تباين ردود الفعل حول فوز «العدالة والتنمية» في الإنتخابات المغربية وتراجع الأحزاب التقليدية وفشل اليسار

الطاهر الطويل

 تباينت ردود فعل الأوساط السياسية والمجتمعية والإعلامية حول نتائج الانتخابات التشريعية التي شهدها المغرب الجمعة الماضي، وتناولت عمليات التقييم تقدّم حزب «العدالة والتنمية» على غريمه «الأصالة والمعاصرة» واحتلاله مركز الصدارة بعدد المقاعد المحصل عليها في مجلس النواب، كما انصب التقييم على تراجع عدد من الأحزاب التقليدية: «الاستقلال» و»الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» و»التقدم والاشتراكية»، وكذلك على خيبة الأمل من «فيدرالية اليسار الديمقراطي».

وبهذا الخصوص، توقف الباحث المغربي جواد الخراز (المقيم في المهجر) عند نسبة المشاركين في الاقتراع التي أعلنت عنها وزارة الداخلية، والمتمثلة في 43 في المائة من المواطنين المسجلين في القوائم الانتخابية، فقال في تدوينته: «إن أقل من سبعة ملايين مواطن صوتوا على مرشحيهم، وهو ما يمثل حوالي 17 في المائة فقط من المغاربة إذا حسبنا مغاربة الداخل والخارج (المغيبين عن هذا الاستحقاق الانتخابي رغم ادعاء تسهيل عمليات تفويض أصواتهم لذويهم ورغماً عن الدستور الممنوح الأخير)»، ودعا إلى عدم إضفاء مشروعية أكبر مما تستحق على تمثيلية المشاركين في هذه الانتخابات لتطلعات وانتظارات الشعب المغربي.

أما في ما يتعلق بتصدر «العدالة و التنمية» قائمة الأحزاب الفائزة، فاعتبر أنه يمثل بالنسبة لشرائح كبيرة من الشعب المغربي الحزب الوحيد الذي يمثل الدين الإسلامي. وأضاف قوله: «بهذا الإقحام للدين، وفي غياب منافسين له في هذا المضمار («العدل والإحسان» غير مرخص لهم و»الاستقلال» فقد قدرة الاستقطاب الديني التي كانت لديه) وهزالة ما تعرضه الأحزاب الأخرى، كان بديهياً أن يفوز بهذه الانتخابات».

ولاحظ الباحث المغربي أن المسلسل الانتخابي نفسه معطوب، لأنه لا يعطي للفائز هامشاً كبيراً للتحرك، ويلزمه بالتحالف مع من كان يسبه بالأمس القريب ويقسم بالأيمان ألا يتحالف معه.

وفي السياق نفسه، توقف الصحافي محمد المساوي، مدير صحيفة «أنوال بريس» الإلكترونية، عند ما أسماه «ظاهرة غريبة»، تتمثل في فوز الحزب الذي ترأس الحكومة لخمس سنوات سابقة، وهي ولاية ـ كما يقول ـ كانت مليئة بقرارات لا شعبية أجهزت على القوت اليومي للمغاربة، وعملت على توسيع الهوة بين الفقراء والأغنياء، كما عملت هذه الحكومة على تنزيل توصيات مراكز المال العالمي باجتهاد قل نظيره. واستنتج الصحافي أن «التصويت المكثف على حزب العدالة والتنمية هو تصويت ضد التدخل في الحياة الحزبية، تصويت من أجل استقلالية القرار الحزبي. وهؤلاء الذين صوتوا للحزب المذكور صوتوا عليه لأنهم يرون فيه حزباً مظلوماً من طرف المخزن، وحزباً يحوز بعض مؤشرات الاستقلال الحزبي. كما أن هؤلاء المصوتين هم في الغالب من الطبقة الوسطى التي ملّت وسئمت من تمييع الحياة السياسية، فوجدت نفسها أخيراً مستعدة للتضحية بحقوقها المباشرة، و بمكاسبها الاجتماعية والاقتصادية من أجل تحصين الحياة السياسية ضد تدخلات المخزن».

