وجهة نظر: لا حلّ آخر لرقعة التخلف والاستبداد العربية إلاّ الانشطار الديني والبيولوجي!

مصطفى حيران

بنظرة بانورامية إلى الخريطة السياسية لبلدان العالم عبر قاراته الخمس يتبين أن رقعة الديموقراطية السياسية والتنمية الاقتصادية تنتشر لتبلغ مجمل أرجاء العالم. لنفحص الصورة بشكل أقرب قليلا..

في أوروبا الغربية موطن التنظيم الديموقراطي الحديث تنظيرا وممارسة، ثمة رسوخا لمبادئ وقوانين الحرية والديموقراطية في تدبير شؤون الدولة والناس، وهو اختيار عمره ثلاثة قرون على الأقل (الثورتان الإنجليزية والفرنسية). بلدان أوروبا الشرقية فكّت عنها أغلال المعسكر الشمولي الشيوعي حين أنجزت ثوراتها السياسية والاجتماعية (بولندا، رومانيا..) وهي بصدد التحول سريعا إلى قوى سياسية ديموقراطية واقتصادية متطورة.. أما روسيا فهي تستجمع قواها التي أنهكها التنظيم الإيديولوجي الشديد التركيز مدة سبعين عاما، لتتحول حثيثا إلى قوة سياسية واقتصادية استعادت دورها المحوري في العالم.
في شطري القارة الأمريكية غنيٌ عن الوصف ما عليه الولايات المتحدة الأمريكية من وضع متفوق سياسيا واقتصاديا فهي القوة الأعظم في العالم حتى إشعار آخر.

في الشطر الجنوبي ثمة بلدان أمريكا اللاتينية التي صنعت لنفسها نموذجها السياسي منحوتا من بيئتها الاجتماعية والثقافية ومرسوما بالديموقراطية الاجتماعية وذلك بعدما نفضت عنها أحذية وقبضات أنظمة الحكم العسكرية القمعية الدموية.. واليوم فإن بلدانا مثل البرازيل والأرجنتين والشيلي وكوستاريكا… تحولت إلى قوى سياسية ديموقراطية واقتصادية معتبرة. هل تعلم مثلا أن بلدا صغيرا مثل كوستاريكا يصنف في المرتبة الثالثة عالميا بمعيار توفر عنصر سعادة العيش؟

ماذا عن قارة الأديان السماوية والبشرية الغاصة بالأعراق والمعتقدات والأساطير وأدخنة البخور وروائح التوابل والعطور و… شتى أنواع المشاكل؟
ثمة في آسيا اليوم نموذجان لتدبير شؤون الدولة والمجتمع. الأول ديموقراطي محلي صرف مثل ما يوجد عليه الأمر في كوريا الجنوبية والهند وباكستان وبنغلاديش.. والثاني ديكتاتوري شخصي (فردي) أو إديولوجي مثل ما عليه الأمر في الصين وسنغافورة وكوريا الشمالية وماليزيا وإندنوسيا وتركيا (المنشطرة جغرافيا وسياسيا بين قلبها الشرقي وعقلها الأوروبي)..

النموذجان معا، أي الديموقراطي المحلي والديكتاتوري الشخصي والإيديولوجي، حققا نماذج نمو اقتصادي مذهلة، كيف لا وقد تحول بلد صغير جدا هو سنغافورة مساحته لا تتعدى نحو سبعة آلاف كلمتر مربع كان عبارة عن مستنقع ترتع فيه الضفادع منذ أقل من أربعة عقود إلى واحد من أكثر بلدان العالم تطورا وتقدما، وقد تحقق ذلك في ظل حكم فردي سلطوي للرئيس السابق الراحل “لي كيو” وللغرابة فإن بلدا مجاورا عملاقا مثل الصين أخذ نموذج التنمية ل”لي كيو” الذي أصبح يُعرف في عالم الاقتصاد السياسي ب”فرضية لي كيو” ومؤداها باختصار شديد: “من الممكن تحقيق نموذج تنمية ناجح جدا في ظل حكم فردي شديد التركيز”.. أخذ العملاق الأصفر هذا النموذج الاقتصادي الذي يناسب طبيعة بنيته السياسية الإديولوجية المركزية (سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على شؤون الحكم) وطبقه وتحقق النجاح، واليوم فإن الصين تعتبر القوة الاقتصادية الثانية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية.

