يوم أرسل الحسن الثاني جهاديين إلى أفغانستان ، و أية علاقة لمفهوم العنف الشرعي بالارهاب الدولي ؟

محمد أعراص

جسدت فلسفات العقد الاجتماعي بأشكالها الكلاسيكية (هوبز، لوك، روسو،) أو المستحدثة النموذج الافتراضي الأكثر تعبيرا على البناء الاجتماعي لواقعة العنف. وذلك من خلال جعل الأمن والسلم والعدالة أهم المجالات الرئيسية لتدخل الملك والمشرع.
كما كشف رونيه جيراراتناء تفكيكه لآلية القرابين في مؤلف ” العنف المقدس ” خدعة التضليل الاجتماعي الذي يقوم عليه القتل الاجتماعي المؤسس للأضحية وتدور أعماله حول أسباب العنف بين بني البشر ونتائجه والطقوسية وعلاقة ذلك بتاريخ المؤسسات.
ويقوم على مصادرة مفادها أن الرغبات الانسانية تخضع للمحاكاة أي أنها رغبات تتجه إلى موضوعات يرغب فيها الغير. ويؤدي تقارب متجهات الرغبة الى التركيز ليس على موضوع الرغبة بل على رغبة الآخر في الموضوع المرغوب فيه مما يؤدي إلى اندلاع العنف والعنف المضاد. وهكذا يبحث الأفراد بدون موارية على تفعيل الانتقام الخاص المؤجل ويحكم قانون المحاكاة والتقليد يصبح العنف قضية الجماعة لأنه ظاهرة معدية مما يفتح الباب أمام المذابح الجماعية ويعتقد بأن الوسيلة الوحيدة لوقف دورة الانتقام تتجلى في ايجاد موضوع بديل للرغبات المتنافسة، من خلال نقل العداء إلى ضحية واحدة تصبح موضوع كراهية جماعية وتضفي عليها صفة العدو من طرف الجماعة كلها.
إن فعل تحويل العداء من طرف الجماعة إلى عدو مشترك والانتقال من الانتقام الخاص إلى الانتقام الجماعي العام، يعد اللبنة التاريخية الأولى لمؤسسة العنف المشروع ومركزته كما يوضح ماكس فيبر (عالم الاجتماع الألماني)، حول مفهوم الضحية مهما اختلفت اشكالها الثقافية والتاريخية والمؤسساتية.
فقد عرفت كل المجتمعات طقوس التضحية والفداء. وكان لجميع الحضارات مهما بلغت تنظيماتها العقلانية، متهموها وضحاياها. وأصبحت محاكاة القتل الجماعي البدائي المؤسس يتجلى بالتدرج في المؤسسات الساهرة على إرساء الأمن الجماعي.
ولكن هذا القتل الجماعي لكي يتمأسس يحتاج الى عنصر سيكولوجي يتجلى في اعتقاد الجماعة بأن الضحية هي المسؤولة عن العنف وانطلاق العدوان وبأنها تستحق العقاب وهو نفس المبدأ الذي تقوم عليه المؤسسات المحلية والعالمية الزجرية.
وأوضح فرويد كذلك في مؤلفاته الانتروبولوجيا، الاستعداد العدواني لدى الانسان والكبت النفسي الضروري والمشروع الذي تفرضه الحضارة على غرائز الهدم المتأصلة في بني البشر كالقتل…….
وأضاف عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو صفة الرمزي إلى العنف المادي المشروع.
وإذا كان ما لجأ إليه علماء الاجتماع وعلماء النفس، هو التأسيس النظري لاستتياب الأمني وإنقاذ الانسان من الانسان…..
فهو نفسه تأسيس نظري متعدد، مباشر وغير مباشر لقيام نواة لتحقيق العدالة على اساس جينالوجيا فلسفية، لذلك الحشد الهائل من الاجهزة التي تتكلف بفرض النظام والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي. فإن تركيز ماكس فيبر على العنف المشروع في نظريته السوسيولوجية حول الدولة، يضعنا على الدرب السليم لكي نفهم اليوم مجموعة من المفاهيم القانونية والمؤسسة للعنف العام (أو عنف الدولة)…
والوضع الحالي الذي تتخبط فيه الأمة المغربية والمغاربية عامة والأمم الأخرى في المشرق (الشرق الأوسط) …، والذي تبدو فيه وكأنها مكسورة الأيادي لا تملك من أمر تغيير أوضاعها، شيئا، شديدة السلبية هو نتاج لذلك التراكم التاريخي للقهر الذي سلط على هاته الأمم ومن بينها الأمة المغربية منذ دخول الاسلام الى ما روى عن جحيم تزممارت في أخريات القرن العشرين، ولربما سيروى مستقبلا عن المعتقل السري بتمارة.
