“يوميات أمير منبوذ”: هشام العلوي ينازل ابن عمه على حلبة المخزن

عندما تضعضعت الدولة الأموية وأصبحت أمور الخلافة سباقَ موتٍ بين أبناء وأحفاد مروان بن الحكم، خرج يزيد ابن الوليد بن عبد الملك بن مروان متظاهرا بالزهد والتقوى محرّضاً الناس على ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان الذي عاث فساداً وتسلطاً، وفعلا كان له ما أراد، اذ سيستغل اليزيد تواجد ابن عمه خارج دمشق ليقوم بانقلاب عليه، ويشرعن انقلابه برغبته في إصلاح أمر الدولة والعباد بعد الفساد الذي تفشى في عهد ابن عمه مستعينا في نشر دعوته الاصلاحية على عدد من الفقهاء والعلماء الذين قبل بعضهم الامر عن اقتناع فيما تكفل بإغراء الاخرين بالمال والهدايا، فقُتل الوليد شرّ قتلة، وخلا الجو لليزيد ليضع قبضته على الحكم وسرعان ما ذابت وعوده الاصلاحية وراح يُعيد تقريبا نفس السياسة الذي قام “مشروعه السياسي” على نبذها والتبرم منها وتحريض الناس عليها… بيد أن حكمه لم يدم إلا أشهر قليلة، بعدها ستغرق الدولة الأموية في المزيد من الصراعات العائلية حول الحكم إلى أن انهارت تماما بعد سنوات قليلة من ذلك…

رغبتُ في استعادة هذه اللمحة التاريخية الموجزة لأشارك القراء إياها قبل الانعطاف للحديث عن حدث سياسي آني شكّله نزول كتاب لهشام العلوي ابن عم الملك محمد السادس..

لقد أرخى كتاب هشام العلوي بظلاله على اهتمام الصحافة و عامة الناس لما يشكله من سابقة (أقصد سابقة نشر الكتاب وليس الصراع وإلا فالتاريخ يا ما حدّثنا عن الصراع الدموي الذي نشب بين أبناء اسماعيل العلوي) في تاريخ الاسرة العلوية التي تحكم المغرب منذ أربعة قرون، الكتاب حضي بكل هذا الاهتمام أيضا لما تضمنه من معطيات، وكذا لما فتحه من جبهات بين الصحافين، بين مشايع ل”الأمير المنبوذ” ومهاجم له، غير أن المهاجمين للأمير ليسوا على قلب رجل واحد، هناك من هاجمه لأنه تجرأ على أمير المؤمنين وأنه يخدم أجندة لا تريد خيرا لبلد الاستثناء (كذا !!)، بينما هناك من هاجمه أو بالأحرى لم يتفق مع الكتاب لاحتوائه معطيات كاذبة يريد منها صاحبه اشهار بطولته الوهمية على حساب ادعاءات علاقته مع بعض الصحافيين.

إذا ابتعدنا قليلا عن هذه المناكفات، كيف يمكن لنا أن نقرأ تحركات هشام العلوي التي يشكل صدور كتابه “الأمير المنبوذ” إحدى تجلياتها؟ هل فعلا الامير هشام العلوي تحركه رغبة حقيقية للإصلاح أم أنه فقط يعيد ادعاء جدّه بالوراثة السياسية الأمير الأموي اليزيد بن الوليد بن عبد الملك بن مروان؟

من خلال ما نُشر من معطيات الكتاب في بعض وسائل الاعلام؛ يبدو جليّا أن الرجل يبني مشروعه السياسي على خصومة شخصية مع ابن عمه الملك محمد السادس، ويغلف ذلك المشروع برغبته في الاصلاح وكبح جماح غول “المخزن” الذي يعيق التحديث والتنمية مما يهدد حتى الملكية نفسها، بيد أن دعوات الاصلاح التي يدعيها الأمير هي فقط شعارات تجميلية للوجه السياسي للأمير لا غير، بينما يبقى الجوهر هو هو: الاستبداد، وإلاّ كيف يستقيم هذا الاصلاح، الذي يشتهيه “الأمير الأحمر” كما يحلو لمشايعيه تسميته، وهو يقف عند العتبات دون النفاذ إلى جوهر المشكل؟ كيف لهذا “الأمير الأحمر” على طول صفحات الكتاب وهو ينوّه بحكمة وتبصّر عمه الحسن الثاني، ويعيب عليه فقط تصرفاته مع والده، أي تبصر هذا والحسن الثاني لم يترك لهذا الوطن غير القمع والتشريد وتازمامارت و… هذا على الأقل ما تشهد به حتى مؤسسات الدولة نفسها من خلال مبادرات ما سُمي ب”الانصاف والمصالحة” وكذا استعمال مصطلح “سنوات الرصاص” حتى في وسائل الاعلام الرسمية كناية على القمع الشرس الذي لاحق معارضي حكم الحسن الثاني…

