وجهة نظر.. رضى بن عثمان يكتب: الدولة الإسلامية في خدمة المشروع الصهيوني

الصورة:مقارنة بين مشروع إسرائيل الكبرى (يمين الصورة) و الحدود الحالية للدولة الإسلامية

رضى بن عثمانرضى بنعثمان

الحديث عن ظاهرة “داعش” أو ما يعرف بـ “الدولة الإسلامية” يتطلب اعتماد منهجية شاملة في التحليل. فالمعطيات الأولية التي يوفرها الإعلام تفيد أننا بصدد منظمة تمثل إسلاما متطرفا خرج من رحم “تنظيم القاعدة” وتحول إلى كيان مستقلا بذاته يحمل اسم “الدولة الإسلامية”. وهذا “الكيان” “الدولة” بات يمثل “فاشية خضراء” وفقا لتعبير الفيلسوف الفرنسي المثير للجدل “برنار أنري ليفي” الذي لا يخفي دفاعه عن الصهيونية، وهو التوصيف الذي يتقاسمه معه أغلب المدافعين عن المشروع الأطلسي بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية.

نحن إذن، بصدد التحول من مخطط الحرب على إسلام تنظيم “القاعدة” ، مع كل التجاوزات والمبالغات التي عرفتها تلك الحرب، إلى الحرب على دولة خلافة البغدادي بوصفها شبكة إرهابية أكثر تنظيما واحترافية في القتل، وتواجدا على الأرض.

لكن مع أخذ مسافة مع ما يجري من أحداث في المنطقة، يتبين أن المعسكر الأطلسي، حليف إسرائيل، لم  يحسم الحرب في الشرق الأوسط ويجد صعوبة في هزم نظام بشار الأسد في سوريا، اختار تنفيذ استراتيجية ترتكز على ترك الفوضى مستمرة مع القدرة على التحكم فيها لإطالة عمر الصراع أكبر مدة من الزمن. وهذا الخيار منسجم تماما مع طريقة تدبير الصراعات العصرية حيث لا تستطيع الولايات المتحدة مهما بلغت قوتها العسكرية أن تحكم السيطرة على بلد معين من الخارج خاصة في الفترة ما بعد الاستعمار التي أعقبت الستينات من القرن الماضي. بالمقابل يستطيع الحلف الأطلسي تدمير دولة ما حتى لا تقوم لها قائمة، مثل ما شهدته ليبيا التي تحولت اليوم إلى فوضى عارمة (و دائما بإيعازمن شخصية صهيونية كبرنار أنري ليفي)، أو العراق الذي انهار نهائيا مع الإطاحة بصدام حسين.

ولعل من بين أهم الأسئلة التي ينبغي طرحها اليوم، هي من أين يأتي تمويل “الدولة الإسلامية”؟ و من يستفيد منه؟ ومن يزود أولئك “الجهاديين” بالمعدات العسكرية ووسائل التنقل.. إلخ؟ الظاهر أنها معدات غربية تتكون من شاحنات أمريكية ومعدات إسرائيلية، فرنسية، وبريطانية,, أما الدعم المادي فيعتقد أن جزء كبير منه يأتي من قطر، وحتى تاريخ قريب من المملكة العربية السعودية قبل أن تراجع موقفها مؤخرا بخصوص دعم “الدولة الإسلامية” (فقد ساندت السعودية خلال 35 سنة الأخيرة جميع الجماعات الجهادية قبل ظهور |القاعدة” وليس انتهاء بـ  “جبهة النصرة” و “داعش”).

و المعروف أن العربية السعودية و قطر، هما مجرد قواعد عسكرية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية. فهاتين الدوليين تعيشان تحت رحمة وحماية الولايات المتحدة الأمريكية، ولا دور استراتيجي لهما خارج الإطار الأمريكي (انظر عقد كوينسي المبرم سنة 1945 بين ابن سعود و الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت). وقطر و السعودية تحركان “الجهاديين” على المستويين المادي و الأيديولوجي. والأيديولوجية المهيمنة على “الدولة الإسلامية” هي عقيدة التكفير. وهي عقيدة لا علاقة لها بالإسلام أو بالمذهب الوهابي. فالتكفير عقيدة منحرفة وشديدة التطرف تولت “المخابرات” السعودية نشرها على أوسع نطاق بمباركة أمريكية. ولو كان الأمر خلاف ذلك، لتمت الإطاحة بآل سعود كما أطاح الأمريكان بمحمد رضا بهلوي شاه إيران حين راودته فكرة الحصول على السلاح النووي والمساهمة في رأسمال الشركة الفرنسية “أوروديف” أواخر السبعينات. فالشاه حلم يوما أن تستعيد بلاد فارس دورها كقوة إقليمية فأزيح كما أزيح قبله الوزير الأول الإيراني محمد مصدق سنة 1953 عندما حاول تأميم نفط بلده.

“الدولة الإسلامية”  تابعة أيديولوجيا و ماديا لدولتين لا تمتلكان أي قدرة للدفاع عن سيادتهما، و لو تم هذا الدعم خارج الإرادة الأمريكية لتمت الإطاحة بنظامي قطر والسعودية في أقل من أسبوعين.

ومن هنا نفهم لماذا أن “مجاهدي” “الدولة الإسلامية” لا ينشرون الدمار في أمريكا ولا في أوروبا وإنما في الشرق الأوسط للإمعان في تخريب المنطقة ومسح دولها من الوجود.

