وجهة نظر: شر السلطة في مرآة حراك الطفولة

جمال المحدالي

من الظواهر اللافتة للإنتباه التي ولدها الحراك الشعبي بالريف إنخراط الأطفال فيه وإدماجهم له في عالمهم الوردي/ الدامس بحكم بؤس الحال: دمجه في لعبهم وحواراتهم ومعيوشهم اليومي. وهم يفعلون ذلك،كما تفعل الوردة حين تتفتح، دون أن يدركوا لماذا، يفعلونه بشكل عفوي وطبيعي، لأن كل ما يعيشونه ويشاهدونه ويسمعونه، يدفعهم لفعل ما يفعلونه.

حين يَرَوْن، مثلا، دوريات، تجوب أزقتهم الآمنة كما لو أنها ذاهبة إلى الحرب فإن شيئا ما حار وحاد بدواخلهم يدفعهم ليصرخوا تلك الصرخات الحراكية المزلزلة: “الموت ولا المذلة”، “عاش الريف”، “لا للعسكرة”، “يا مخزن حذاري كلنا الزفزافي”… ورغم أنها مجرد صرخات أطفال إلا أن سلطة الدولة بكامل جبروتها وقوتها لا تتحملها ولا تطيق سماعها. فتسرع في إنتشالهم من الشوارع أو من بين أحضان عائلاتهم ليشحنوا إلى مخافر الشرطة، حيث يتعرضون لما يتعرضون له من سوء المعاملة والتعذيب النفسي والجسدي واستنطاق يفضي، في العادة، إلى فبركة تهم جنحية أوجنائية لهم، بموجبها يتم القذف بهم، بعيدا، إلى إصلاحيات تُحوِّل حياتهم وحياة عائلاتهم إلى جحيم. خاصة وأن منطقتهم لا تتوفر حتى على إصلاحيات، وبالأحرى أن تتوفر على حدائق وفضاءات ثقافية رياضية وفنية وترفيهية تصفل مواهبهم وتنمي كفاءاتهم وتمضي بهم إلى مستقبلهم المشتهى.

ولعل ما جذب الأطفال أكثر إلى الحراك، بجانب أن الحراك هو حراك آباؤهم وأمهاتهم وإخوتهم وأهلهم وجيرانهم، هو أن الحراك لم يغفل الأطفال في ملفه المطلبي الذي من ضمن ما ورد فيه:

” – إحداث مركز ثقافي يشمل مختلف الأنشطة والأجنحة الثقافية ( مسرح، معهد موسيقي، جناح خاص بالأطفال، وذوي الاحتياجات الخاصة… .

– إنشاء مراكز تشمل مختلف الأنشطة الرياضية موزعة على مختلف جماعات الإقليم والنواحي

– توسيع شبكة المؤسسات التعليمة (الابتدائية، الاعدادية، الثانوية) بكامل أسلاكها على إمتداد الريف”.

إن أطفال إقليم الحسيمة عاشوا أحداث الحراك واقعيا وافتراضيا، وهم أكثر الفئات العمرية إقبالا على التكنولوجيا وتفاعلا معها. فحفظوا شعارات الحراك، ألفوا وجوه نشطائه وناشطاته، ووجدوا في المسيرات والأشكال الإحتجاجية الأخرى متنفسا ومجالا للإحتفال والمرح. فأي طفل لا يعشق أن يسير في الشوارع وهو يحمل شمعة أو وردة؟ أي طفل لا يعشق واقعه حين يرى الناس تسيل بهم الشوارع وتفيض بهم البراري وهم يتغنون بأجمل ما يليق إنشاده ؟ أي طفل لا يحب أن يسيل وسط جموع تتقاسم المرارة والفرحة، جموع تصرخ ملء حناجرها بشعارات تنشد الحرية والكرامة، تسترخس حياة المذلة؟

لقد ألف الأطفال، كما الكبار، الحياة على إيقاع الحراك، وهو بقدرما كان إيقاعا إحتجاجيا مطلبيا سلميا حضاريا بقدرما كان إيقاعا إحتفاليا فائق البهاء عَوّض فيه وبه الأطفال النقص الحاد في فضاءات اللعب والترفيه بالإقليم.