كيف لدعوة للإصلاح أن تقوم والرجل طوال صفحات الكتاب يخاطب الملك محمد السادس ب “سيدي محمد”؟ إن الألقاب هنا ليست اعتباطية، بل لها حمولة تاريخية سياسية واضحة، فيها إقرار ضمني بتقاليد السياسة التسلطية للملكية، حيث الملك سيّد والشعب رعاياه ينادونه تبجيلا وتعظيماً “سيدنا”، كما أن الكتاب لم يتحدّث عن “المخزن الاقتصادي” الذي يعيث نهبا في خيرات هذا الوطن، فقط تحدث عنه في موضوع بعض العراقيل التي وُضعت في وجه مشاريع الأمير. وكيف يدعو الأمير ابن عمه الملك محمد السادس إلى إرجاع الأموال إلى الشعب بينما سكت عن أمواله هو، تلك التي ورثها بوصفه ابن عبد الله العلوي الذي وزّع عليه أخوه الحسن الثاني مئات الضيعات الفلاحية التي تركها المستعمر الفرنسي، والتي كانت أخذها الفرنسيون عنوة من أصحابها ولم تُرجع إلى أهلها من أبناء الشعب بعد الاستقلال، بل صارت تلك الضيعات الفلاحية في ملكية الدولة أو بالأحرى في ملكية الأسرة الملكية…

لأننا عانينا وما زلنا نعاني من نظام سياسي تسلطي، يتحكم في مفاصل السياسة بتشجيع سياسة الريع المولّدة للولاء والتجنّد لخدمة ولي النعمة، صرنا نأمل الفرج في أي دعوة اصلاحية نحسبها صادقة، متناسين أن “ما حك جلدك مثل ظفرك”…

بعض الصحافين الذين سبق لهم أن تعاملوا مع “الأمير الأحمر” يذكرون أن الرجل غير مقتنع بشيء اسمه الصحافة وبالأحرى أن تكون له نزعة ديموقراطية تحرّك رغبته في الاصلاح، الرجل يتعامل مع الصحافيين وبعض المثقفين من أشياعه بوصفهم خدما له، ينفحهم مقابل خدمات يسدونها له، ليس عنده لا حرية صحافة ولا حرية رأي، الصحافة الوحيدة التي يعرفها هي تلك التي تفتح له رجليها ليفرغ نزواته ورغباته في سياق صراعه العائلي مع ابن عمه، فقط لا غير.

إن الصراع الذي يدور بين هشام العلوي وابن عمه هو صراع من داخل شرنقة الاستبداد السياسي، هو صراع أريد له أن يجمع حوله استقطابا أفقياً يظل يلعب فوق قمة جبل الجليد الذي يختفي سفحه العريض تحت أمواج بحر لجيّ قيل لنا اسمه “المخزن”، ذاك المخزن الذي أوهمنا الزعيم الاتحادي/ الوزير السابق محمد اليازغي ذات حكومة تناوب أنه قتله، غير أنه بعد ذلك اكتشفنا أن السي اليازغي لم يقتل المخزن بل شُبّه له فقط، فالمخزن مازال حيّاً يرزق، وبعد أن أفلت من كمين اليازغي، ها هو “الأمير الأحمر” يمتشق سيفه لينازله ويقتله ليخلّص ابن عمه من شروره وليعم الرخاء والازدهار هذا الوطن المغبون.

لكن ما ومن هو المخزن؟

 

تعليق 1
  1. سعيد يقول

    تحليل جيد، شكرا على هذا المقال ما احوجنا الى اقلام حرة مثلكم
    أعانك الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.