وجهة نظر.. من أجل جبهة وطنية واسعة لمكافحة الإرهاب

لا شك أن المغرب يعيش تحت وقع تهديدات إرهابية حقيقية، تهدد أمن أراضيه وسلامة مواطنيه، خصوصا مع التحولات الدراماتيكية التي تعرفها منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث انهارت دول بالكامل، ودخلت في صراعات طائفية وعرقية ودينية دموية قاتلة، أتاحت الفرصة للجماعات المتطرفة لامتلاك أحدث أنواع الأسلحة وأكثرها فتكا ودمارا.

ومنذ أن أصبح اليوتيوب وشبكات التواصل الاجتماعي منصة لنقل الرسائل الإرهابية، صرنا على اطلاع دائم بكل تهديد ووعيد يطال المغرب، لعل آخره كان آواخر السنة الماضية مع تهديدات جماعات متطرفة ليبية بمهاجمة أهداف حيوية داخل التراب المغربي، بطائرات تم الاستيلاء عليها في المعارك الطاحنة التي دارت لمدة طويلة حول مطار العاصمة الليبية طرابلس، وهو ما جعل حالة الاستنفار تبلغ مداها داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية المغربية، بتشديد المراقبة على الحدود البرية والبحرية والجوية، ورفع درجة التأهب العسكري عبر نشر القوات المسلحة الملكية المغربية لبطاريات من صواريخها أرض ـ جوّ، ووضع الطائرات المقاتلة الحربية على أعلى درجات الاستعداد.

وقد صار الأمر عاديا لدرجة لا تفاجؤنا، أن تطلع علينا وكالة المغرب العربي للأنباء، بين الفينة والأخرى، بخبر مفاده تفكيك المصالح الأمنية المغربية لخلايا إرهابية، تعمل في الظلام من أجل زعزعة استقرار البلاد عبر نشر الخوف وقتل الأبرياء، خصوصا وأن المغاربة صاروا من أكثر جنسيات العالم تزويدا لداعش بالمقاتلين، وهو ما استدعى ابتداء من شهر نونبر 2014، نشر قوات “حذر” المكونة من عناصر من الجيش والشرطة، حول كل المنشآت الحيوية في كبريات المدن المغربية، تحسبا لكل طارئ.

وإذا كان يحسب للإعلام المغربي المستقل، خصوصا المواقع الالكترونية، نقلها لتفاصيل هذه التهديدات لعموم المغاربة، حتى يكونوا متيقظين لحجم الأخطار التي تحيط بهم من جماعات اتخذت من الدين مطية للقتل وسفك الدم وترويع الآمنين، فإن الإعلام الرسمي لازال يعيش في سباته الدائم، متناسيا دوره الأساسي في نقل المعلومة بأمانة، وتوعية المواطنين، حتى يكونوا على قلب رجل واحد في وجه كل إرهاب محتمل قد يطال البلد.

إن المصادقة على قوانين جديدة لتتميم التشريعات المتعلقة بمحاربة الإرهاب، ووضع الأجهزة الأمنية والعسكرية في حالة استنفار لمواجهته مثل الكي هو آخر العلاج، أما مواجهة الإرهاب الحقيقية فتكون أساسا بتجفيف منابعه من الجذور، وهو ما يستحيل تحقيقه دون تكوين جبهة وطنية واسعة لمكافحة الإرهاب، تشترك فيها مؤسسات الدولة مع الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني ووسائل الإعلام، من خلال استراتجيات متكاملة، تجعل من محاربة الفكر التكفيري ونشر مبادئ المحبة والتسامح والتعايش والسلام في نفوس المواطنين، جوهر كل الخطط والتحركات.

صحيح أن الإرهاب يجد له بيئة حاضنة في الأوساط الفقيرة والمهمشة، والتي تحس بظلم مزدوج للدولة والمجتمع لها، لكن الإرهاب قبل كل شيء هو فكر وعقيدة، ولقد صار الكل يعلم اليوم، أن أكبر الإرهابيين عبر العالم ورؤوسه المدبرة لم يكونوا أبدا من الفقراء، بل هم من الطبقات المتوسطة وحتى الغنية، من قبيل أيمن الظواهري الطبيب المصري، وأسامة بن لادن المهندس والملياردير السعودي.

إن برامج محاربة الفقر والهشاشة ستأخذ وقتا طويلا لبلوغ أهدافها، على اعتبار ضخامة المشاكل والأعطاب التي ترسبت في المجتمع المغربي، على امتداد نصف قرن من الفساد والسياسات العمومية الغير عادلة، والتي جعلت من فئات عريضة من المغاربة يعانون من الفقر والبطالة والتهميش… وهو ما يستدعي العمل بالموازاة مع تلك البرامج، التي يجب تقويتها والإسراع من وتيرتها، ببرامج أخرى للتوعية والتحسيس قصد مجابهة الفكر التكفيري بالفكر المعتدل من خلال شرح صحيح الدين وجوهره، عوض التفسيرات المتطرفة لنصوص القرآن وأحاديث النبي، التي تهدف إلى تشويه الإسلام وجعله دين قتل وعدوان وسفك للدماء.

وحتى تكتمل الصورة ويصبح العمل من أجل محاربة الإرهاب في إطار جبهة وطنية واسعة عملا مثمرا وذا جدوى، فإن محاربة الأمية يجب أن تأخذ نصيبها من كل الخطط والاستراتيجيات، وعوض حصرها في المساجد فيجب تعميمها على كل المؤسسات التعليمية ووضع سقف زمني لا يتعدى الخمس سنوات من أجل القضاء عليها نهائيا، مع وضع كل الإمكانيات من أجل بلوغ هذا الهدف الذي لا يجب أن يبدو وكأنه مستحيلا، خصوصا وأن هناك دول سبقتنا في القضاء على الأمية بكفاءة عالية وبسرعة خارقة، رغم أنها كانت في وضعية أسوء من المغرب، فقط بسبب توفر الإرادة السياسية الصادقة من أجل مجتمع يتمتع بالمعرفة التي تعتبر حائط الصد الأول في مواجهة كل فكر متطرف يعلي قيم الموت على قيم الحياة.

_ رئيس مركز الحريات والحقوق

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.