وحين جنّت سلطة الدولة وجنحت للقمع المفرط بدل أن تجنح للحوار مع نشطاء الحراك حول ملفهم المطلبي، فجندت الأحزاب المهترئة ومختلف الؤسسات والأجهزة لشيطنة الحراك وتخوينه، حين نزلت على المنطقة بآلتها القمعية فأخذت تخطف وتعتقل وتضرب، كان الأطفال أكثر إستهجانا وإستنكارا لذلك الإنقلاب الكارثي في تعامل الدولة مع الحراك، بدون خلفية سياسية أو توجيه من أحد، بل بمحض بصيرة طفولتهم، فصاروا يرددون شعارات الحراك، وترديدهم لها هو عبارة عن صرخة الطبيعة وجوابها عن نزوع مرضي لاستئصال جذوة الحراك من التربة التي استنبتته.

ولأن الحملة القمعية كانت تستهدف قتل الحراك فقد ضاقت الدولة من صرخة الأطفال الدامغة على بقائه، ضاقت من دمجهم لشعاراته في لعبهم وحياتهم اليومية. ومن تغنيهم بنشطائه المعتقلين. وإذا ما كان التعليم الذي يتلقاه الأطفال على علته ورداءته يتضمن شيئا من التربية على المواطنة وحقوق الطفل، فإنهم سيجدوا أنفسهم أمام مفارقة دولة تربيهم على بعض قيم المواطنة وحقوق الإنسان وفِي ذات الحين تقترف جرائم في حق المواطنين وتدوس على حقوقهم ولا تسنثني الأطفال.

وخرق الدولة لحقوق الطفل لا يقتصر على إختطاف الأطفال فتعذيبهم ومحاكمتهم وترحيلهم إلى إصلاحيات بعيدا عن مقر سكن عائلتهم، بل إن ذلك الخرق يتمثل أيضا في معاناة كل الأطفال الذين يعيشون مأساة إعتقال آبائهم ضمن معتقلي حراك الريف السياسيين. أولائك الأطفال الأبرياء الذين في حلكة الزمن المغربي المقرف وجدوا أنفسهم وبدون سابق إنذار محرومين من رعاية آبائهم وحضنهم. كما يتمثل في المعاناة النفسية والمادية لكل أطفال إقليم الحسيمة بسبب الجو الرهيب والكئيب السائد بالمنطقة والذي لم يسبق أن عاشت مثله في العقود الأخيرة رغم الكوارث المهولة التي مرت بها.

فكان من الطبيعي جدا أن يغضب الأطفال ويحتجوا، لأن كل ما عايشوه خلال عام، وتحديدا منذ بداية الحملة القمعية لا يولِّد غير الغضب. كان من الطبيعي أن يصرخ الأطفال بإدانة الإختطافات والمحكمات، كان من الطبيعي أن يتأثر الأطفال بإعتقال زملائهم وأهلهم وجيرانهم.

وأمام غضب الأطفال الذي يترجم غضبا عاما للسكان، وأمام ردهم الطبيعي على القمع بترديد شعارات الحراك والمطالب بإطلاق سراح النشطاء والإنخراط في الأشكال الإحتجاجية بالإقليم وخاصة بمدينة إمزورن، ولأن الدولة لا تتقن غير لغة القمع فإنها وفِي خرق سافر للإعلان العالمي لحقوق الطفل والمعاهدات الدولية الخاصة بحماية الطفولة ترتبك جرائم في حق الطفولة..

وإذا ما كانت الدولة تبرر مقاربتها القمعية في التعامل مع الحراك بالإدعاء أنه يهدد أمنها ويزعزع إستقرارها، وبعيدا عن خرافة التآمر الأجنبي وغيرها من الترهات التي تم حبكها بأسلوب مفضوح، ألا يعني تماديها في إعتقال الأطفال بأنها في الحقيقة تخاف على أمنها وإستقراها من أن يزعزعه أطفال برهافة الأزهار؟ فما أغرب إستقرار دولة يتهدده صراخ أطفال وهم يلعبون لعبة الحراك!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.