«تشييع» الأحزاب التقليدية

وكتب الصحافي والشاعر جمال الموساوي تدوينة على صفحته الافتراضية، علق فيها على تراجع الأحزاب التقليدية، فتساءل عما إذا كانت انتخابات 2016 «جنازة جماعية وتشييعاً نهائياً لأحزاب «الاتحاد الاشتراكي» و«الاستقلال» و»التقدم والاشتراكية»، وقال أيضاً: على الأحزاب الوطنية أن تفهم أن «النضال الوطني» الذي تستمد منها شرعيتها قد انتهى مع خروج فرنسا عسكريا من البلاد، وأن العالم تغير كثيراً منذ ذلك الوقت، وعليها أن تتغير هي الأخرى.

وأثار الباحث محمد أقديم مفارقة تتمثل في كون «الحزب العتيد» كما سماه في إشارة إلى «الاتحاد الاشتراكي» يحصل على 14 مقعداً في كل الدوائر بالمغرب بينما يحصد «العدالة والتنمية» في جهة الدار البيضاء وحدها 16 مقعداً. وذكر الصحافي والناقد حسن نرايس أنه على إثر هزيمة الاشتراكيين في فرنسا بقيادة ليونيل جوسبان، قام بتقديم استقالته «بكامل المسؤولية والمروءة»، وفي السياق نفسه، تساءل الباحث المغربي عزيز رنزارة (المقيم في المهجر) قائلاً: «الآن، وبعد النتائج الكارثية لحزب الاتحاد الاشتراكي، هل ستستحيي هذه المومياءات السياسية وتنتحي عن قيادة الحزب؟ هل مازال في هذا الحزب مناضلون فعلاً يستحقون هذه التسمية؟».

فيدرالية اليسار: الإحباط

من جهة أخرى، توقفت بعض التدوينات عند النتيجة التي حصلت عليها «فدرالية اليسار الديمقراطي» المتمثلة في الفوز بمقعدين فقط وعدم تمكن زعيمته نبيلة منيب من الوصول إلى «مجلس النواب»، فكتب الصحافي حسن الهيثمي أن مشكلة نبيلة منيب، أنها وضعت الإصلاح الدستوري، من أولويات برنامجها الانتخابي، ولم تقرأ المشهد السياسي جيدا، لأن الدستور المغربي من الدساتير الصلبة وتمت مُراجعتها في 2011 بمنهجية تشاركية، وكانت هي وثيقة المُصالحة بين الدولة والمجتمع، استجابة للشعارات التي رفعها الشارع المغربي في «20 فبراير».. ولا يمكن اختزال مشاكل البلاد في أطروحة الإصلاح الدستوري، بل هناك أطروحة أخرى أثبتت صوابيتها وهي أطروحة التي تبناها حزب العدالة والتنمية وكان وراءها إلى حد كبير عبد الله بها رحمه الله، التي ترى أن السبب الرئيسي وراء ما يعانيه المغرب يرجع إلى الفساد المستشري في مفاصل الدولة والمجتمع وهو ما ينبغي محاربته، وهي الأطروحة التي حَصَد فيها حزب المصباح أغلبية المقاعد في الانتخابات التي جرت بعد الحراك الشعبي..

وأضاف صاحب التدوينة أن من أخطاء نبيلة منيب «توجيه الخطاب لفئة معينة من الجمهور العارفة بالدستور وعلومه، في حين أن الفئة التي تقصد صناديق الاقتراع تتكون من شرائح في المجتمع تتابع خطاب ابن كيران البسيط والعميق، وحتى إذا تابعت نبيلة منيب فإنها لا تفهم كثيراً من كلامها وحتى إذا فهمته تردد مع نفسها: هذه السيدة جميلة ولكنها تحلم».
وسجل ملاحظة أخرى تتعلق بدعم مجموعة من المثقفين والفنانين لرمز «الرسالة»، ليس اقتناعاً بمشروع فيدرالية اليسار مائة بالمائة، بقدر ما أن «المثقف» بطبيعته يجد نفسه مجروراً إلى جدل فكري موضوعه الدستور وفصل السلطات، وأيضاً هروباً من حزب «الأصالة والمعاصرة»، لأنه أصبح وصمة عار على بعضهم، وتجنباً من حزب «العدالة والتنمية» حتى لا يتم اتهام المثقف بأنه محافظ، بينما هو يدعو إلى الحداثة والحرية».

