يوميات حراك صيفية (ج.1)

“عشرون يوليوز : انه ايضا يوم البصل والماء ومشروب الكوكاكولا .. أينما حللت في الحسيمة الا وتجدها كعُدة مُعٓدّة مسبقا وموضوعة في تراتب فوق عتبة الأبواب، فوق محركات السيارات، أمام المآرب، على الارصفة.. وأثناء بداية القمع والمواجهات الدامية بسلاح السلمية، كان البصل ينثر كالورود على الشوارع من الأسطح والنوافذ، يلقف بالايادي او يرد صداها الإسفلت، هنا متجر يفتح بابه ثلثا في يوم الاضراب، صاحبه يتسلل خفية الى الداخل بعد ان طلب يد عون من عابر سبيل… ” هنا… ساعدني وضع القنينات خارجا للمحتاجين اليها”..
حينما طالت المعركة كانت كوكاكولا قد استنفذت تقريبا لكن هذه المرة بالمضمضة والاستنشاق والاستنفار..
البصل ايضا يوجد في كل مكان، مهشم، قشور.. مقسم في كومات او صفائح عدة، هناك ما استعمل منها ولا يصلح، وهناك ما استعمل لكن يصلح لإعادة الاستعمال وهناك ما لم يستعمل بعد.. وكم من منزل ومطبخ عاد دون بصل، وكم … كم سال من دمع ومخاط !!! وكم من شخص رأيت ينزف دما أو يعتقل… وشهيد سقط “

في ذكرى 20 يوليوز المجيدة

******

كعادتي، هممت هذا العام ايضا للقيام بزيارة الى الريف وفق القاعدة التي غنت بها فيروز : “زوروني كل سنة مرة “.

كنت مصمما واعرف مسبقا ان الزيارة ستنجز مهما كانت الظروف، لكن لم يكن أبدا في حسباني ان تكون هذه في عز الصيف الذي أمقت لجته وضجيجه وأحاول جاهدا مع تقدمي أكثر في السن ان أتجنبه قدرما استطيع اللهم ان وجد هناك من أمر ملح لا يستوجب التأجيل.

ايضالم أكن أعرف أن تاريخ العشيرين من يوليوز سنة 2017 سيكون المحدد لمسار عطلتي من بدايتها حتى نهايتها.

قطعت تذكرة السفر الذي سيتم أياما معدودات قبل حلول العشرين ولم يكن ثمنها هذه المرة ذات أهمية تذكر ما دمت مصرا على أن أكون حاضرا في المدينة التي ندهت علي، وما كان في وسعي من تجاهل النداء ..
” سأذهب مهما كلفني الأمر … ولو كانت عكاشة هي الثمن “، قلت مازحا لصديق حاول اكثر من مرة ان يثنيني عن قراري وعن القيام بهذه الزيارة .
– آلو اسي محمد، معك مكتب الأسفار، نريد إحاطتك علما بأن رحلتك ألغيت بسبب عدد الناس الذين أحجموا على زيارة الريف. الشركة لا تريد خسارة ولن تبعث بخط دون ركاب.

خلق هذا البلاغ تشويشا كبيرا بداخلي.. ألم يكن هذا بالضبط ما تخوفت منه وجعلني اقصد مكتب الأسفار بدل قطع تذكرة “أونلاين” التي يمكن أن تطرأ عليها تغييرات في كل لحظة؟
“.. أنظر لي من فضلك الى تذكرة أخرىولا يهم الى أية مدينة. المهم بالنسبة لي هو أن أكون هناك يومه العشرين. ”
اندهشت حقيقة لما قلته، لأني أصلا كنت مشوشا من الداخل قبل تلقي المكالمة هاته التي انتزعت كلماتي ضحكة لدى مهاتفي من الشركة وهو يتمم مكالمته ” وجدت هنا واحدة… لا تخف.. إن اقتضى الأمر سنزورك في عكاشة .. اعتني بنفسك ولا تهتم… لن يخصك شيئا”

