وفاة أحد مؤسسي الحركة النقابية المغربية الطيب بن بوعزة

توفي يوم الثلاثاء 20 يناير 2015 ، عن سن تناهز 92 سنة، الطيب بن بوعزة المناضل النقابي البارز، ومن مؤسسي الاتحاد المغربي للشغل. بعد مسار حافل بالكفاح، اعتزل النضال النقابيسنة 1958 بدخوله السلك الديبلوماسي. له كتاب حول ميلاد الحركة النقابية بالمغرب.

 

الطيب بن بوعزة: نبذة عن حياته: *نقلا عن المناضل(ة)

 

المؤمر الأول لجامعة عمال باطن الأرض  في 1947
المؤمر الأول لجامعة عمال باطن الأرض في 1947

ولد يوم 1 مارس 1923 ببركان، بشرق المغرب، واشتغل لدى محام بوجدة، ثم بالمصلحة الإدارية لشركة مفاحم جرادة سنة 1944؛ منظم لنقابة عمال المناجم، اعتقل ثم أطلق سراحه بلا متابعة بعد المذبحة ضد اليهود بجرادة سنة 1948؛ وأصبح عضوا بمكتب الاتحاد العام لنقابات المغرب في الدار البيضاء، في نوفمبر 1950، وأحد الكاتبين العامين، ثم كاتبا عاما في مايو 1951 حتى سجنه في نوفمبر 1952 إلى سبتمبر 1954 بسجن القنيطرة حيث جرى، مع المحجوب بن الصديق، تحضير تأسيس الاتحاد المغربي للشغل؛ وناضل أولا في حزب الاستقلال ثم في الحزب الشيوعي في 1946ـ 1947، ثم عاد إلى حزب الاستقلال؛ وفي بيته انعقد يوم 20 مارس 1955 مؤتمر تأسيس الاتحاد المغربي للشغل؛ كان نائبا للمحجوب بن الصديق؛ ثم انخرط في السلك الدبلوماسي.

من اليسار إلى اليمين: الطيب بن بوعزة- صالح المسكيني – محمد الصديق

تحدر الطيب بن بوعزة من أسرة كثيرة الأفراد (13 ابنا)ـ كان الأب عدلا ثم بقالاـ وتلقى تعليمه بالمدرسة الابتدائية الفرنسيةـ الإسلامية في بركان المدينة الصغيرة بشمال وجدة؛ ونال بسهولة شهادة الدراسات، وأمضى سنتين بثانوية مولاي يوسف بالرباط. ثم عاد إلى بلدته، وانخرط في الحياة النشيطة، حيث اشتغل عاملا في الهاتف ثم ناقل برقيات في البريد الشريفي، إلى أن اضطره المرض لمغادرة هذا العمل. وفي 1943 قدم، على غرار العديد من صبية بني يزناسن إلى وجدة، وعمل لدى محام حيث تمرس على تحرير أوراق الإجراءات على الآلة الكاتبة وعلى إعداد الملفات وتصنيفها. في مطلع العام 1944 دخل، بعد اجتياز امتحان، إلى المصالح الإدارية لشركة مفاحم جرادة حيث أصبح بسرعة نائبا لرئيس مصلحة السكرتارية. لم يجعله ذلك في منأى عن الصواعق البوليسية. لا ريب أنه شارك في التحريض الذي طبع في يناير 1944 تقديم حزب الاستقلال عريضة المطالبة بالاستقلال إلى السلطات. وفي أبريل، ألقي عليه القبض، بتهمة ترويج أغنية ألفها ضد فرنسا بين عمال المناجم، وقضى بالسجن شهرين.

1948 ،  المؤتمر الثاني لجامعة عمال المناجم

في جرادة، أدت ظروف المنجميين المغاربة، المعرضين لرقابة دقيقة ولتعسف السلطات ولعنف رؤساء فرق العمل وللميز، إلى تأجيج حساسيته الوطنية ورغبته في تنظيم العمال. في البداية، جرى تنظيم اجتماعات سرية بين المنجميين، وتشكيل خلايا صغيرة بلا صلة بالخارج، حتى جاء في يوليو 1946 اليوم الذي أعرب فيه المقيم العام الفرنسي الجديد إريك لابون عن عزمه منح الحق النقابي للعمال المغاربة في الصناعة والتجارة. وفي أثناء اجتماعين ليليين، في غشت 1946، قرر عمال المناجم المجتمعون تشكيل نقابة وطنية. واتقاء لمنع أكيد، قرروا ضمها إلى كونفدرالية نقابية. وبالنظر لما كان للكونفدرالية الفرنسية للعمال المسيحيين من حظوة لدى السلطات، اختار المنجميون اتحاد النقابات التابع للاتحاد العام للشغل (CGT) الذي جاء مناضلون منه لتأكيد أن استقلالهم سيكون تاما، وأنهم سيستفيدون فضلا عن ذلك من دعم الحركة النقابية بالمغرب وبفرنسا وبالعالم. هذا التضامن اليقظ، وإصرار الأعضاء، جعلا الفرع العمالي المغربي لمنجميي جرادة يستمر في الوجود حتى يونيو1948 بالأقل، رغم مناورات سلطات الرقابة العازمة على القضاء عليه. وفي 1946ـ 1947، انضم الطيب بن بوعزة إلى الحزب الشيوعي الذي بدا له آنذاك مستجيبا لتطلعاته الوطنية والاجتماعية. بيد أن اقتناعاته الدينية أبعدته عنه، وعاد إلى حزب الاستقلال سنة 1948.