وفي الإطار ذاته، كتب الإعلامي والمخرج السينمائي رشيد زكي ما يلي: «الآن، أيقنت بأن الفنانين والمثقفين القادرين على تحريك الضمائر والتأثير الإيجابي في جمهورهم ليسوا بقادرين على القيام بالدور المنوط بهم. الكثيرون أعجبتهم موضة صورهم مع (لوغو) فدرالية اليسار الديمقراطي الذي شكل نوعاً من الالتزام العرضي والاستعراضي. أعرف ان الكثيرين منهم لم يذهبوا لمكاتب الاقتراع واختاروا سياسة المقعد الفارغ. غير أن المقعد الفارغ هناك من سوف يملأه. والفائزون لهم قواعدهم التي تعبأ لهم بقوة أو أموالهم الطائلة التي يذرونها رمادا في أعين شعب فقير، مقهور، مغلوب على أمره. صوتت على فيدرالية اليسار الديمقراطي لاقتناعي بمشروع تغيير سلمي للبلد الذي أعشق. صوتت لكون حلم أن ترأس حكومة بلدي امرأة استهواني. لكن التغيير صعب في بلد استشرى فيه الفساد وطغت عليه عقلية رجالية رعناء».

المقاطعون

على صعيد آخر، أصدرت جماعة «العدل والإحسان» (المحظورة) بلاغاً حول نتائج انتخابات سابع تشرين الأول (أكتوبر)، اعتبرت فيه أن نسبة المشاركة التي أعلنت عنها وزارة الداخلية 43 في المائة «اعتراها كثير من النفخ والتلاعب على عادة المخزن في كل المحطات الانتخابية السابقة». ورأت أنه باستحضار الأوراق الملغاة، فإن نسبة المشاركة لم تتجاوز حوالي 26 في المائة على أقصى تقدير. ووجهت الجماعة تحيتها لكل الذين استجابوا لدعوات مقاطعة «الانتخابات العبثية» على حد وصفها، ملاحظة أن فساد العملية الانتخابية شهد عليه المشاركون قبل المقاطعين، حيث فاق حجم الشكوى من الفساد الانتخابي بكل أشكاله كل الحدود، كما اعتبرت أن فشل كل المحطات الانتخابية «ليس إلا انعكاسا للخلل العميق في بنية النظام المبنية على الاستبداد والفساد، وإن أي تغيير لا يمس هذه البنية في اتجاه إحقاق سيادة الإرادة الشعبية والتمكين الحقيقي للحرية والكرامة والعدل لن يفيد إلا في إطالة عمر الاستبداد والفساد وتعميق معاناة الشعب المغربي».

وفي السياق نفسه، كتب معاذ الجحري، أحد قياديي حزب «النهج الديمقراطي» المعارض الذي دعا إلى مقاطعة الانتخابات، أن 20 في المائة فقط هي نسبة المشاركة الفعلية أي نسبة الأصوات التي ذهبت لمرشحي الأحزاب السياسية المشاركة في انتخابات 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2016. وأضاف قائلاً: انتخابات ينبثق عنها برلمان وحكومة لـ20 في المائة فقط من الناخبين كما كان عليه الحال سنة 2007 وهي الفترة التي شكلت مقدمة موضوعية لانتفاضة 20 شباط/ فبراير. ليلاحظ في الأخير أن «الخناق يشتد حول الاستبداد عند كل استحقاق انتخابي وتزداد عزلة المخزن وغربة القوى السياسية والنقابية الملتفة حوله».

المصدر :القدس العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.