استحضرت مزحة العامل لدى شركة قطع تذاكر الطيران وأنا أجوب متاجر “اشخيبول” الدولي يومه الثامن عشر من يوليوز وترددت كثيرا أمام السلع المعروضة التي أجلبها عادة معي هدايا لأصدقاء طلبوها مني أو تخص جلساتي الحميمية الأولي بعد وصولي الىالريف، لكن هذه المرة نفضت الفكرة عني… ماذا لو حدث طارئا يجعلني لا أدرك بوابة مطار الحسيمة، وماذا ان كانت المقتنيات هي السبب لهذا الطارئ؟ ستكون هذه غلطة حياتي ولن أغفرها لنفسي طول العمر..

في الطائرة نظرت حولي وانتابني شعور بالوحدة، ترقبت ان تكون مليئة بالشباب، لكني لم أر حولي سوى الرضع والأطفال الصغار والنساء والكهلة. هدهدت نفسي بفكرة ان يكون الشباب قد انطلقوا بأعداد غفيرة على متن الحافلات والسيارات في قوافل لا تنتهي وستحج الى الريف نصرة لإخوانهم وتقوية للحراك.

أخذت هاتفي وطللت على آخرالمستجدات والأخبار وقرأت خبرا من قبيل ” القاء القبض على ناشط من بلجيكا في مطار الدار البيضاء”..
حينذاك راودتني أفكار شيطانية يتوجس لها القلب وتجعله يدق بشكل غير معتاد. حاولت السقوط في هوة نوم سحيقة كي ابعد عني هذا التفكير السلبي المليء بالمخاوف، لكن دون جدوى، فقررت المواجهة والمجابهة. استرقت السمع الى النسوة القريبات من مقعدي وهن يتحدثن عن الحراك .. واستشفت في كلماتهن جرأة كبيرة كما حيطة وحذر. حاولت تخمين العشربن وكيف ستكون تفاصيلها.

” نحن سنذهب وسنشارك كنشطاء من الخارج جنبا الى جنب مع اخواننا في الداخل، سنساند اخواننا وفقط.. وسنرى ماذا يحدث.. سنذهب… المهم ان نذهب”

استفكرت هذا الكلام وكدت أسمع صوت الصديق الذي تفوه به، والذي اتصلت منه بمكالمة أخرى أخيرة، اخبرني فيها بأنه بسبب طارئ خارج عن ارادته، فانه اجل زيارته الى ما بعد العشرين.

في الطائرة كانت محض هواجس وأفكار وتوجسات. الخوف هو ما احسست به وانا اقترب من الجمارك في المطار.
فكرت في انه اذا ما حدث لي شيئ، فسيتم تفتيش حتى هاتفي. الفكرة هاته خلقت لدي رعبا وانا احتفظ فيه بصور وبأشياء تهم الحراك كما تلك المسائل الحميمية التي تهمني بمفردي
.. لم يكن الوقت في صالحي لأحجب كل شيء عن الأنظار وعن المحتمل ، فاخترت القيام بأسهل الأمور: إطفاءه.
اعطيت للجمركي جواز السفر .. تنحنح قليلا وحدق طويلا في شاشة حاسوبه، استفسرعن بعض الامور من مثل المهنة وعنوان الإقامة المقصودة وهدف الزيارة ثم نادى عن زميل له. حاولت التحكم في نفسي دون إظهار ارتباكي وما يفتعل بداخلي. عندما طالت المحادثة بالهمس بين الجمركيين وكثرت سحنات الانفعال على وجهيهما، استخلصت وقلت في قرارة نفسي، لكن بتحسر شديد: ” اذن لن أحضر محطة العشرين” ، لكن الجمركي تبسم لي، طبع الجواز أمام نظرات زميله التي بقيت مصوبة على جواز سفري. وعندما وضعته في يدي تنفست الصعداء.
حملت حقيبتي وانا ابتعد وأفر بخطوات خفيفة من الضيق في المطار الى اتساع السماء فوق انبطاح أراضي سهل النكور في محيط اسواني.