الطيب بن بوعزة في تجمع عمالي بطنجة

من اليمين الى اليسار: الطيب بن بوعزة – صالح المسكيني – محمد الصديق

بدءا من سبتمبر 1946، كانت حياته النضالية مكرسة لتنظيم عمال المناجم بشرق المغرب، في جرادة وتويسيت، وبوبكر، وبوعرفة، ثم في الفيدرالية المغربية لباطن الأرض التي كان كاتبها العام بدءا من سبتمبر 1947، ثم في الاتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب.
اعترضت هذا النشاط النضالي عقبات عديدة. في يونيو 1948، اعتقل مع المغاربة أعضاء مكاتب نقابة جرادة وفيدرالية المنجميين التي ألقيت عليها جريرة المذبحة الدامية ضد اليهود في جرادة في 6 يونيو 1948، والتي أودت بحياة 43 يهوديا وأوروبيا واحدا. فوحدهم، مع رفاقهم الفرنسيين تجرؤوا على التدخل لوقف المذبحة فيما بقي المراقب المدني والقايد وقوات الشرطة المساعدة مختبئين في برجهم. وقد أطلق سراحهم جميعا دون متابعة يوم 7 غشت ما خلا بوحميدة الذي حكم عليه، ليكون عبرة، بالأشغال الشاقة مدى الحياة.
مُنع الطيب بن بوعزة من الإقامة بشرق المغرب، فانتقل إلى الدار البيضاء حيث اتصل بالمناضلين النقابيين بالجناح الاستقلالي في الاتحاد العام، مثل محمد التباري والحسن المعطي صالح المسكيني الذين قرروا التنسيق والتشاور. وقام الطيب، مستندا على خلايا في المقاولات والأحياء، بتنظيم أو توطيد الفروع النقابية في مؤسسات النشاط الأساسية بالدار البيضاء من قبيل الشركة المغربية للسكر، وشركة الجير والأسمنت، والنقل، الخ وكذا في نقابات بحارة الصيد على الساحل الأطلسي، بالدار البيضاء وآسفي والصويرة وأكادير.

بعد مؤتمر تأسيس الاتحاد المغربي للشغل، الطيب الاول يمينا

تضافر هذا الجهد مع نظيره لدى مناضلي الكونفدرالية العامة للشغل والحزب الشيوعي الذين قرروا تسريع تحويل الاتحاد العام للنقابات المتحدة إلى اتحاد نقابي مغربي. هكذا كانت سنوات 1950ـ 1951 مطبوعة بنشاط دعاوي كثيف، واستقطاب، ونضالات مطلبية كان بعضها بالغ الضراوة، من أجل رفع الأجور، واحترام الحريات وإلغاء صنوف الميز، ومن أجل الحق النقابي. وأثمرت النضالات سياسيا، حيث استنتجت منظمة الاتحاد العام، بوجه ما يبديه أرباب العمل والإقامة العامة من مقاومة وقمع، ضرورة إلغاء نظام الحماية بما هو “مصدر كل الشرور” (مقرر مؤتمر الدار البيضاء يومي 10 و11 نوفمبر 1950).

