يوميات حراك صيفية (ج.3)

في الحسيمة بقي الحديث يدور حول غاز الكليموجين. ” تنفست الغاز في دار المهراز لعدة مرات ، لكن ما استعمل هنا لا يقارن بتة . انه شديد القوة…”

عندما رويت بدوري قصة اصدقاء أصابهم نزيف دم دام مدة ثلاثة أو أربعة أيام، قال لي شخص آخر: ” انا أؤكد لك هذا.. الدم بقي يسيل من انفي حتى أخذت بنصيحة وقمت بغوصة في البحر.. غسل الكليموجين بماء البحر فعال حقا.. “

شخصيا لم اتعرض لاي نزيف دم، ربما لأني استمعت الى الذي كان يسعفني: ” إنفح كوكاكولا.. انفحها .. ” لم أفكر في الأضرار وما اذا كان نفح سائل ما ممكنا.. استمعت الى كلامه ونفحتها.. ونفحت…”

….

للعطل الصيفية منطقها أيضا، بالنسبة للشخص الذي كد واشتغل عاما كاملا في ظروف الهجرة القاسية، فإنه يحتاج دائما حسب نوع وطبيعة العمل الذي يمتهنه، الى أسبوع أو أسبوعين يتم فيها “الإفراغ” والتجرد من التوترات والشحنات السلبية التي تكدست في جسده ونفسيته طول مدة اغترابه، قبل أن ينتقل الشخص بعد تمتعه بقسط وافر من الراحة، الى شحن الطاقات الجديدة الإيجابية، ويعود بعد ثلاث أو أربعة أسابيع حيويا منتعشا الى محل إقامته، ليواصل مشواره من جديد ودون تقطع حتى عطلة مقبلة.

بالنسبة لي، وبعد مضي ثلاثين ساعة من عطلتي في الريف، كنت متعبا الى درجة لا تتصور، وصل بي الأمر في بعض المرات الى حدود الإختناق.
كل تلك النقاشات والاستفسارات والحكايات وما يخلق كل ماتراه وتعيشة في نفسيتك من انطباعات، أمر مضن حقا ويشكل عبئا كبيرا مصاحبا بثقالة غريبة.

هل “ستنزل”؟
هل ستشارك يومه العشرين؟
ماذا سيحدث في نظرك؟
ماذا يعني قرار المنع الذي أصدرته جهات في الدولة أياما قبل حلول المحطة التي دعا اليها قائد الحراك ؟
ثم تكثر القراءات والسيناريوهات والاستنتاجات، لكن رغم كثرة الأسئلة، بقي السؤال حول القوافل التضامنية الآتية من أوروبا، حسب قنوات التواصل الإجتماعي، حاضرا … وعالقا.

بعد كل نقاش .. يعرد المرء الى ذلك السؤال الشقي العصي عن الإجابة: ماذا عن ” أصحاب الخارج”؟
وكأن الكل يترقب منهم شيئا ما والكل ماسك على صدره من كثرة الهواجس والمخاوف في أن تكون “القوافل” مجرد زوبعة افتراضية لا وجود لها.

في ظرف وجيز من الوقت الذي أمضيته هنا في الريف، تعلمت كيف أرد
– أينهم أصحاب الخارج؟
– أوَ لستُ أنا واحدا منهم… من أصحابالخارج ؟
كانت هذه الإجابة شافية ، تسبب من جهة في ضحكة مرحة ومن جهة أخرى تغلق المنافذ كليا أمام الرفية في الغلو في هذا الموضوع. لذلك كررتها أكثر من مرة وضد أكثر من شخص، واستمتعت بفسحة راحة رغم عدم طول دوامها.
بدأ هاتفي يرن. مكالمات.. أسئلة عبر المسانجر أو الوتساب، واحدة تتبع الأخرى حتى ظننت أنني الوحيد المتواجد في الحسيمة من صنف “أصحابالخارج”…

الكل كان يبحث عن صوت ل”أصحاب الخارج” : قنوات تلفزية عالمية، هولندية، جرائد، مذاييع…وكأن الهم الكبير ليس هو المسيرة ، وانما مشاركة “أصحاب الخارج”
فيها..
وتكرار رفضت مقابلة .. مع كل مكالمة كنت أستجمع قواي كي أتمكن من قول “لا”.. ‘لا’، ‘لا’…فأنا جئت لآشارك يومه العشرين، كناشط .. كريفي.. كجزء لا يتجزأ مما يحصل ويشهده التاريخ، وربما ، في العمق، أكثر ككاتب يريد ان يعيش لحظة تاريخية عن قرب ليعلم كيف سيكتب ، وعما يكتب، وربما ليقول مفتخرا: لقد كنت هناك.. لقد كنت شاهد.
وفي هذا الإطار بالضبط حددت مهامي، ووضعت حدودا لانشغالاتي بالحراك: المسيرة المليونية… ثم البحث عن عائلة معتقل لأنفذ وصية أم.. ثم ستبدأ عطلتي… الإفراغ أولا .. والشحن ثم الشحن بعدها.. حتى العودة…وسأعود وأنا مشحون بالطاقة استطيع ان أسند عليها حتى العطلة القادمة.

محمد السقفاتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.