خارج المطار أخذت نفسا طويلا وعميقا حتى امتلأت رئتاي على آخرهما بهواء الريف، وشعرت وكأنني انحني كطفل في سن صغيرة الى الأرض التي أنجبتني لأقبل تربتها الزكية. ومع أن البحر بعيد بما يقارب الكيلومترين، وأمر استنشاق رائحته غيرممكن بتاتا، فإنني خلت ان عبقه الشهي الذي من خراء ما يعيش ويتعشعش فيه من بكتيريا، يصلني ويدغدغ خياشيمي . .
ابتعدت من بناية المطار، أشعلت سيجارة طلبتها ورميت نظرة بعيدة صوب جبال الريف المتراصة والتي في نصف قِمع ووصفتها ذات مرة في نص مع بساط سهل النكور بالمسرح اليوناني:

‘ عشرون يوليوز وفقط.. ستمر ثم أصعد الى الجبل’. قلتها لأكتشف بعدها أنني لم استعد هذه السنة ولم أخطط لأي شيء؛ لا برنامج حددته مسبقا.. لا فكرة اريد تجسيدها .. لا بادرة تمنيتها وسأقدم عليها.. لاشيء من كل هذا.. فقط عشرون يوليوز.. عشرون يوليوز فقط ما كان في البال وسيظل في البال وسيبقى في البال والوجدان كوشم يستعصي عن الامحاء مهما مضى عليه من أيام وتكدس فوقه من أغبرة الزمان..

رمقت صديقي (ع.ا.) الذي تقاسمت معه جزءا مهما من طفولتي ومشوار دراستي ولم ينقطع التواصل بيننا بعد هجرتي . كان هناك على بعد أمتار ينتظرني.. ” موخ ثكيذ أياحنجير؟ “سأل بطريقته الخاصة عن أحوالي وتبادلنا العناق.
كان الوقت صباحا.. فكرت في شيء افكر فيه دائما ما ان أغادر المطار واترك بوابته خلفي. أن آخذ الطريق شمالا إلى البحر بدل جنوبا إلى محل سكناي. الفكرة تراودني في جميع رحلاتي دون ان أكون قد استعدت لها. ربما هو انجذابي الى الطفولة حيث كنا ننطلق من مدينة امزورن ونبلغ اسواني مشيا عبر طريق بوكيدان أو طريق المطار..

” النهار امامي طويل” ، قلت لأحسم فيالموضوع وأركز على صديقي:
-أينهم الشباب، ارى فقط النسوة يخرجن؟
– وما بك تستخف من نسائنا، ان الشباب يفضلون السيارات وشق الطريق عن الطائرة
– وما أخبار تلك القوافل، اني أرى الدنيا خاوية؟
‏كنت قد ترقبت هذا السؤال ، ولأنني لا اعرف له جوابا، فإني طلبت توضيحا من ناشط حتى قبل ان أشرع في سفري.

طول الطريق نحو إمزورن ركزت انتباهي على السيارات ذات الترقيم الأجنبي، فكانت الخيبة من قلة ما صادفت. وعند مدخل المدينة اندهشت من مظاهر العسكرة. تفوهت بشيء لكن لا اتذكر ما هو، لكن ما قلته تلقى استخفافا من طرف (ع.ا):
– أتستغرب من هذا؟ انك لم تر أي شيء بعد.

في مقهى النخيل تناولنا فطورنا في سكينة وهدوء قبل أن يلتحق روادها من أساتذة وموظفين ، أكثرهم معارف أو أصدقاء.
– ألم تصل تلك القوافل بعد؟
سأل واحد وانتهى السؤال بالتهكم والسخرية لينتقل الحديث الى جوانب أخرى كلها تدور حول محطة عشرين يوليوز. استمعت الى المحادثات وانصرفت الى شقتي وانا أردد في نفسي: انه العقل.. انه العقل مايقف حجرة عثرة لفهم هذا الحراك.

محمد السقفاتي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.