربي “ماعندهاش علاش تحشم”، بل إنها تتنافس على استغباء المغاربة واستغفالهم والكذب على المواطن البسيط من خلال لغة المزايدات والاتهامات المتبادلة دون أي أفق فكري وسياسي. هذه النخبة التي تتنافس كل خمس سنوات على استجداء أصوات المغاربة، تعيش عن وعي أو بدونه هاجس الإنتخابات باستمرار، فهي لا تهتم بهموم هذا الشعب وانشغالاته الحقيقية، وإنما تهتم بمصالحها الخاصة فحسب. أما هؤلاء الذين ينتظرون حلولا حقيقية لمشاكلهم ومعاناتهم، فهم بالنسبة لسياسيينا ” المحنكين” مجرد أوراق انتخابية تضفي المشروعية على تواصل الأزمة وتأبيدها عبر تعاقب الحكومات.

   في البرنامج المذكور عاش المشاهد المغربي تجاذبا غريبا بين فريقين، الأول يمثل الحكومة والثاني ينتمي للمعارضة. وإذا كانت كل دول العالم التي تعتمد الإنتخابات وسيلة للتداول على السلطة تعرف هذه الثنائية التي تفرزها صناديق الإقتراع، فإن وجه الغرابة في الحالة المغربية يكمن في الجدوى من العملية الإنتخابية برمتها مادام الإختيار الشعبي مغيبا في السلوك السياسي للحكومة والمعارضة على السواء. وقد بلغ تدني الخطاب السياسي درجة لا تطاق عندما تم إقحام الملك في موضوع النقاش. حيث أصبحت المؤسسة الملكية موضوعا للنزاع بين ممثل الحكومة وممثل المعارضة. وقد كان الكاتب الأول لحزب الإتحاد الإشتراكي معبرا عن واقع الممارسة السياسية في بلادنا عندما تحدث عن: “المعارضة ديال صاحب الجلالة” بنفس المعنى الذي تدل عليه عبارة: “حكومة صاحب الجلالة” طبعا. وهي العبارة التي ذكرها الأمين العام لحزب التقدم والإشتراكية في معرض دفاعه عن الحكومة. ولهذا الكلام دلالة خاصة وإن جاء في سياق مزاد المزايدات المفتوح بين الحكومة والمعارضة.

هذا المزاد الذي يختزل بؤس وانحطاط الخطاب السياسي في المغرب. إنه اعتراف بعبثية الممارسة السياسية في هذا البلد وغياب استقلالية القرار السياسي في المشهد الحزبي. وهو أيضا إقرار ضمني بأن الحكومة والمعارضة تجتمعان معا على استغباء المغاربة والضحك عليهم، كل من موقعه الخاص طبعا، مادامت لعبة تغيير المواقع ممكنة. كما أن مثل هذه المزايدة تفرغ مفهوم “دولة المؤسسات” من محتواها ومعناها. وللمواطن أن يتساءل بعد هذا عن الجدوى من زحمة هذه الأحزاب التي تختلف في التسميات والرموز وتتشابه في انعدام الأفق والرؤية والإستراتيجية. وله أن يتساءل أيضا عن صوته وموقعه في تدبير الشأن العام وصناعة القرار السياسي والإقتصادي والإجتماعي.

   إن سلوك النخبة السياسية الحزبية هو الذي يساهم في استمرار نفس الممارسات التي يبدو تأثيرها واضحا للعيان في مختلف التفاصيل المرتبطة باهتمامات الشعب المغربي ومشاغله اليومية، وهو الذي يؤجل النقاش حول التحول الديموقراطي الحقيقي، لأن هذه الأحزاب لا تمتلك الجرأة على طرح الأسئلة والقضايا العميقة والمصيرية التي تهم المغاربة. لذلك، وفي ظل عجز التنظيمات الحزبية عن تجديد نخبها وخطابها بما ينسجم مع تطلعات ورهانات هذا الشعب، يظل مطلب تخليق الحياة السياسية والرقي بها غير ذي جدوى إلى أجل غير مسمى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.