فمع موجة ما سمي بدخول الاسلام في المغرب خضع المغاربة لشريعة التقتيل والسبي حيث أصبحت البلاد مصدرا لتزويد الغزاة من الشرق العربي بفيض الغنائم التي شملت انسان هذا البلد وخيراته.
ويقول احمد عصيد( نقلا عن احدى مقالاته في مجلة مغربية …(زمان 2010) عدد 45.).
” قد كان من نتائج هذا الوضع الذي كرس اعتماد الدين في ترسيخ الاستبداد السياسي وعنف الدولة. أن أصبح تاريخ المغرب للمرحلة الاسلامية تاريخ صراع بين القبائل والحكم المركزي للمخزن بين قيم التشاور والأعراف والعقلانية والمروءة وقيم الاستبداد والبطش والنهب وفق النموذج الشرقي، وأصبحت ثقافة المقاومة المغربية موجهة الى حكام العواصم بعد أن كانت مقاومة للأجنبي المحتل على مر قرون الما إسلامية
ومن خلال أهم ما تم توضيحه حول العنف وفلسفته ونهجه ضد الفلتان الأمني عمدت الدول مع تحول اقتصادي للامبريالية وتأزم الرأسمال العالمي إلى أعادة توظيف الانسان في صراع ايديولوجي ومذهبي ضيق من أجل نيل مكاسب اقتصادية ومصالح سياسية للحفاظ على الداخل الامني وللحفاظ ايضا على هيبة خارجية من أجل المزيد من نهب لخيرات الشعوب التي تريد أو تحاول أن تضع قدمها في الركب الاقتصادي والاجتماعي والثقافي المتقدم.
وعليه سنوضح بالملموس نتائج حتمية أدت إليها معالم الظلم والقهر التي اعتمدتها دول الرأسمالية والدول التابعة لها…
ومن بين هذه النتائج ما تولد عن الرأسمالية المتوحشة من أساليب وأدوات جهنمية ضد الانسانية والإنسان ويسمونها اليوم بالإرهاب.
ما دامت العقيدة هي أداة عاطفية تخاطب الوجدان وتهيئها للاستعمال في أي وظيفة شاءت أي دولة اسلامية في العالم، فإن أهم مظاهر تلك الأداة تتجلى بالملموس في التاريخ الحديث لاستعمال جماعات “جهادية” ضد السوفيات بأفغانستان وكانت الولايات المتحدة راعية لذلك بصفة مباشرة وغير مباشرة وكما كان المغرب دولة تابعة للسياسة الخارجية الامريكية سأوضح في موضوع بعض ما حدث بأفغانستان وما يحدث اليوم بسوريا بناء على معلومات صحفية استقيتها من مجلات وجرائد.
الطريق إلى كابول:
تتوالى أنباء الشباب المغاربة ضحايا “الجهاد” في سوريا منذ ما يزيد عن أربع سنوات ونصف، سيناريو شبيه بما عاشه اسلامهم قبل أكثر من 30 سنة في افغانستان، كيف نشأت ظاهرة الارهاب الجهاد المغربي في الخارج؟ وكيف تطورت لتنشأ عنها أعمال إرهابية؟.
حفزت ايديولوجيا “الجهاد” المغاربة لشد الرحال نحو بلد بعيد جغرافيا وثقافيا عنهم هو افغانستان كما هو الشأن حاليا في سوريا حيث يحارب مئات الشباب المغاربة للإطاحة بنظام يعتبرونه “كافرا” بالنسبة لجهادي الامس كما اليوم، الانتماء للوطن أدنى من الانتماء لفضاء المسلمين السنة أينما وجدوا.
