يوميات حراك صيفية (ج.2)

منذ وصولي الى أرض الوطن وانا أهرع متنقلا من هنا الى هناك ، في صراع مع الزمن الذي يحضننا ويمضي بنا بسرعة ثورية فائقة الى المحطة التي في العين ويترقبها الجميع … وكأن كل شيء في الريف يعاش ويُحيى لأجلها.. وكأن كل شيء قبلها تافه .. وبعدها فليكن ما يكون..

هكذا وجدت نفسي أمام الوتيرة المتحدة، لا أتذكر كثيرا من بقية يوم الثامن عشر، انها السرعة الثورية. انها ايضا ذاكرتي الضريرة مع آفة النسيان التي تلازمني منذ صغري، لكن بعد ان قصدت شقتي لأضع فيها حقيبة السفر، فلا بد ان اكون قد قصدت أسرة أختي لتبادل التحايا والعناق والحديث عن الأحوال، ثم متجر الهواتف لأقتني رقما مغربيا، ثم بعدها مقهى رشيد في وسط امزورن لأتناول شايا منعنا مع أعز اصدقائي (ب.م)، لا بد ان أكون قد نجحت فياستمالته وهو الذي يملك وسيلة نقل، لغاية القيام بزيارة لبحر اسواني، بل هذا مؤكد جدا، لأنني عندما لم أعد أتذكر، استعنت بأرشيف الصور التي التقطتها فوجدت واحدة أظهر فيها بمفردي على رمال البحر وانا عاري الصدر أجلس على مقعد بلاستيكي حول طاولة ملأى بكأس ماء وحيد، وثلاث كؤوس شاي منعنعة، اضافة الى صينية مليئة عن آخرها بالبقايا من قشور شاهدة على وليمة نهم لدلاحة.
واستنتج من الكؤوس الثّلاثة ان الصديق(خ.ا) ايضا كان حاضرا معنا وسنكون قد تطرقنا في محادثاتنا الى الحراك والى المحطة المليونية التي ستكون بعد يومين، ثم لا بد ان أكون قد سمعت صرخة علىالشاطئ او في البحر تصيح ب “عاش الريف” ، لكن استبعد الأمر لأنني لو كنت سمعتها، لكان الامر قد خلق لدي انطباعا معينا ستكون معه ذاكرتي مضطرة ان تتلقفه وتحتفظ به. على الأرجح أن يكون الشاطئ مقفرا ذلك اليوم ولم اسمع أية صرخة حياة أو حرية.
على خلافه، فيوم الاربعاء التاسع عشر من يوليوز أتذكره جيدا ، لأني كنت مصرا ان اكون حاضرا يوم العشرين في الحسيمة وقمت بمكالمات عدة بعد الزوال كي ارتب مأوى في المدينة اقضي فيها الليل ، لأن العودة الى امزورن قد تعني عدم الحضور بسبب السدود الأمنية الزائدة التي ستوضع في الطرق قصد منع الناس من التحرك والتنقل الى المدينة.
ذهبت رفقة ابن أختي وقصدت أقرب بحر الى وسط المدينة: كيمادوا. هناك عشت أول تجربة لي فيما يطلق عليه حراك البحر.

*****

مظاهر العسكرة كانت معالمها واضحة منذ أن وطأت قدماي أرض الريف، لكن اليوم أصبح منظرها مقلقا ورهيبا جدا، انه يبعث الخوف في النفوس.
تركت امزورن خلفي وشوارعها معسكرة، ربواتها وتلالها محتلة، ظلال أشجارها كذلك، مثل الحي الشعبي حيث شقتي ، “ساحة عدنبي” أيضا، حتى مستوصف امزورن كان يعج بالقوات والمدرعات وكأن الرسالة تقول : الشعب شر ونحن الخير، لذا من واجبنا أن نحمي المرافق العمومية الحيوية ضد شغبهم وهمجيتهم، لكن هذه الصورة زائفة.. فهذا الشعب برهن لاكثر من مرة انه مسالم ومدافع شرس على وطنه وكرامته، وفي هذه الآونة لا يطمع ولا يطمح سوى الى إطلاق سراح معتقليه وتلبية ما يمكن تلبيته من مطالب رفعت بالإجماع واعترفت اعلى السلطات والمؤسسات في البلد بشرعيتها.
حتى مخرج امزورن في اتجاه الحسيمة كان مكتضا بالعربات العسكرية والمصفحات بدءا من بناية المحطة الطرقية ، ثم على بعد أقل من كيلومتر تبتدأ السدودالأمنية حتى مدخل الحسيمة.. هذه للدرك وهذه للشرطة، بالتناوب يظهر.

بدت الحسيمة في الساعات الأولى بعد الزوال وكأنها مدينة – شبح. قليلون هم من يمشون في الشوارع. فقط القوات الأمنية المختلفة التلاوين تقف زرافات زرافات عند أركان الشوارع وفي ساحة الشهداء، وكم كانت نظرات أفرادها عدائية همجية متحرشة مستفزة.
عند مدخل كيمادو اصطفت سياراتهم وهم يراقبون ويتفحصون بشكل لا يبعث عن طمأنينة كل جسد تحرك أمامهم. اجتزت البوابة وعيونهم تلاحقني، مركزة في انتباه مشدوه على هاتفي الذي عادة ما احمله في يدي. الصورة تسبب لهم الرعب، لذلك يقومون بكل شيء لأجل بعث الخوف في النفوس حتى لا تتجرأ. والجرأة ليست في ان لا تلتقط صورا وتضعها أمام أعين العالم المترقبة، بالنسبة لهم عدم اخفاء هاتفك هو تحدي صارخ لهم في حد ذاته ويتم ردعه ردا عليه بالتحديق والوعد والوعيد وفي حالات كثيرة بالسطوة والإستلاء عليه.

