وجهة نظر.. عبد العزيز العبدي يكتب: “بسط لما هو مشفر في خطاب اليوم”

عبد العزيز العبدي

كان خطاباً تاريخيا، لا أدري سبب ذلك، لكنه من الجيد استباق تصريحات أغلبية صاحب الجلالة ومعارضته، والتعليق عليه بأنه خطابا تاريخيا….
كان كذلك خطاب افتتاح الدورة التشريعية الخريفية للسنة السياسية 2014 و2015، لذا سنترك للآخرين شرح تاريخيته واستخراج آيات المعجزات منه، مثلما يفعلون دائما، ولنحاول من جهتنا تفكيكه ومراقبة انسجامه الداخلي من عدمه، طبعا دون التوغل في سرد الأخطاء النحوية التي حفل بها هذا الخطاب، وهي ربما أخطاء لها دلالتها فيما سيأتي من دعوة للحسم في لغة التدريس….
لعل افتتاح الخطاب ب”السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين” بدل ” البرلمانيون المحترمون” كخبر مرفوع ونعت تابع في حركته لمنعوته لمؤشر كبير على هذه الدلالة….
الخطاب مكون من 1498 كلمة وموزع على أربع مباحث غير متكافئة في الطول ولا في العرض، تبتدئ كل واحدة منها بنفس الجملة الخاطئة: السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين…
المبحث الأول، يؤطر فيه الملك شرعية سلطته، عبر استحضار مفهوم الوطنية في خصوصيتها المغربية، واسترجاع مفهوم “تمغربيت” والاعتزاز بها، وهو مفهوم كبر وترعرع في العقد الأول لما سمي بالعهد الجديد، وخاصة بعد التحول الذي عرفه المغرب إثر انتهاء ما يسمى بالمصالحة وظهور نزوع نحو التحكم واعتماد ما يسمى بنموذج تونس في تدبير الشأن السياسي… تمغربيت هذه هي التي تم تسويقها في تلك الفترة وتنطوي على إيجابيات التاريخ والحضارة المغربيين وسلبيات الاستبداد المخزني…
في ذات المبحث، يستحضر الملك لازمة استقرار المغرب ويقارنه بما يقع في دول أخرى عرفت رجات سياسية كبيرة، مع التنبيه أن ذات اللازمة كان يستعملها بنكيران، وهو يصرخ في خطاباته بأن المغرب”لم يقطع الواد بعد، أو حتى إن قطعه، رجليه ما زال منشفوش”، وكان يعاب عليه هذا الصراخ، بل كان يعتبر كلامه نوع من المن على الدولة أو نوع من التهديد بالنزول إلى الشارع…. باستعمال الملك لنفس اللازمة، فهو يوجه رسالة إلى ذات بنكيران، ليحسم جدل السبب في الاستقرار: الملك لا بنكيران….
المبحث الثاني، على قصره إلا أنه كثيف بالدلالات والرسائل المشفرة والواضحة، فهو يتحدث عن الصورة الايجابية التي يتميز بها المغرب لدى شعوب العالم، نلاحظ أنه يتحدث عن شعوب العالم وليس دول العالم ومؤسسات المنظومة الدولية، معتمدا ربما على التجييش الذي يمارس لفئة من هذه الشعوب خلال زياراته لدولها، أو خلال تصوير الوثائقيات السياحية الخاصة بالمغرب، لأنه دون ذلك، لا أثر للمغرب في التقارير التي تصدرها دول العالم ومنظماته المعترف به عالميا…
طبعا في المقابل هناك جهات تحسد المغرب وتكيد له، والجهات ليست هي الدول بالضرورة ولا شعوبها، قد تكون تلك المنظمات التي تصدر التقارير السلبية والتي تحاصر المغرب وتدينه، بعدها مباشرة يأتي الدور على الجهة العدمية والتي هي بالضرورة داخلية، وتشكل الجمعية المغربية لحقوق الانسان، عبر صراعها الأخير مع وزارة الداخلية، عصبها الأساسي، بالإضافة إلى بعض الشخصيات هنا وهناك، والتي “برزطت” المخزن بالدعاوي والمرافعات في المحاكم الدولية….
المبحث الثالث والطويل نسبيا، أفرده ملك البلاد لصلب موضوع الخطاب، أي التدبير التشريعي والمؤسسة التشريعية، ولو أنه جاء بنبرة أستاذية متعالية، وهو ما يفرضه وضعه كملك، وكسلطة فوق السلط، فهو يعيب على المشهد السياسي عدم صدقه مع المواطن وعدم تواصله معه، في الوقت الذي سجل القصر في السنة الأخيرة لحظات انقطاع تواصل حقيقية مع المواطن، وهو لا يعطي تبريرا لإلغاء زيارته إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وهو لا يعطي تفسيرا لانتشار الأسلحة في شواطئ المملكة وحول مناطقها الحساسة…
المبحث أيضا يتطرق إلى الانتخابات عبر بعث رسالة مشفرة إلى الكثير من الفرقاء السياسيين، مع رسم ملامح النخبة القادمة، وهي ليست بالضرورة نخبة اليوم، مما استوجب تنبيهها لعدم تسفيه الانتخابات بادعاء التزوير وتدخل الدولة ….
في ذات المبحث هناك نٓفٓسُ الخيبة، خيبة الملك الناتجة عن ضعف نخبه، معارضته وأغلبيته، وهو ضعف لم يتمكن من القضاء عليه رغم كل تنبيهاته وتوبيخاته المتكررة في خطاباته السابقة وفي خطابه بهذه المناسبة… بالموازاة مع هذه الخيبة هناك استشعار بقوة الفاعل السياسي الخارج عن الاجماع حول سياسته، ورغبة دفينة بدمجه فيها عبر مناشدة كل القوى للاعتزاز بالوطنية كما يحددها الخطاب…
المبحث الأخير أُفرد لما سيقدمه المجلس الأعلى للتعليم في القادم من الأيام كمخطط لإصلاح هذا القطاع، وبالرجوع إلى الاعتزاز بتمغربيت وبالوطنية وبالتحذيرات اتجاه الفرقاء الايديولوجيين، مما يمكن معه التكهن بنوعية الحسم الذي سيعيد اللغة العربية إلى الخلف لصالح لغات أخرى قد تكون العامية من بينها…..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.