في السياق، يقول أحد المشاركين سابقا في الجهاد بأفغانستان في تصريح له …” كنت أواظب على مطالعة مجلة “الجهاد” التي كان يصدرها (عبد الله عزام)، شيخ المجاهدين العرب في افغانستان من بيشاور. كانت جد مؤثرة ومحمسة خصوصا ذاك المقال الذي ما زلت أتذكره، والذي كتبه عزام حول كرامات مغربي قتل أثناء القتال في افغانستان كان يدعى يوسف وينحدر من مدينة فاس وينتمي لجماعة اسلامية التي كان يتزعمها عبد الاله بنكيران حينئذ، لم تكن صلتنا الوحيدة بالفكر الجهادي في افغانستان فعلماء الأمة في مشارق الأرض ومغاربها كانوا ملتفين حول هذا الموضوع”. ابو حفص…..(بتذكر).
إلى جانب الدعاة الأجانب كان لدعاة جماعة الدعوة والتبليغ وجماعات اسلامية أخرى، نصيب في التعبئة لدعم الجهاد الافغاني.
إن جميع الشهود بالمرحلة الأفغانية يحرصون على التميز بين التعبئة الايديولوجية واستقطاب الشباب عمليا قصد تجنيدهم وإرسالهم للقتال في افغانستان. عبد الله الرامي الباحث في شؤون الاسلام السياسي، يؤكد هذا التمييز موضحا ” أن كل الأطياف الدينية التي كانت متواجدة في الساحة يومئذ ساهمت بشكل أو بآخر في التعبئة التامة لمساندة الجهاد بأفغانستان لكن طبيعة المساندة كانت في الغالب محصورة في الجانب الدعائي، فالوسط الاسلامي حينها كانت تعوزه الامكانيات لتجهيز الشباب للقتال في افغانستان وكان من الملفت أن اغلب أعمال التحشيد والتعبئة تتم في مراكز جماعة التبليغ ومساجد السلفيين العلميين” عن مجلة زمان “العدد 5”.
انشطة التعبئة الايديولوجية هاته سيتوفر لها حضن وسند قويان عن طريق عبد الكريم الخطيب، المقرب من الحسن الثاني آنذاك بتأسيسه “الجمعية المغربية لمساندة الجهاد الأفغاني” منذ ستينات القرن الماضي كما يعرف الجميع أصبح الخطيب أشبه ما يكون بسفير غير معلن للحسن الثاني لدى تنظيمات الاسلام السياسي السني، وخاصة جماعة الاخوان المسلمين التي لجأ بعض أقطابها إلى المغرب وإلى جانب الخطيب لعب علي المنتصر الكتاني دورا اساسيا في توفير الدعم المالي للجهاد الافغاني ثم الجهاد في البوسنة والهرسيك. فقد كان الكتاني يتوفر على علاقات واسعة مع ملوك ورؤساء السعودية وباكستان وتركيا، تولى رئاسة “المؤسسة الاسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية” ابتداء من سنة 1982.
منذ الستينات القرن الماضي، اختار الحسن الثاني الاصطفاف في صف الملكيات المسنودة من طرف الولايات المتحدة الامريكية ودول أوروبا الغربية في مواجهة معسكر “الزعماء” المدعومين من قبل الاتحاد السوفياتي فكان طبيعيا أن يتجند الملك الراحل لخدمة المعسكر الذي يوفر له الدعم المالي والدبلوماسي كلما اقتضت ذلك حروب الحرب الباردة، خاصة وأن معطيات الداخل كانت تحمله على رعاية الاسلام السياسي الناشئ وتوجيهه ضد اليسار المعارض بخطابه الايديولوجي الاكثر قدرة على النفاذ في أوساط المتعلمين. كان غزو السوفياتي لأفغانستان فرصة للحسن الثاني ليحقق نصرا ايديولوجيا على اليسار المتفوق أخلاقيا وفكريا بإشاعة فكرة بسيطة سهلة النفاذ إلى أذهان الفئات الشعبية فقيل أن السوفيات احتلوا افغانستان ليس لأنهم “شيوعيون” “وملاحدة” وتبعا لذلك يلحق اليساريون المغاربة جميعا (رغم بعد أغلب تنظيماتهم انذاك عن موسكو) بصف هؤلاء “الشيوعيين” “الملاحدة” اعداء الدين.إلا ان الحسن الثاني بذلك كان عمله كله موجها لخدمة الولايات المتحدة الامريكية ومصالحها.
