وزير التسنطيح العالي

قبل أيام قليلة، عاينا أحداث جامعة وجدة حيث اندلعت مواجهات عنيفة بين القوات العمومية وجماهير الطلبة، تعددت الروايات حول الأحداث وحول أسبابها الحقيقة، وكذا من يتحمل مسؤولية اشعالها؛ فالطلبة يقولون أنه كان هناك اصرار من السلطات على اقتحام الحرم الجامعي ودليلهم في ذلك أن مشكل اعتصام طلبة الماستر كان في طريقه إلى الحل بعد حوار مع الادارة، والسلطات تقول أن عناصر مخربة من صفوف الطلبة هم من تسببوا في إشعال المواجهات..

من الطبيعي أن تتفاوت الروايات وتُتَبادل الاتهامات في مثل هذه الأحداث، غير أن الثابت في كل هذا هو أن المسؤول الحقيقي عن هذه الأحداث المؤسفة هو الوضع المزري الذي تعيشه الجامعة المغربية والذي يتخبط فيه التعليم العالي، ثمة ارتجالية قاتلة تسود مؤسسات التعليم العالي، ونظرة بسيطة إلى المعاهد العليا في الرباط ستجد أزيد من خمسة معاهد في مختلف التخصصات تعيش على ايقاع اضرابات طلابية متتالية، أضف إلى ذلك ما تعيشه وحدات التسجيل في الماستر والدكتوراه من تسيّب تجعل معيار قبول التسجيل في غالب الأحيان يخرج عن معيار الكفاءة ليحتكم إلى معايير أخرى سليلة الزبونية والاخوانيات والدفع المسبق..

إن وضع التعليم العالي في المغرب يمكن تلمّس مفارزه في سياسة الوزير الوصي على القطاع السيد لحسن الداودي، الرجل يبدو وكأنه حلّ ضيفا فقط منذ أمس على الوزارة، لا يعرف ما يجول حقيقة في القطاع، وغالبا ما يستر جهله وعجزه بتصريحات غريبة وعجيبة، قبل سنتين حين سئل عن وفاة أحد الطلبة بجامعة فاس، ردّ على السؤال ضاحكا:”وهداك مات”، وقبل أيام استعانت القناة الثانية في نشرة اخبارية بالسيد الوزير للتعليق على أحداث جامعة وجدة، فأتى بتصريح بقدر ما هو مضحك بقدر ما هو موجع أيضا

قال الوزير في تصريحه (لمشاهدة التصريح اضغط هنا) المقتضب الذي حمل التهديد والوعيد للطلبة :

” عندما سنتوصل بالأسماء التي اقترفت هذه المصائب واستعملت العنف، لا رحمة لهؤلاء؛ اذا كانت لديهم منحة ستزول المنحة، ان كانوا في الحي الجامعي سيخرجون من الحي الجامعي، إذا كانوا مسجلين سيشطب عليهم، لأن هذا هو القانون وسنطبق القانون”.

قبل التعليق على كلام الوزير أود أن أعرج على ملاحظة طالما شغلتني، فبوصفي طالبا باحثا امارس بحثي في حقل تحليل الخطاب، وتحليل الخطاب السياسي بالتخصيص، فإنه كثيرا ما طُرحت لدي هذه الملاحظة التي مفادها: إن تحليل الخطاب السياسي يفترض أولا وجود خطاب سياسي يمكنك أن تحلّله، بيد أنه للأسف سياسيونا يفتقرون إلى أدنى أوليات الخطاب السياسي، نادرا ما تجد سياسيا يمكن أن تقول عنه أنه فعلا ينتج خطابا سياسيا، لنتأمل نموذج التصريح الذي أدلى به وزير التعليم العالي الذي هو ايضا مناضلا في صفوف حزب العدالة والتنمية.

يقول السيد الوزير أن الطلبة الذين ستثبت في حقهم تهمة اشعال الأحداث ستتخذ في حقهم إجراءات صارمة، وعدّد هذه الاجراءات بالتتالي: سيحرمون من المنحة، سيطردون من السكن في الحي الجامعي، سيشطب عليهم من الجامعة ؟؟؟ ولكم أن تستعملوا خيالكم حتى تستوعبوا معادلات الوزير؛ وزير التعليم العالي، انتبهوا…
معادلة الوزير هي : الحرمان من المنحة، الطرد من الحي الجامعي، التشطيب النهائي على الطالب من التسجيل، هذه الاجراءات الثلاثة التي ستتطال المتسببين في الاحداث بالنسبة إلى سعادة الوزير..

لكن، لنتساءل: أي منطق يتحدث به الوزير، وكيف صاغ هذه المعادلة العجيبة؟ إذا كان القانون يفرض على هؤلاء انهم سيشطب عليهم فما الفائدة من التذكير بباقي الاجراءات الاخرى التي هي من باب تحصيل الحاصل؟ فهل سمعتم عن طالب شُطب عليه من الدراسة وهو ما زال يتوصل بالمنحة، او ما زال يستفيد من السكن في الحي الجامعي؟

إن التخبط الذي اعترى تصريح الوزير هي في الحقيقة مرآة لتخبط سياسته في القطاع، او لنقل، للدقة، “لاسياسته” في القطاع، فالرجل يبدو أبعد ما يكون عن استيعاب كنه الاوضاع التي يعيشها التعليم العالي، كما يبدو أنه مجرّد ديكور يؤثث حكومة تُجاور وتُبرّر ولا تحكم..

كان يمكن للوزير أن يقول: إن من ثبت تورطه سيشطب عليه، وهذه جملة كافية وجامعة تتضمن كل ما شرحه الوزير باطناب في تصريحه المقتضب، كان يمكن أن يستغل تصريحه ليجيب عن بعض انتظارات القطاع، فكيف سيتلقى طلبتنا تصريح الوزير الوصي على قطاع التعليم العالي، وهو تصريح يفتقر إلى أدنى تماسك منطقي، يبدو وكأنه صادر عن انسان لا يتقن حتى الحساب ولا يُمنطق الاشياء، فقط يتحدث ليتحدث دون أن يكترث بما يقول، وهو ما يسمى في ثقافتنا الشعبية ب”التسنطيح”..

طوبى لنا بوزير التسنطيح العالي ولا عزاء لنا اذا كانت جامعتنا تحتل المراتب الاخيرة في التصنيف العالمي، فكل إناء بما فيه ينضح..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.