وفاة عبد الله بها، بين الحكمة والابتزاز…

النقاش الدائر حول وفاة وزير الدولة في حكومة عبدالاله بنكيران، السيد عبد الله بها، منشطر إلى عدة مسارب… يستشف ذلك في مواقع التواصل الاجتماعي، الفايسبوك والتويتر، وفي الجرائد الالكترونية، وفي بعض الاصدارات الورقية…. كما أن هذه المسارب تخترق الصالونات، والمواقع التي يسمح فيها الجدال والنقاش….

مسربان مهمان في هذا السجال، وهما يتقاطعان بشكل غريب في منبعهما، كونهما معتمدان من طرف حزب العدالة والتنمية، وهما في ذات الوقت متناقضان وكل واحد يحمل في طياته موت المسرب الآخر…. المسرب الاول، نابع من قيادة العدالة والتنمية، كون وفاة عبد الله بها هو قضاء وقدر، وأنه كان على موعد مع حتفه وقدره، دون أن يعطوا تفسيرا لمعنى زيارته لمكان غرق أحمد الزايدي في جنح الظلام، ووحيدا دون مرافقة…. في ذهول عبدالاله بنكيران، والمحيطين به، تلمح ، بالاظافة إلى الحزن العميق، وهج غضب ما، ضد جهة ما لن يستطيع أحد تحديدها غير بنكيران نفسه، لكنه غضب مؤجل، إذ أنه بحنكة رجل السياسة، ورغم العواطف التي أبان عنها وهو ينهار من البكاء والتأثر، إلا أنه لملم جرحه الداخلي بسرعة، وأصدر اشارات إلى الدولة تفيد استمراره على ركح اللعبة، وأن الضربة القوية التي تلقاها بموت علبته السوداء، ليست بالقاضية….

طبعا استجابت الدولة لرغبته في الاستمرار باللعب، وتلقى رسالة تعزية تحاول إطفاء جمرة الغضب المتقدة في عينيه، وصف فيها عبدالله بها بالمدافع عن ثوابث الامة المغربية، وهي ليست بالضرورة الدين الاسلامي وحده، بل أساسا الملكية، لما عرف عن الفقيد من مواقف لا ترى الاصلاح إلا رفقة الملك….

تبادل ضربات التنس، فرضت على بنكيران رد ضربة المضرب، وخرج الوزراء وأعضاء القيادة، ليصرحوا بأن ما وقع هو قضاء وقدر، وصرحوا بشكل علني، بأن الخوض في ظروف مقتل عبدالله بها هو ممارسة غير مسؤولة….

المسرب الثاني ترتع فيه قواعد حزب العدالة والتنمية، وشبيبتها الناشطة على المواقع الاجتماعية بالضبط، التي تعتبر وفاة عبدالله بها اغتيالا سياسياً، عبر طرحها للعديد من الاسئلة التي بحسبها تبقى معلقة الجواب: ما الذي دفع عبدالله بها للذهاب إلى هناك؟ وكيف ذهب وحيدا وبدون مرافق؟ وهل يعقل أن لا ينتبه رجل معروف بالهدوء والحكمة إلى صوت القطار الهادر، وضوئه الذي يغشي الأبصار، ولماذا تم الاستعانة بشهادة سائق القطار بهذه السرعة؟ وكيف لم يتوقف القطار وهو بسرعة غير كبيرة على اعتبار أن خروجه من محطة بوزنيقة لم يمر عليه وقت كبير؟ وفي السؤال حول الجهة التي تقف وراء الاغتيال، يبرز اسم الدولة بشكل فضفاض، وفي عملية تدقيق بسيطة، يواجهونك بلوبيات الريع، تلك المستفيدة من صندوق المقاصة، وأن الفقيد كان وراء اجراءات الاصلاح التي حرمت عليهم كعكة ألفوها منذ سنوات الاستقلال….

طبعا، المتمعن الفطن لهذا المسرب يقف بسرعة على هشاشته، وغباء نسيجه وتحليلاته، لأن لوبي الاصلاح كان له أن يقتل عبدالله بها قبل أن يفعل هذه الاجراءات، هذا مع التصديق أن الاجراءات كانت منتوجا حكوميا خالصا، والواقع أن حكومة عبدالاله بنكيران ليست سوى مجموعة موظفين عموميين، مهمتها تصريف الاصلاحات الكبرى التي أقرتها الدولة منذ بداية القرن الحالي، فيما سمي عهدا جديدا، والتي تميزت بالاضطراب والاخذ والرد إلى حين تم شد انتباه الدولة عبر زلزال العشرين من فبراير، حيث عمدت الدولة إلى تصريف أجندتها عبر أضعف آلية سياسية في الواقع، والقابلة للتطويع والاستعمال وهي العدالة والتنمية….

قيادة العدالة والتنمية، وهي على مشارف الانتهاء من وضع نفسها رهن الاستعمال، تحاول عبر قواعدها ابتزاز الدولة في حادثة وفاة عبدالله بها، عبر تنشيط المسربين، القيادة المرنة الحكيمة لا زالت رهن الاشارة، أو القواعد الذين سيطالبون بدم عبدالله بها في حالة الاستغناء عنهم….

هذا لا يمنع من ضرورة اعطاء قراءة سياسية لواقعة الوفاة هذه، إذ في لحظة فراغ، وفي صدفة المرور من هناك، وعبر سوء نية اتجاه التقارير الرسمية للدولة حول وفاة أحمد الزايدي التي كانت للفقيد، كل هذا دفعه الى الاستطلاع بسرعة مكان غرق الزايدي، وهي سرعة كانت قاتلة حين صادفت قطار الدولة هناك…. عابر سكته بسرعة كبيرة….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.