أما في أقصى الشرق من حيث تشرق الشمس فثمة اليابان ولا وجوب للحديث عن نموذجها تطورها فهو يفعل ذلك بمستواه الكبير المعروف منذ منتصف خمسينيات القرن الماضي.
وفي الطرف الجنوبي الشرقي من العالم حيث القارة الأسترالية يوجد نموذج الدولة والمجتمع المسكوك من التجربة البريطانية الديموقراطية والاقتصادية العريقة، وهذا نموذج لا يحتاج هو الآخر إلى تدليل على مستويات نجاحه فهي ظاهرة للعميان وليس العيان فقط.

تبقى الدول القائمة على الجزر الكبيرة أو الصغيرة وهي إما تابعة (نظام فيدرالي) لإمبراطوريات قديمة (فرنسا وبريطانيا وإسبانيا والبرتغال…) أو لديها نموذجها الخاص في تنظيم الدولة (ماديرا ومدغشقر وجزر موريس مثلا). إن هذه الرقع الأرضية المبثوثة في المحيطات تتوفر على مستويات تقدم تجعل منها بلدانا محبوبة أومقبولة على الأقل، في شتى أنحاء العالم.

في القارة السمراء حيث يقطن مليار ونصف مليار من البشر ثمة نفس العدد من المشاكل لكنها ستختفي تباعا لأن أصلها الأكبر وهو الديكتاتورية الشخصية يفقد قلاعه الكبرى في القارة (جنوب إفريقيا أصبحت دولة ديموقراطية بكل ما في ذلك من معنى رمزي وتطبيقي، ودول جوارها مثل ناميبيا وليبيريا حدت نفس الحذو) كما أن بلدانا في وسط القارة وشرقها وغربها مثل إفريقيا الوسطى والسينغال وإيثيوبيا.. بصدد اكتساب نماذجها السياسية والإقتصادية الديموقراطية (هل تعلم مثلا أن إثيوبيا تحق نسبة نمو سنوي لا يقل عن عشرة في المائة؟ في المغرب لا تتعدى هذه النسبة ما بين أثنين وأربعة في المائة حسب رحمة السماء). نعم إن المستوى المقبول ثم الأفضل ما زال أبعد لكنه أصبح ممكنا جدا، ففي الكونغو مثلا ثمة الآن انتفاضة شعبية تقودها معارضة سياسية قوية لإسقاط نظام سلالة “كابيلا” الديكتاتورية وقل ذات الشيء عن أكثر من بلد في القارة الإفريقية.

ماذا بقي؟
آه بقيت رقعة الرعب فهي كأنها حقل ألغام تتوزع على القارتين الإفريقية والأسيوية، إنها ما يُطلق عليه البلدان العربية.
للغرابة فإن هذه الرقعة تجمع أفدح التناقضات في العالم فهي “تزاوج” دون حرج بين أكبر مستويات الثراء وأفدح مستويات الفقر (تكفي المقارنة مثلا بين بلدين جارين هما السعودية واليمن) وتوجد في هذه الرقعة كذلك أكثر النماذج تطورا في التنظيم الديموقراطي للدولة على المستوى العالمي وهو الذي تقدمه إسرائيل ضمن نطاق ديموغرافي لا يتعدى خمسة ملايين نسمة على حيز جغرافي صغير جدا، وبجوارها دولة كبيرة غارقة في ديكتاتورية الحكم الفردي بظلمه وظلامه تعداد سكانها مائة مليون نسمة هي مصر.

