وهل يضر الشاة سلخها بعد ذبحها؟؟

     ليس بيننا وبين الانتخابات القادمة إلا أسابيع معدودة، لكي يصبح المواطن المغربي ، في نظر السياسيين المحنكين مواطنا من الدرجة الأولى وسيدا حرا ومحترما ، وإن كلمته هي العليا وكلماتهم هي السفلى، سيتهافت الجميع حكومة ومعارضة  لإبداء التعاطف والاهتمام بالمواطن المحبوب والعزيز على قلوبهم لنيل رضاه وكسب ثقته ، لاسيما بعد الاجراءات اللاوطنية اللاديموقراطية التي اتخذت في حقه من طرف الجميع .

      هكذا وعلى حين غرة  ستتخلص الأحزاب المغربية من داء الزهايمر وستستعيد صحتها ونشاطها الخلاقين، وستتذكر أن في بلادنا هذه توجد مداشر ودواوير نائية ومبعثرة تفتقر لأبسط شروط الحياة الإنسانية ، وأن هناك أسرا فقدت الأمل وخارت قواها بسبب الجوع والأمراض الفتاكة ، سواء منها تلك التي اكتشفتها العلوم أو تلك التي لم تكتشف بعد ، أسرا توقفت أحلام أبنائها البسيطة { الشغل و كسرة خبز }، بسبب  قساوة الطبيعة ولهيب المعيش اليومي، فباتت تفترش الأرض وتلتحف السماء وتطلب اللطيف .

      ستحترق” بونات ” البنزين المختلسة ، كما احترقت أحلام البسطاء ،وسيتصاعد  دخانها من عوادم سيارات الساسة ، وهم يتسابقون  لزيارة فقراء المغرب العميق ، ليمطروهم بالوعود الكاذبة والأحلام الزائفة ، وليتفننوا في اصطناع التواضع ومجاملة البسطاء مع عبارات التقدير والاحترام ، كما ستردد جوقتهم من المتزلفين والمنتفعين والمطبلين الشعارات الطنانة ، ليستفزوا بها القلوب قبل العقول مستغلين  في ذلك سذاجة الناس وطيبتهم وبساطتهم .

       ومادام ” لا يضر الشاة سلخها بعد ذبحها ” فإنه لا يبقى أمام هؤلاء البسطاء، وهم في غمرة الدهشة ورعشة الانبهار أمام ضيوفهم ،بحكم الزي والسمت والمناصب والخطب ومكبرات الصوت …ما يعبرون عنه ،أكثر من إظهار الهشاشة والبشاشة على محياهم ، وبصفة خاصة لأحبائهم الذين  تذكروهم فعادوا عودة الابن الضال في الأخير ، وعلامات النعمة بادية على وجوههم وثيابهم .

     هذه الظواهر المشينة في وطننا السليب ، زد عليها  هذه ” التسخينات “الجارية حاليا على  قدم وساق ، كحمى البحث عن التزكيات والمساومات الرخيصة ،” و عقد التحالفات الاستباقية  ثم إجراء التقويمات التشخيصية على المواطنين لجس نبضهم و معرفة مدى قدرتهم على الاستجابة  لنداء الوطن !!!  ثم قياس التعلمات لتقديم العدة العلاجية المناسبة و كأننا في فصل دراسي …. !! هي ظواهر في حقيقة الأمر لا تعبر عن وضعية سليمة وصحية  في الثقافة السياسية المغربية ، حتى في أفقها الإصلاحي الترقيعي ، للقفز” بالتجربة الديموقراطية  المغربية الاستثنائية ” إلى مرحلة متقدمة، و بالوطن إلى شاطئ النجاة .

     ومما يزيد الطنة بلة أن هذه ” التجارب ”  بالمفهوم “البافلوفي” تجرى على مواطن مقهور لم يفقد الثقة بالتغيير أو بالإصلاح فحسب ، بله لقد فقدها بنفسه وبأمثاله …فأمسى هو ذاته عائقا أمام التغيير كما بين ذلك بحق الدكتور مصطفى حجازي في كتابه الرائع الموسوم ب” التخلف الاجتماعي : مدخل الى سيكولوجية الانسان المقهور ” .

   وإذا كان من باب المجازفة التنبؤ بمآل الأحداث القادمة فإن ذلك لن يمنعنا  أن نقول: أنه لا مجلس النواب الحالي بغرفتيه ولا الذي سينبثق عن الانتخابات المقبلة ولا غيرهما ولا هم يحزنون .. ( سيتمخض الجبل مرة أخرى وسيلد فأرا كالعادة ، وهو قطعا لن يشبه ذلك الذي دخل التاريخ بالدار البيضاء من حيث القدرة على الفعل والتأثير)  بقادر على تحريك ساكن، مادامت مسؤولياته الأساسية قد جمدت تجميدا و دائرتا  ” غير المسموح التفكير فيه “و” المسكوت عنه ” قد وسعتا دستوريا وعرفيا … إنجاز لي القول والتعبير.