ولذلك ينبغي طرح السؤال: ما الذي  تستفيده شعوب المنطقة من هؤلاء المقاتلين؟ الجواب هو لا شئ. لأن المقاتلين يخلقون الدمار و العنف و يحولون حياة الأقليات الشيعية و المسيحية بل حتى الأغلبية السنية إلى جحيم.

هدفهم الوحيد هو إشعال الحروب الطائفية بين السنة و الشيعة لحرق الشرق الأوسط ومنع دوله وشعوبه من الوجود. إن المستفيد قطعا، من هذا الوضع هو الكيان الصهيوني لأنه الرابح الأكبر من هذا الدمار المحيط بحدوده، ولأنه سيساعده على إدراك شيئين هامين لحياته واستمراه. الأول، أن حدود  الكيان الصهيوني، الحالية غير كافية لاستمرارية دولة اسرائيل . وثانيا، إن هذا الكيان يعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية وهو يدرك أن هذا الدعم غير المشروط قد يتوقف حالة استفاق الشعب الأمريكي يوما من سباته فيدرك بطبعه الإنعزالي أن سياسة حكومته في الشرق الأوسط لا تخدم مصلحته وهو ما يعني نهاية إسرائيل إذا ما انقطع عنها الدعم الأطلسي. وقد أفرد الكاتبان “جون ميرشمير” و “ستيفن فالت”  لهذا الطرح كتابا بعنوان « The Israel Lobby and US Foreign Policy » يشرحان فيه كيف أصبحت أمريكا تحت السيطرة الصهيونية العالمية و ليس العكس.

كما أن دهاة الصهاينة  يدركون أنهم في حاجة ماسة إلى مزيد من المساحات الحيوية والتحكم في موارد الطاقة من أجل الاستغناء في مرحلة مقبلة عن الدعم الأمريكي، ولذلك نرى الكيان الصهيوني يسعى دائما و بلا كلل إلى تحقيق مشروع “إسرائيل الكبرى” المختوم على عملته والمرسوم على رايته التي تشير إلى حدوده من النهر إلى النهر أي من النيل إلى الفرات.

ولتسويق مشروعها التوسعي على مستوى الدولي، تعتمد إسرائيل على تبرير حروبها “الوقائية” المفضية دائما إلى احتلال أراضي جديدة على أنها ضرورة وقائية. وهذا ما حصل بالأمس في سيناء والجولان، ويحصل اليوم في الضفة الغربية بعد الحرب على غزة. ولإنجاح مشروعها التوسعي، تحتاج إسرائيل إلى شرق أوسط يعمه التطرف ويحكمه إسلاميون متشددون يجاهرون بعدائهم للغرب، ولليهود وللمسيحيين كي يسهل على الكيان تسويق فكرة للتحالف “اليهودي-المسيحي” والتي نشأت بطريقة غامضة أواخر القرن التاسع عشر. لذلك فإن الدمار الذي تحدثه “الدولة الإسلامية” لا يخدم سوى مصلحة إسرائيل. ولذلك سنرى الغرب في المستقبل، تحت تأثير وسائل الإعلام والسياسيين، يقرر أن إسرائيل وحدها من تستطيع تحقيق الأمن في المنطقة وحماية الأقليات والتصدي لموجة “الجهاديين” العائدين إلى أوروبا لإثارة الفوضى، حسب زعمهم. وستظهر إسرائيل في طليعة العالم الحر، وتقدم على أنها الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط. من أجل كل ما تقدم، ستعطى لاسرائيل الشرعية لقيادة هذا المشروع على أن يتم تنفيذه من قبل جنود من جنسيات أخرى غير يهودية يذهبون للقتال بدل الإسرائيليين وفق نبوءة تلمودية خبيثة تقول إن حربا عظيمة ستقع آخر الزمان بين الغرب والشرق وأن الشعوب سترغب في الاقتتال إلا أنها ستتوقف بعدما تدرك أن المستفيد الوحيد من تلك الحرب هو شعب اسرائيل، ولذلك ستبدل الشعوب قصار جهدها لتفادي نشوب الحرب إلا أنها ستدخل المواجهة مرغمة.

للأسف، هذه هي الخلفية العقدية التي نستطيع من خلالها تحليل الجذور الأيديولوجية لظاهرة “الدولة الإسلامية” التي لا وجود لها خارج التخطيط الصهيو- أمريكي للصراع الحالي في منطقة الشرق الأوسط. فالقصف الأمريكي لبعض مواقع “الدولة الإسلامية” لا يعدو أن يكون محاولة  لمحاصرتها في مساحات مقبولة وحتى لا تخرج عن استراتيجية “الفوضى الخلاقة” التي لن يكون فيها لا غالب و لا مغلوب فتستمر الحرب أكبر وقت من الزمن ينهك فيها الجميع، وهي نفس الاستراتيجية التي تبنتها أمريكا خلال الحرب بين العراق و إيران. حرب دامت 8 سنوات لم ينتصر فيها  أي من طرفي النزاع، وخرج الاثنان منهكان حيث ارتكب  صدام حسين خطأ فادحا حين اعتقد أن أمريكا ستساعده في حسم الحرب لصالحه فأدى الثمن غاليا وأدى ذلك إلى تدمير بلد مزدهر، آمن يستوعب جميع الديانات والأقليات وتصرف فيه عائدات النفط  لتحديث المجتمع و تطوير البنيات التحتية.. لا كما يحصل اليوم من تهريب للنفط العراقي عبر تركيا و اسرائيل…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.