“يا أيها المتنحنحون إنهم بدو لا يفهمون يعطون من النعاج خمسون ومن الدجاج ستّون لنا النصف ولكم الباقي”

عماد العتابي

كان صديقي الجزائري خبيرا في ” تبرام الجوانات “، خبيرا أيضا في القانون البلجيكي بشكل عجيب رغم تواضع مستواه الدراسي، إمام له صوت جميل عندما يؤذّن… صديقي الجزائري يدخّن “صورايخ” أرض جوّ، ويصلّي بالناس في الوقت. لم أستطع إمساك ضحكتي أوّل مرّة شاهدته يمسك مصحفا في يده ويصلّي وعيناه شبه مغمّضتين بسبب “الصاروخ” الذي دخّنه قبيل الصلاة بالناس. يوم الجمعة خير يوم بالنسبة لصديقي الجزائري، فيه يقف أمام المصلّين ليخطب فيهم خطبة الجمعة، يحمل كتابا في يده ويقرأ منه، سمعته من بعيد وهو يتمتم بعض الكلمات باللغة العربية،لا أعرف مضمون ذلك الكتاب الذي يقرأ منه خطبه كلّ جمعة، فهو يخطب في 15 مصليّا على الأقل، منهم مغربيّ واحد ولبناني وليبيّان أما الباقي ينتمون إلى دول الشيشان وكوسوفو وأفغانستان. الشّاب المغربي لا أظنّه “يقشع” شيئا ممّا يتلوه صديقي الجزائري، أي أن خطبة الإمام يفهمها اللبناني والليبيان، ومن المحتمل أيضا أن صديقي الجزائري لا يفهم شيئا ممّا يرددّه كلّ جمعة، الإخوة من الشيشان وكوسوفو وأفغانستان ينظرون بإعجاب في الإمام الذي تبدو ملامحه جادّة هذه المرّة.. مساكين لا يفهمون شيئا ممّا يقوله، تارة ينظرون في سقف الغرفة وتارة أخرى تلتقي عيونهم بعيني الإمام الشبه المغمّضتين بسبب “صاروخ صبّاحي” يفتح به شهية الكلام، لأن صديقي الجزائري يضرب عن الكلام قبل تدخين “صاروخه”.

في تلك الجمعة، بينما كان “مولانا” الإمام الجزائري مركّزا عينيه على كتاب يقرأ منه خطبة الجمعة بصوت جميل مبحوح، قاطعه شاب لبناني منحدر من الضاحية الجنوبية وهو رجل أعمال ببلجيكا حاليا، لينبّه صديقنا الجزائري أنّ خطبته لا يفهمها إلا 3 أشخاص، مطالبا إيّاه بتغيير اللغة ليفهم الجميع، فطن الإمام إلى خطأه، فغيّر لغة خطبته من العربية إلى الهولندية التي يتقنها أفضل من اللغة العربية، تغيّرت نبرة صوت الإمام فراح يخطب بالهولندية، لحظات بعد انطلاقه تدخّل الشاب اللبناني مرّة أخرى، ابن المقاومة اللبنانية لا يفهم الهولندية وكذلك الشابين من ليبيا وشباب كوسوفو والشيشان وأفغانستان، وحده الشاب المغربي أسرّته خطبة “مولانا” باللغة الهولندية، فاستعجل الإمام إنهاء خطبته وختمها بدعاء بالعربية وانتهى منها وهو مبتسم.

فطنة هذا الشاب الجزائري ذكرتني بقصة لص يقصد كل يوم قرية ما ليسرق باعتها وتجارها، فأصبح بفضل فطنته إمام القرية والحاكم الفعلي فيها، ويحكى أن رجلا سرق في قريته وفرّ إلى شعابها ليختبئ في الجبال، وكان عندما يجوع يقصد القرى المجاورة لهدف السرقة، وفي أحد الأيام دخل قرية كعادته ليسرق ما يسدّ به رمقه، عندما شاهده أحد الباعة وهو في حالة يرثى لها تشبّه له بالزاهدين الورعين، فرحّب به ودعاه مناديا إيّاه، “إجلس يا مولانا”. وكان الرجل سريع الفطنة، فجلس مدّعيا أنه رجل دين، وتصادف دخول الرجل للقرية مع وفاة إمام المسجد قبل فترة وجيزة. فبدأ فيهم الصلاة وهو لا يفقه شيئا في أمور الدين، وفي أحد الأيام مرّ رجل غريب (عابر سبيل) على القرية وكان يومئذ الجمعة، شرب الماء من أحد الحوانيت وسمع المؤذن يدعو للصلاة، ذهب مع من ذهبوا لصلاة الجمعة، وبدأ الإمام-اللص خطبته وعندما رفع أيديه تذرّعا إلى الله وأخذ يكرّر دعاءا: “من أطعم مولاه لحم البعير وخبز شعير أدخلهم الله جهنّم وبئس المصير، ومن أطعم مولاه لحم نعاج وبيض دجاج أدخلهم الله الجنة أفواجا أفواج”، فسمع الرجل (عابر السبيل) ذلك الدعاء الغريب، فتنحنح ( أحم، أحم) كما تنحنح الشاب اللبناني على الإمام الجزائري، انتبه الإمام ولكنّه أكمل الدعاء، فأعاد الرجل الكرّة ثانية (أحم، أحم).. تنبّه ساعتئذ الإمام-اللص إلى وجود رجل غريب عن القرية، فردّد على مسامع المصلّين “يا أيها المتنحنحون إنهم بدو لا يفهمون، يعطون من النعاج خمسون ومن الدجاج ستّون، لنا النصف ولكم الباقي…”، فصرخ الغريب بأعلى صوته ” الله أكبر ” أي أنه موافق على القسمة…

وقصة هذا اللص/الإمام شبيهة إلى حد كبير بقصص بعض الأئمة القادمين من الشرق الأوسط إلى هولندا على الخصوص وأوروبا على العموم للنصب على المغاربة بقليل من الفطنة واللغة العربية وكثير من الخبث والوقاحة، فباسم الدين والإمامة يتم النصب على الريفيين بهولندا من طرف هؤلاء، فالريفي سريع الانبهار بالإمام الذي يتقن اللغة العربية والتباكي فوق المنبر، فكم من إمام سوري وسعودي ولبناني جمع ثروة كبيرة على ظهر الريفيين بهولندا، وكم من ريفي تم غسل دماغه على يد هؤلاء الأئمة اللصوص ودفع للقتال في صفوف داعش الإرهابية وانتهى بهم المطاف بالموت على يد الجيش السوري والمقاومة اللبنانية…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.