وجهة نظر : صراع القاعديون والاسلاميون بالجامعة جرح لن يندمل

لا تكاد تمر سنة إلا ونستفيق على وقع فاجعة ضحية جديدة بجامعاتنا المغربية بسبب العنف المستشري بها خلال السنوات الأخيرة بسبب التيارات السياسية الناشطة التي أضحت تتناحر من أجل السيطرة على المواقع الجامعية. حكاية العنف اقتحمت فضاء الجامعة مع بداية التسعينات، وكانت البداية مع الهجوم المنظم من قبل التيارات الاسلامية التي طالما تحينت الفرصة للدخول للجامعات المغربية التي كانت حصنا حصينا للفصائل اليسارية، وبالضبط فصيل الطلبة القاعديين والذي أصبح ومنذ بداية الثمانينات القوة الجماهيرية الوحيدة بعد فشل المؤتمر السابع عشر لأسباب استهلك فيه النقاش طويلا وامتد لسنوات بنهارها ولياليها. القاعديون وجدوا أنفسهم أمام مسؤوليات تاريخية تجاوزت طاقاتهم، فواقع الحضر العملي المكبل لنشاطهم النقابي دفاعا وتحصينا للمكتسبات ومستهدفا إياهم بالاعتقال والقمع من قبل النظام، ومن جهة ثانية ظل هاجس التفكير في سبل إعادة بناء المنظمة “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب” وإخراجه من الشلل التنظيمي، ومن جهة ثالثة تحصين وتطوير إرث اليسار الجديد، أو ما كان يسمى من داخل الجامعة بالطلبة الجبهويون الذي زج بأغلبهم السجون. هذه المهام الجمة التي تصدى لها الطلبة القاعديون بكل مسؤولية مع تراجع وانسحاب أغلب الفصائل الأخرى، أدوا من أجلها الثمن غاليا( شهداء عدة شباضة بلهواري زبيدة عادل…ومعتقلين بالجملة..)، وكانت مقاطعة الامتحانات المعركة الفاصلة في دينامية وصيرورة القاعديين أدوا خلالها ضريبة ثقيلة جراء القمع الذي رد به النظام على مطالبهم (طرد، اعتقالات وتشريد..) و بعدها جاءت عسكرة الجامعات أو ما عرف حينها ب”الأواكس”.

لم يستسلم القاعديون وشرعوا في استنهاض ما تبقى من إمكانياتهم بعد الضربة القاسمة، والعمل على ترميم ذاتهم، لكن الحركات الاسلامية كانت متربصة بهم هذه المرة، بعدما لم تنجح في إثبات وجودها من داخل فضاءات الجامعة لصلابة التجربة القاعدية وقوة سجاليتهم ونضاليتهم. فكانت استراتيجية الاقتحام بالقوة والتي تلاقت مع مصالح النظام الذي فشل في إخماد شعلة هذا الفصيل المستقل من داخل الجامعة، فمارس حيادا سلبيا وترك ملشيات محسوبة على التيارات الاسلامية ليس بالضرورة منتمية لقطاع الطلبة تخوض حربا مقدسة ضد قلاع القاعديين بكل من جامعة ظهر المهراز ووجدة وتطوان وباقي المدن الأخرى. المستهدف الأول كان “نورالدين جرير” الناطق الرسمي للقاعديين بجامعة ظهر المهراز والذي كان من المفترض أن يلقي حتفه، التقطه البوليس وهو في حالة الاحتضار ليودع السجن لسنوات حاملا معه عاهته جراء العنف وجروح لم تندمل. بوجدة تم اختطاف “المعطي بوملي” الطالب النجيب والمناضل القاعدي المندفع من قاعة الدرس، فتم قتله بأبشع الطرق ورمي في أطراف وجدة. سعيد الفارسي أحد قياديي الطلبة القاعديين بعدما تم اختطافه تعرض لتعذيب نفسي ممنهج، وكان ينتظر فتوى اعدامه لولا تدخل ظروف أوقفت تنفيذ حكم الاعدام في آخر لحظة. يتذكر طلبة بداية التسعينات بوجدة بمرارة وسخرية في نفس الآن كيف باغتهم الاسلاميون بهجوم لم يجدوا من مفر سوى الهروب بشكل جماعي نحو الحدود الجزائرية، بجامعة عبد الملك السعدي بتطوان لم يشفع للطالب القاعدي موحا محمد الذي خرج لتوه من السجن من تلقي طعنات غادرة كادت ترديه قتيلا. هي أمثلة من عنف ممنهج مورس على الطلبة القاعديين بالخصوص،وبصم الكثير منهم بعاهات وجروح جسدية ونفسية لم تندمل بعد. لم تمر سوى سنتين بعد هذه الأحداث المؤلمة فجاءت الضربة الموجعة مرة أخرى وفي واضحة النهار25 فبراير 1993 باغتيال آيت الجيد بنعيسى بظهار المهراز بفاس، دفن بنعيسى على عجل ولم تتوضح كل معالم الجريمة مع محاسبة جناتها. لم يسلم القاعديون من عدوى العنف والتشظي الذي مورس في حقهم، فمارسوه بين أطيافهم فيما بعد في حسم اختلافاتهم، وتقوقعوا في مجموعات تنشد الحقيقة وحدها وتدعي صون تاريخ القاعديين بشكل دغمائي، فظلت المواجهات سيد الموقف عند كل اختلاف فيما بينهم أو مع الأمازيغيين فضلا عن الاسلاميين، وكل مرة يسقط الضحايا.

مؤخرا عاد ملف آيت الجيد بنعيسى للواجهة وحركته تصفية حسابات سياسية من خارج الجامعة فنظمت مهرجانات وندوات تطالب بالحقيقة. نشاط الاسلاميين خفت من داخل الجامعة ولم يعد رهانهم من داخلها ذات أولوية كما كان خلال التسعينات، واقتصرت أنشطتهم على ندوات وأيام ثقافية بشكل موسمي. في المقابل عادت بعض الحيوية والدينامية للقاعديين بأطيافها المتنوعة، وبدأت تطلق بعض المبادرات من أجل إيجاد مخرج لأزمة الحركة الطلابية، ولصد المخططات المستهدفة للجامعة المغربية وكل الإرث النضالي الذي تراكم لسنين وقدمت من أجله تضحيات جسام، فجاءت ندوة مراكش 23 مارس، وبعدها المسيرة الاحتجاجية أمام البرلمان 23 مارس 2014. لكن كل مرة تحاول الحركة الطلابية لملمة نزيفها إلا وتتكالب عليها أطراف خارجية وأخرى داخلية لثنيها عن أي نهوض محتمل، هذا التكالب تكرر منذ التسعينات و حتى قبله ومازال بطرق مختلفة. الاعلان عن ندوة بفاس تحت موضوع ” الاسلاميون اليسار والديموقراطي” وبحضور محاضر “حامي الدين” هذا الأخير سبق وأن تم الاحتجاج عليه بمواقع جامعية عدة لاتهامه من قبل رفاق بنعيسى بتورطه في جريمة الاغتيال. التنديد بالعنف تحصيل حاصل، و مطلب إعادة مجد الحركة الطلابية مدرسة وفضاء للسجال الفكري والإديولوجي وتنظيم الاختلاف بشكل ديموقراطي هو مطلب الجميع. لكن لا يجب أن يخفى علينا المخططات التي تحاك ضد الجامعة المغربية وضرب ما تبقى من مكتسبات وإرث تقدمي رسم بدماء مناضلي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عبر ملاحم وفترات عدة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.