وحدها الإنسانية تجمعنا.. صديقي الشيعي…

عماد العتابي

عندما سُجنت في بلجيكا قبل عام ونيف، تعرفت هناك في ذلك المعتقل على شخص كان محبوبا من طرف الجميع، جاء من لبنان ليمارس فضيحة الحياة ببلجيكا، فقادته الظروف إلى ذلك المكان المغلق، حيث يخزن هناك الأجانب بدون أوراق الإقامة لأسابيع أو شهور أو سنوات دون محاكمة في إنتظار ترحيلهم إلى بلدهم الأصلي أو إخلاء سبيلهم..

هناك عايشت قصصا مؤلمة لمغاربة وجدوا أنفسهم خلف الأسلاك الشائكة والأسوار العالية، مغاربة رفضوا الإفصاح عن جنسيتهم وتُركوا يذبلون مع الوقت كورود مُنع عنها الماء والأوكسجين…

كان ذلك اللبناني الشيعي إبن “حزب الله” عنيدا ومحبوبا وكريما، لم يكن يصنع فروقا بينه وبين الآخرين المحسوبين على السنة، كان يصلي خلف إمام سني يتعاطى الحشيش كل الوقت دون أي مركب نقص، كان يستمع لخطب الجمعة لذلك الإمام الجزائري الحشاش محافظا على ابتسامته طول وقت الخطبة، دعاني إلى الصلاة معهم في تلك الغرفة فاعتذرت بأدب، قلت له أنا لا أصلي يا صديقي.

عندما ولجت إلى هذا المعتقل كان ذلك اللبناني مضربا عن الطعام إحتجاجا على سجنه، أضرب عن الطعام لأكثر من ثلاثة أيام، ما دفع إدارة المعتقل إلى وضعه في السجن الانفرادي، ولما أوقف إضرابه عن الطعام تم إرجاعه إلى الجماعة، عندها تعرفت عليه وأحببت حديثه وجرأته وكرمه، وبعد يومين من خروجه إجتمع القوم في غرفة الصلاة واتفقوا على الدخول في إضراب عن الطعام..

كان الإمام الحشاش هو متزعم الإضراب، وبما أنني لا أصلي فلم أكن حاضرا وقت إتخاذ ذلك القرار، فجاء عندي صديقي اللبناني وأخبرني بما دار بينهم داخل الغرفة، وقال لي، لا أنصحك بالدخول معهم في هذا الإضراب لأن أول من سيوقف إضرابه هو ذلك الإمام.

في اليوم الموالي أي تاريخ الإضراب عن الطعام، تناول بعض الأشخاص من دول افريقية جنوب الصحراء فطورهم، وظلت قيادة الإضراب العام نائمة، وفي وقت الظهيرة كان أول من حضر إلى المطعم هو الإمام الجزائري، تناول غذائه وتبعه أغلب المضربين فيما إمتنع آخرون، وفي فترة العشاء استسلم الكل لجوعه وتناولوا عشاءهم على أنغام قهقهات صديقنا الشيعي الذي سخر من إضرابهم.

ليلة إطلاق سراحي، سألني صديقي الشيعي، هل عندك مصروف؟ أجبته: عندي ما يكفي لشراء “ساندويش” إن تم ترحيلي إلى المغرب، فابتسم، ثم توجه نحو الحراس وطلب منهم مبلغ 100 أورو من ماله المحجوز عند الإدارة، وبعد إجراءات قانونية بسيطة جيء له بذلك المبلغ، فأعطاني إياه، وقال: إن كنت في حاجة لمبلغ أكبر فلا تخجل اعتبرني مثل أخيك.. شكرته وتوادعنا وكانت تلك اللحظة آخر مرة أراه فيها.

العبرة من هذه القصة أن الإنسانية أكبر من حسابات وصراعات دينية وعرقية وطائفية، فلننتصر لإنسانيتنا ضد الجهل والتخلف والبربرية، وتبقى الإنسانية هي التي تجمعنا قبل الدين والعرق والطائفة…!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.