      هكذا تم وسيتم إفراغ المؤسسة التمثيلية من مضمونها الفعلي ومن  مبرروجودها الحقيقي  كما هو متعارف عليه، لتتيسر في الأخير عملية تطويعها وإخضاعها وتدجينها بشكل أفظع وأفضل  …فعلى الرغم من بعض الترقيعات الورقية الفوقية التي أنجزت، مع أن قوانينها التنظيمية لم تبرح بعد قاعة الانتظار ، إلا أن بريقها الخادع سرعان ما سيتوارى في الظل والهامش لحساب “جبرية” اقتصادية وسياسية وإيديولوجية فاسدة وشاملة تأتي على الأخضر واليابس،  وتلتهم كل من يقف أمامها.

      أماعن شعبوية الخطاب السياسي  بهذه المؤسسة ” المقدسة ” و” المحترمة ” ومشاهد التنابز و السبا ب … فهي لم تعد تنطلي على أحد، لأنها حسب رأينا المتواضع تعكس أولا ، ومن حيث لا يدري أصحابها ، مستواهم الفكري والأخلاقي المنحط ، ودواخلهم النفسية وما يعتمل فيها ، وهي من جهة ثانية عملية مكر و خداع إيديولوجي تستهدف التعتيم والتشويش على وعي وذكاء المواطن المغربي  المقهور، لإبعاده عن معرفة طبيعة الصراع الحقيقي في مجتمعه من جهة، ثم نقيضه الطبقي الحقيقي لا الخيالي أو الحيواني من جهة ثانية   { تمساح ـ عفريت ـ حلوف }، وأخيرا هي تقنية خبيثة و مبتذلة ،تروم تأثيث مشهد مسرحي  سخيف يلعب فيه ابن كيران دور البطولة و الفحولة لإخراج المتفرج من رتابة الأحداث المتكررة.

     لقد اعتاد المواطن المغربي الحالم بالإصلاح والصلاح من داخل نفس البنية الاجتماعية والسياسية المهترئة ، الترحم كل موسم على مجلسه السابق، والوقوف على أطلاله، كلما عايش عن قرب ووضع المجلس الجديد على محك الواقع والتجربة،  هكذا في جدلية لا  تنقطع ( جديد – قديم – جديد ) .

    فمن خلال أرقام وتقارير ومؤشرات معيشه اليومي الذي يكتوي بناره ، يعرف المواطن المغربي البسيط بشكل أعمق من كتاب كثر – أفنوا عمرهم أو نصفه بين رفوف المكتبات وكراسي الجامعات – بأن نائبه القادم على صهوة الخطابات والمال الحرام ،ليس له من القدرة ولا الشجاعة على المحاسبة والتأثير والتغيير … كما أنه غير قادر على تغيير معلمة واحدة من معالم دار لقمان العتيقة ،أو حتى الاقتراب منها أو من أي مفسد أثيم ، مادامت السلطة الحقيقية والفعلية ليست محل تداول، ثم أليست السلطة ” أمانة “حسب منطوق الراحل الحسن الثاني ؟؟ ألم يكن  هذا الأخير ذكيا عندما طرح مفهوم “التناوب ” بدلا من “التداول” ؟؟ وهو القائل : “أوكد على التناوب ولا أقول التداول لأن التداول له معان شتى..- تلك الأيام نداولها بين الناس – بين الفقير والغني … وأقول إذن التناوب ، والتناوب أقرب للمعنى وأقرب للدارجة ” .

    في ظل الهجمة الشرسة التي يتعرض لها المواطن والتي تستهدف قوت يومه وإنسانيته ، فإنه  ليس عيبا ولا عجبا أن يشرئب بعنقه، ويترقب بشوق كبير قدوم حكومة  مسؤولة ومجلس نواب قوي ومؤثر، ولكن العيب كل العيب أن تسوق الأوهام وتكمم الأفواه و تقلب الحقائق.

     فأمام هذا وذاك، وما دام المسرح أصدق وأنزه من الانتخابات في هذا الوطن كما قالت الفنانة القديرة ثريا جبران، أليس من حق المواطن المغلوب على أمره أن ينتقد الأحزاب والنقابات والجمعيات والحكومات..  وأن يضرب الأرض برجليه والهواء بيديه و يصب جام غضبه على الزعماء والنواب والوزراء … وعلى آبائهم وآباء آبائهم حتى أول قاتل في التاريخ؟؟. 

       في ختام هذه المقالة نقول: إن الديموقراطية الحقيقية يا سادة، هي أكثر من مجرد ورقة ملونة، تشتمل على صورة لنبات أو جماد أو حيوان، تلقى في صندوق، هذا من دون أن يذكرنا أحد بقصة الحمار الديموقراطي وغريمه الفيل الجمهوري .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.