المجسم الإسمنتي الضخم الذي وضع في واجهة البحر كفندق، لا يخنق جمال البحر ويعكر صفوته فحسب، بل يرمي بواده الحار ويضخ بفضلاته في الشاطئ، مسببا رائحة تزكم الانفس. أردت تصويرالمنظر، لكن العيون لازالت معلقة على هاتفي، فاستعنت بمرافقي.. طلبت منه الوقوف جنب المنظر الخبيث وأخذت صورا مما اريد وكأني أصوره. بحثنا عن مكان لنا في الازدحام الشديد وكانت صيحات ” عاشالريف ” تنبعث من هنا وهناك واحدة تتلو الأخرى، ثم حمل شاب الراية الأمازيغية ودخل بها الى البحر.. اجتمع حوله حشد كبير من الاطفال والشباب ثم ارتفعت الشعارات. كان المنظر رهيبا وجديدا بالنسبة لي، ترك وقعا فوضويا على حواسي، جعلني أغادر مكاني حيث استلقيت، ووقفت استطلع المشهد.

هنا بالقرب منا عائلة تستظل تحت مظلة شمسية ترفع الشعارات. في البحر شابات على بعد من تجمع الشباب يرددن الأشعار معهم. وكان الصوت ساحرا وهو ينبعث منالماء.. شيء ما يجعله في لحظة ما يختنق ، يغيب قليلا ، يتلوى مع الموج ثم يصدح في أمواج عالية مرتفعة بالأضعاف. كان وقعه ساحرا على آذاني وذكرني بالشعارات في المسيرات الحاشدة التي تعرفها المدن الغربية حين ترفع بأعلى صوت خصوصا في الاماكن الشبه مغلقة من مثل الآنفاق في الأنفاق، فيكون صداها مغايرا لما اعتادته أسماعنا ..
انجذبت الى تدفق الأصوات وشدتني هالة المنظر، سرت على الشاطئ استطلع المصورين والمحدقين والمخبرين والشرطة في زي مدني او حتى دون ملابس وهم يتابعون بنظراتهم المركزة او ادوات تصويرهم ما يحدث، حاولت ان اميز بين المدني والعسكري بين الاجساد العارية..
لكن التمييز شبه مستحيل حتى على شخص يمتلك بعض مهارات كاتب.

اقتربت من التجمع. غصت في الماء، بخطى متوجسة ومترددة دنوت أكثر. ترى ماذا سأحس به لو رفعت صوتي معهم؟
هناك في باطني يقبع الخوف الذي تسلط علي ويكبح ارادتي من ان افعل. لكن واجب ان أفعل.. فأنا لم آت حتى هنا (الى الريف)، وفي عز الصيف دون ان ارفع شعارا، دون ان استكشف ما سيحدث بداخلي من انتفاضات وثورات وتجلي.
خوفا أدرت ظهري لبعض المراقبين وصحت مع الشباب: “الموت ولا المذلة”، “الموت ولا المذلة ” ، ” الموت ولا المذلة “… لكن نبرة صوتي كانت مغايرة تماما، مشوشة شيء ما وباهتة ضبابية الخلفية وكأنها مشلولة، في حين انها كانت تخرج من حناجر الشباب وهم على مقربة من قوى هي على أهبتها وأتم استعداد للإنقضاض عليهم، قوية.. صافية.. صادقة.. سلسة.. متداعية وحرة؛ تقصد بنبراتها ما يُفهم منها، وتعني ما يُقصد بها؛ الموت … أو المذلة.

وأنا أمام هذا الوعي الذي بدأ يستتب في، أحسست بنوع من اليتم .. يتم داخلي جعلني اعود أدراجي الى فوطتي مخذولا منكسرا . استلقيت على بطني.. اغلقت عيني وتركت نفسي تسافر .. الى أعماق بواطني، لتستوعب السبب في بقاء كلماتي بلا صدى ولا روح.
وظل التدفق الغني المتموج ينسل الي في كلمات مشرئبة أعناقها، روحانية حية وقوية: الموت.. المذلة.. الكرامة… المعتقل.. و ” عاااااش” الريف.

تأملي العميق لما كان يتحرك ويجيش بباطني من أحاسيس متجانسة أومتضاربة اتجاه ما تتلقفه حواسي بسعة صدر من صور وأصوات وحركات حولي… وتفكيري الطويل في ماهيتها للشرح أو الفهم، جعلني أسترجع مقالة ضعتها بعدما كتبتها حول “روحانيات الحراك”، وقد استعنت أثناء كتابتها بتجربة روحانية شخصية خلوت لأجل عيشها أسابيع عدة وانا في عزلة تامة عن العالم الخارجي، ووصلت الى حقيقتين وهي أن ماكتبته من جهة يقارب الواقع والحقيقة بكثير، ومن جهة أخرى ذلكالإدراك الشقي بأني لن أكون الا بعيدا منها ومن محتواها..
من قبل ظننت أن “المس” الذي هو شرط أساسي للدخول في عالم الروحانيات قد أخذ بي أيضا وأنا بعيد عن الريف، أتابع عن كثب مجريات الاحداث، لكن الامر لم يكن هينا لهذه الدرجة..
هكذا بقيت على الشاطئ دون هذا ‘المس” السحري… ودون ارتواء حراكي روحاني أمتلأ به، لعل صديقي في الهجرة لم يكن إلا صادقا عندما قال، ” نحن لسنا الحراك.. نحن نتابع ، نتضامن، نساند المطالب، نشجب الإعتقالات ونؤازر اخواننا فيأمالهم ومحنتهم .. هذا وفقط.. هذا هو الدور.. دورنا “..

محمد السقفاتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.