وجهة نظر: رهانات حراك الريف بأوروبا

جمال المحدالي

من العلامات القوية الدالة على بركة الحراك الشعبي بالريف هي توغله أوروبيا. ففي الوقت الذي كان يراهن فيه البعض على ذوبان الريفيين والريفيات في الأوطان التي هُجّروا إليها، أو على إرتمائهم في أحضان الجماعات الدينية المتطرفة، أو على أن يكونوا مجرد جالية مدرة للعملة الصعبة، تمكن حراك الريف السلمي من نسف كل ذلك وبرهن على صمود هوية ريفييي وريفييات الشتات، وساهم إلى أبعد حد في إعادة بناء وتمتين تلك الهوية المشبعة بأعظم ما راكمه تاريخ الريف من قيم وأمجاد وحضارة تتناغم مع المشترك الإنساني المجسد في منظومة حقوق الإنسان والقيم الإنسانية الكونية؛ الحرية، الكرامة، العدالة، المساواة…

ولعل إدراك المخزن لمغزى هذا الإمتداد لحراك الريف بأوروبا هو أحد الأسباب الذي دفعته إلى المجازفة بإلصاق تهم الإنفصال والتآمر الخارجي والتمويل الأجنبي بنشطاء الحراك خاصة منهم الذين يحاكمون بإستئنافية الدار البيضاء. وذلك في محاولة يائسة لعزل الحراك داخليا عن محيطه الوطني والتشويش على التلاحم الوجودي المتعدد الأوجه بين ريفيي الداخل والخارج.

ففي السباق الذي شددت فيه الدولة الحصار على الريف وخنقت كل أشكال الإحتجاج فيه، ومنعت أي نشاط له صلة بالحراك ومعتقليه السياسيين، رغم أن الزمن المغربي الراهن هو زمن الإحتجاجات، يلاحظ كيف أن الحراك يتقوى بأوروبا، من حيث كثافة المسيرات والندوات والفعاليات التي تنظم في مختلف المدن الأوروبية دعما للحراك وإنخراطا في ديناميته النضالية من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وتحقيق مطالب الحراك.

ولأننا في دولة تصادر باستهجان صوت المواطن والشعب، دولة تحرص على رضى المؤسسات الدولية ولا تعبأ برضى الشعب أو سخطه، دولة ترتعد من الإعلام العالمي ومن تقارير المنظمات الحقوقية الدولية في مقابل عدم إكتراثها بالإعلام المحلي والوطني ولا بالهيئات الحقوقية الجادة وطنيا، فإن حراك ريفيو الشتات له أهميته القصوى في هذه المعادلة. الأمر الذي يستوجب وبإلحاح تلاحمهم وتوحدهم على ميثاق مشترك قائم على مطلبين:
– إطلاق سراح معتقلي الحراك الشعبي بالريف وكل معتقلي الرأي والإحتجاجات الشعبية،
– تحقيق الملف المطلبي الذي رفعه الحراك بالريف.
ولذلك بات من الملح: تقوية كل أشكال العمل المشترك، الإنفتاح على المؤسسات والتنظيمات المتعاطفة مع قضية معتقلي الحراك والحرص على اكتساب متعاطفين جدد، إيصال صوت المعتقلين ومعاناتهم ومطالب الريف إلى كل المؤسسات والرأي العام الأوروبين، فضح إنتهاكات حقوق الإنسان بالريف سواء من حيث التهميش والتفقير والتجهيل والتهجير والترهيب الذي يعاني منه أهله، أو من خلال ما تعرض له معتقلو الحراك من إختطافات وإعتقالات تعسفية وتعذيب ومحاكمات صورية وتشتيت على مختلف السجون النائية، كل ذلك انتقاما منهم على إحتجاجاتهم السلمية والحضارية التي دامت لشهور والتي طالبوا من خلالها بمطالب عادلة ومشروعة.

إن نصرة حراك الريف ومعتقليه لن تتحقق بالخطابات الطائشة الشاردة ولا بثقافة التخوين والزعامات الوهمية أو بعقلية مدمرة للذات وللآخر، وإنما تتحقق بترسيخ الثقة في الذات والآخر وتعميق ثقافة الحوار والتعايش والإعتراف المتبادل والعمل المشترك المبني على قواعد واضحة ومتوافق عليها.

ومن أجل إنقاذ الريف وأبنائه وبناته من الإنتقام الممنهج المسلط عليه وعليهم، من أجل إيقاف النزيف الرهيب الذي يعاني منه الريف: معتقون بالمئات مشتتون على سجون الوطن حيث يعانون الويلات، تشريد عائلات، إعتقال ومحاكمة الأطفال والنساء، زرع الرعب في المنطقة وتشديد الحصار عليها، تكميم الأصوات الحرة، توزيع قرون من السنوات سجنا نافذا في حق شباب ذنبهم أنهم طالبوا بمطالب بسيطة، تسخير الإعلام المنحط لتشويه الحراك ونشطائه، تجريم التآزر بين ريفيي الداخل والخارج.
من أجل كل ذلك يتعين على ريفييي وريفيات الشتات وقف تخوين بعضهم البعض وتجنب الصراعات الهامشية التي لا تعمل إلا على خدمة الخصوم الحقيقين لحراك الريف، مع الحرص إجمالا على تجنب كل ما يعرقل تحقيق الهدف الأسمى والمشترك: الدفاع عن قضية حراك الريف: إطلاق سراح كافة معتقلي الحراك السياسيين وتحقيق ملف الحراك المطلبي . علما أن قضية بحجم قضية حراك الريف ليس بمقدور أي فرد أو طرف أن يتحمل مشاق الدفاع عنها بمفرده، كما ليس من حق أي كان أن يدعي تملكها لوحده، إنها قضية الجميع والجميع مدعو للإسهام كل من موقعه وبحسب إمكانياته في أداء واجبه في الدفاع عنها. وفِي ذلك فليتنافس المتنافسون وليتعاند المعاندون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.