وعاد النظام السياسي كما كان

من يتأمل الساحة السياسية كيف أصبحت، يشعر بأن “الربيع العربي” في شكله المغربي، وما خلفه من فورة شعبية تلاها دستور جديد ثم برلمان وحكومة جديدين وما رافق ذلك من أجواء من التفاؤل والانفراج، كل ذلك لم يكن سوى سحابة صيف عابرة. بمعنى أن الأوضاع عادت إلى حالتها الأولى، وأنه لا شيء تغير تحت سماء المملكة.

والسبب هو هو هيمنة الجهاز المخزني من جديد على مفاصل الدولة، وتمكنه من شل كل نزوع نحو الانفتاح الديمقراطي الذي كان على النظام السياسي المغربي مجبرا على تدشينه، عقب موجة حركة 20 فبراير، لتفادي الهزة التي شملت دول الربيع العربي، وخلخلت الكثير من أنظمتها وعصفت ببعضها.

فالجهاز المخزني، وهو الوجه الخفي للنظام السياسي المغربي، فضل كعادته الانحناء للعاصفة، والتراجع للوراء، وعدم المجازفة بمواجهة الخطر علنا، لدرجة أن العديد من المهتمين بالشأن السياسي، ومنهم اختصاصيون وأساتذة جامعيون، انخدعوا بظاهر الخطاب الرسمي والإجراءات الشكلية التي لا ينكرها عاقل، وأدلوا بخلاصات منها أ المخزن المغربي مفهوم قد مات.

والحقيقة هي أن الجهاز المخزني، يسلك مثل هاته الحيل من عقود بل ومنذ قرون. فاستمراره على مدى خمسة قرون، يرجع بالدرجة الأولى، إلى مرونته وسلوكياته التي ينهل بعض تكتيكاتها من خطط الحرب، ومنها خطة الكر والفر. فهو لا يواجه المخاطر التي تواجهه دوما بالقوة والبطش، بل يحتال عليها في الغالب، يناور ويراوغ ويسجل وفي الأخير ينتصر.

والاحتيال على المخاطر يكون بالتظاهر بتفهمه للمطالب التي يواجه بها، وبالانفتاح على العناصر المتحكمة فيها، ثم في مرحلة لاحقة يعمل على إدماج تلك العناصر المؤثرة في دواليب التسيير وزنازن المناصب، بهدف عزلها عن جذورها الشعبية، تمهيدا لإضعافها ثم شل حركتها في الأخير، وإعادة مسك الخيوط كلها في يده والتحرك بمفرده من جديد.

فبعد الاستقلال وجد النظام السياسي المغربي نفسه، أسير هيمنة حزب الاستقلال الذي وصلت به الدرجة أنه خير الملك الراحل محمد الخامس، بين الخضوع لمطالبه بتمكينه من الحكم بمفرده، وبين الرجوع للمنفى. فتم الاحتيال عليه من طرف القصر، بأن لبى مطلبه، وأسند لقادته تسيير الدولة كما يشاء، ولما ما غرق هؤلاء القادة والرموز في منافع وخيرات السلطة، قامت الدولة العميقة بتفجير تناقضات الحزب القوي والخطير بسرعة.

رجة أخرى كانت على وشك الوقوع، أواخر عهد الملك الراحل الحسن الثاني، لكن الأخير تعامل معها بطريقة استباقية، وكانت نتائجها جيدة وفعالة. نقصد “السكتة القلبية” التي كان يواجهها المغرب نهاية تسعينات القرن الماضي، والتي تزامنت مع مرض العاهل المغربي، تزامنا خطيرا كاد يهدد الاستقرار العام وانتقال السلطة من ملك إلى ملك في نفس الوقت.

هذا الخطر المزدوج احتال عليه النظام السياسي المغربي في شخص الملك، باستدراج أحزاب الكتلة وفي مقدمتها الاتحاد الاشتراكي بما للجميع من رموز تاريخية وشرعية نضالية، نحو الحكم بدعوى “تدشين التناوب السياسي”. لكن بعد تجاوز النظام السياسي تلك اللحظات الحرجة والحاسمة، تم التخلص من “المنهجية الديمقراطية” بتعبير عبد الرحمان اليوسفي، وعادت الأمور إلى نصابها وكأن شيءا لم يكن.

نفس التكتيك نفذ مع مخاطر حركة 20 فبراير 2009، فالنظام السياسي تظاهر بالتجاوب معها، وخلق دستورا جديدا وبرلمانا وحكومة جديدتين، وأدمج “الإسلاميين” في الحكم، وهي تدابير خففت الاحتقان السياسي الذي ساد شهورا. وبعد تجاوز مخاطر تلك اللحظات، تم الانقلاب تدريجيا على مسار الانفتاح، فتم إفشال الحكومة “الإسلامية” قبل شلها، وتم عزل رموز “العدالة والتنمية” شعبيا، وألحق البعض الآخر بمربع النسيان.

وهكذا عاد للملك حضوره بمفرده على الساحة وعلى الميدان، وواصل هيمنته على الشأن السياسي كما كان الشأن من قبل، وعاد ما سواه إلى الهامش. والمخزن بدوره عاد لممارساته المعتادة.

لقد تظاهر النظام السياسي بالتجاوب مع مطالب حركة 20 فبراير، ومع موجات الاحتجاج الواسعة التي سادت لشهور، واستدرج رموزا معروفين بشعبية واسعة نحو التسيير، ومع مرور الوقت وبالتدريج، تم العودة بالعجلة نحو الوراء. والنتيجة هو الهيمنة التامة للملك على الحكم، والتراجع البين لهوامش الحقوق والحريات العامة، والتغول المتصاعد لتصرفات المخزن.

هكذا إذن خلت الساحة من جديد للملك والجهاز المخزني، لهندسة المشهد في أفق الانتخابات القادمة، وفق مصالح ليس من بينها مصالح المد الاحتجاجي العارم الذي كان يطالب بإسقاط الفساد والاستبداد وإشراك منتخبي الأمة وحكومة الشعب في تدبير الشأن العام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.