من اليمين الى اليسار: الطيب بن بوعزة – صالح المسكيني – المحجوب بن الصديق

بعد أن كان الطيب بن بوعزة عضوا باللجنة التنفيذية للاتحاد العام للنقابات المتحدة منذ مارس 1948، جرى انتخابه عضوا بالمكتب في يونيو 1950. وفي نوفمبر 1950 بات أمينا عاما إلى جانب أندريه لوروا André Leroy الذي طرد يوم 1 مايو 1951.
بفعل بقائه أمينا عاما لوحده، وبسبب مقالاته في جريدة العلم، جريدة حزب الاستقلال اليومية باللغة العربية، أو في جريدته الأسبوعية باللغة الفرنسية Al Istiqlal، كان الطيب بن بوعزة يبدو زعيما للحركة النقابية المغربية، التي كان فعلها وفكرها، المتلهفين لرفض نير الأجنبي، يحافظان على منهجية وممارسات حركة CGT التي تحدرت منها. يوم 6 ديسمبر 1952، قرر الجناح الاستقلالي بالاتحاد العام شن إضراب عام احتجاجا على اغتيال فرحات حشاد، الأمين العام لاتحاد العام لعمال تونس، وتنديدا بالنظام الاستعماري. ويوم الأحد 7، صادق جمع عام ببورصة الشغل بزنقة لاسال على هذا القرار وهيأ آلية الإضراب في المقاولات الكبرى.
كان الصدامات الدامية مساء ذلك اليوم، وفي اليوم الذي يليه، ذريعة لاعتقالات واسعة، منها اعتقال الطيب والتباري صباح يوم 8 والمحجوب بن الصديق وآخرين بعد زوال اليوم ذاته، ولحل الاتحاد العام. حُبس الطيب بن بوعزة بالسجن المركزي بالقنيطرة، ونقل إلى سجن الدار البيضاء حيث كان مناضلو حزب الاستقلال السياسيون والنقابيون. وأطلق سراحه مع كل رفاقه يوم 28 سبتمبر 1954 بعد قرار عدم المتابعة الصادر عن قاضي التحقيق العسكري الذي لم يكترث لكل الاتهامات ضد النقابيين والزعماء السياسيين.

1955، الطيب بن بوعزة في الاتحاد المحلي بوجدة

بعد نقاش مع مناضلي الاتحاد العام للشغل CGT الفرنسيين حول استئناف الحركة النقابية، (2ـ 4 أبريل 1954)، ارتأى الطيب بن بوعزة مع المحجوب بن الصديق والتباري أن عليهم خلق اتحادهم النقابي الخاص دون أي اعتبار آخر. وفيما سافر المحجوب بن الصديق إلى فرنسا للاتصال مع وفد من الكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة، أعاد الطيب ربط الصلات محليا مع المناضلين والمجموعات العمالية السرية وخلايا المقاومة. ويوم 5 يناير 1955 أصدر، بمعية المحجوب بن الصديق والتباري، بيانا من أجل اتحاد نقابي مغربي منخرط في الكونفدرالية الدولية للنقابات الحرة، وهي المهمة التنظيمية التي اضطلع بها حتى النهاية يوم 20 مارس بتنظيم مؤتمر تأسيس الاتحاد المغربي للشغل في منزله بالدار البيضاء. كيف ولماذا وُضع الطيب في المكانة الثانية نائبا للأمين العام بعد المحجوب بن الصديق رغم أصوات أغلبية المؤتمرين التي جعلته أمينا عاما؟ [+] ترتب عن ذلك حالة توتر أفضت بعد عامين في 1958 إلى انصراف الطيب بن بوعزة الذي جرى تعيينه سفيرا في يوغوسلافيا من قبل حكومة عبد الله إبراهيم. وواصل لاحقا مسارا دبلوماسيا مديدا.

 

 

 

 

ألبير عياش
[+]: في الجزء 3 من كتابه الحركة النقابية بالمغرب، أورد عياش تفاصيل إزاحة الطيب بن بوعزة عن مسؤولية الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل. سينشر موقع المناضل-ة عما قريب تعريبا لتلك التفاصيل.
===========
تعريب: المناضل-ة
نقلا عن : قاموس أعلام الحركة العمالية المغاربية – المغرب، من البداية حتى 1956.
[صدر بالفرنسية عام 1998 عن دار نشر إيديف] تأليف ألبير عياش بتعاون مع رونيه غاليسو و جورج أوفيد

مراجع :

Albert Ayache , Le mouvement syndical au Maroc ,t2 et 3
L Action syndicale ? Aout 1948
Al Istiqlal, dans la page les travailleurs en lutte, article signé du secrétaire général du UGSCM, numéro 1, 2 Octobre 1951 : “le syndicalisme ne peut atteindre son but que s’ il est libre” ,numéro 3, 3 Novembre 1951 : ” l union des travailleurs européens et marocains reste notre seul guide” .
Dans El Alam du 1 Mai 1952, son article en arabe : ” les sens du 1 Mai et son histoire glorieuse”.
Son livre de souvenirs : Taib Ben Bouazza, La naissance du syndicalisme ouvrier libre, Casablanca Leséditions Maghrébines , 1992

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.