أكثر من ذلك يعتقد أنس مزور الصحافي الذي اشتغل كثيرا على مواضيع الاسلام السياسي، أن السلطات المغربية كانت تقيم بشكل ضمني نوعا من التفاهم مع قيادات التنظيمات المسلحة يمتنع بموجبه هؤلاء عن استهداف المغرب والسعودية أو المؤسسات الاجنبية داخله مقابل التغاضي عنهم حينما يعبرون البلاد نحو جهات أخرى. ولم يتغير هذا الوضع إلا عندما انخرط المغرب في الحرب على الارهاب ليصبح هو الآخر هدفا لهذه التنظيمات .
علي العلام، كان من ضمن المغاربة الذين شدو الرحال سنة 1990 للجهاد في أفغانستان في حوار خص به اسبوعية “الوطن الآن” سنة 2011 يحكي: “أنه كان رفقة اربعة جهاديين مغاربة حين التقوا على متن الطائرة بمغربي خامس جاء قادما من الولايات المتحدة يقصد الجهاد في افغانستان أحد افراد هذه المجموعة سوف يقتل فيما بعد في الشيشان لم يكن عدد المغاربة حينها يتعدى 30 مجاهدا يضيف العلام موضحا أنهم كانوا يتلقون تداريب في استعمال السلاح الناري والمتفجرات وتزوير الوثائق والجوازات وتشفير الرسائل السرية ومقاومة التحقيقات الامنية. بينما لم يكن لبعض الاسماء التي اشتهرت ميدانيا نفس حظ الشهرة الاعلامية التي نالها تبارك وأبو حذيفة.
كانت الدولة تغض النظر عن الذاهبين الى افغانستان وسوريا للمشاركة فيما يسمى “بالجهاد” ضد العدو (في نظرهم كافر) لخدمة مصلحة ما وهذه المصلحة لا بد ان تكون امريكية… ما دامت هي القوة الأولى في العالم. وقد كانت ترعى بشكل مباشر المقاتلين الافغان ضد السوفيات وترعى بشكل أو بآخر المقاتلين في العراق والشام ضد النظامين السائدين بوكالة دول الخليج والمغرب.
كما يقول عبد الله الدامون في جريدة المساء “امريكا هي رائدة السينما في العالم وهي التي انتجت كما هائلا من أفلام الرعب والخيال العلمي التي تخيلت أي شيء، بدءا بالكائنات الصغيرة التي يتم خلقها وإرضاعها من أجل مهام محددة في الزمان والمكان. ثم يتحول الى وحوش كاسرة تفترس من خلقها أولا، وهذا بالضبط ما يحدث مع تنظيم “داعش” الذي خلقه العرب والغرب لكي يأكل النظام السوري فصار يفترس كل شيء في كل القارات لقد هرب الوحش من المختبر وفقدوا السيطرة عليه وصار القضاء عليه يشبه المعجزة تماما كما يحدث في افلام الخيال العلي”
وكان هذا التشبيه هو الذي ارجحه وأعتبره عقليا وأراه يجانب المنطق بعد ما وضحت في وصفة تاريخية عن التقتيل البشري ومحاولة كيان الدولة استعماله حينا وحصاره حينا آخر من أجل السيادة والتعايش تحت سيطرة ما… في النظريات الفلسفية واللمحات التاريخية ما يحدث اليوم يجعل الدول تعود الى اقامة دول على أساس الرقابة اليومية لسلوك الناس الى درجة أنهم وضعوا قوانين غاية في القسوة وسيضعون أشد منها قسوة…
في هذا البلد و-أمام ما جرى مؤخرا بفرنسا- يظهر جليا وبالملموس نحن أمام تراكم تاريخي للقهر والتعذيب والتقتيل نحتاج بشأنه الى التوقف، وإعادة القراءة للتاريخ، بل وكتابة تاريخ جديد للمغرب حتى يتمكن المغاربة من تأمل وجوههم في المرآة ويتعرفون حقيقة على الاسباب الكامنة وراء موت احساس المواطنة لديهم، ولا مبالاتهم بما يجري فيهم، وحتى بما يجري حولهم. وان ما نشاهده حاليا من عجز عن التغيير إنما هو نتاج لمسلسل تاريخي للقهر. إنه القهر على الطريقة المغربية الذي يبصم بقوة على الوضع الراهن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.