السمتان اللتان تشترك فيها كل بلدان هذه الرقعة، باستثناء إسرائيل، هي الحكم الاستبدادي والتخلف الاقتصادي والاجتماعي (باستثناء مظاهر الترف في بلدان النفط).
كل بلدان هذه الرقعة كانت مستعمرة وتسلمت مقاليد الأمور فيها بعد رحيل الاستعمار (بريطاني وفرنسي وإيطالي وإسباني) أنظمة سلالية (ملكية وعشائرية) وعسكرية (جاءت بها انقلابات على أنظمة سلالية) أرست مقاليد الحكم الفردي بالحديد والنار وجعلت من اقتصاداتها (البلدان المقصودة) جيوبا شخصية فضفاضة لبحبوحة عيشها هي وأفراد أسرها وعشائرها وخدمها وحشمها (رجال السلطة والأحزاب والمثقفين والإعلاميين..) وتركت السواد الأعظم من شعوبها يأكل فتات ما يفضل عنها ويرتاد المساجد الكثيرة مقابل ندرة المدارس والجامعات ومعاهد البحث العلمي والمستشفيات.. فكانت النتيجة أن أخرجت هذه الأنظمة مارد الإرهاب بطبعتيه (القاعدة وداعش وما تأصّل وتفرع عنهما).
واليوم، فإن هذه الرقعة المتناقضة المكونات الاجتماعية والعرقية والدينية، المتوحدة في نموذج الاستبداد السياسي والتخلف الاقتصادي تنتج أمرين فقط: النفط والإرهاب. الأول مطلوب والثاني مرعوبٌ منه حدّ إحداث تغيير في خريطة العالم السياسية والأمنية والاجتماعية…
للظفر بالثاني كثروة طاقة ومال يبتكر الغرب سياسة تخدم مصالحه (استنزاف المخزون النفطي بأسعار تفضيلية وتدوير عائداته المالية الضخمة في البنوك الغربية، الأمريكية أساسا).
بالنسبة للمنتوج الثاني المذموم المكروه وهو الإرهاب في امتداداته الدولية، فإن الغرب الذي يتوفر على مراكز بحث متخصصة بات متأكدا أن الظاهرة معقدة جدا، فهي أشبه بورم خبيث استوطن أدق خلايا وأنسجة جسم هذه الرقعة الجغرافية من الأرض، ولا سبيل إلى استئصاله بمبضع خارجي مهما بلغ من الدقة والتطور مما هو متوفر حاليا، فما العمل؟
جنوح خريطة التشكيلات الحكومية الغربية نحو اليمين (التقليدي والمعتدل والمتطرف) وتكثيف نصوص القوانين المنظمة للهجرة وتسوير الحدود أمنيا وتنزيل شروط التنظيم الاقتصادي (توصيات الصناديق الدولية) بما يجعل بلدان هذه الرقعة تختنق ثم تنفجر من تلقاء ذاتها واعتماد إدارة للأزمات الإقليمية بما يكفل مصالح الأسواق العالمية.
طبعا هناك الحروب الداخلية والنزاعات البينية (سوريا، العراق، ليبيا، اليمن..) لكن هذا لا يبدو كافيا فالمطلوب تفجير الذمالة برمتها حتى لا يبقى فيها جزءٌ صلبٌ يدل على هوية الذمالة السياسية والاجتماعية التي تنتج عنصر الإرهاب (مصدر الخوف الدولي) ثم في مرحلة تالية إعادة التشكيل من الجذور على أسس عصرية جديدة تكفل شروطا لا تنتج ذات النموذج السياسي السلبي أبو الإرهاب.

بتعبير أوضح، إن المنطقة التي نتحدث عنها ستعرف تشظيا لأسباب اجتماعية (استفحال الفقر) وتنافس على السلطة بين المكونات العشائرية والعسكرية ترفدها ذرائع دينية (مذهبية) وعرقية (كردية وأمازيغية..) تتبلور في حروب أهلية طويلة الأمد لتتدخل القوى العالمية دولية وإقليمية لترتيب نشوء دول جديدة على أساس خريطة الانشطار الديني (الصراع المذهبي) والبيولوجي (العرقي) والقوى التي ستسفر عنه هذه الحروب.
لا حلّ آخر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.