وجهة نظر: خطاب العرش..الأحزاب السياسية بين المدح والهجاء

أحمد ابن الصديق

لم يسبق للملك محمد السادس  أن هاجم الأحزاب السياسية المغربية في خطاباته كما فعل في خطاب عيد العرش الأخير الذي ألقاه ليلة السبت الماضي 29 يوليو 2017  حيث ورد فيه:

“فعندما تكون النتائج إيجابية، تتسابق الأحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، إلى الواجهة، للاستفادة سياسيا وإعلاميا، من المكاسب المحققة.أما عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه.”

كما ورد في نفس الخطاب بالحرف : “وإذا أصبح ملك المغرب، غير مقتنع بالطريقة التي تمارس بها السياسة، ولا يثق في عدد من السياسيين، فماذا بقي للشعب؟لكل هؤلاء أقول : كفى، واتقوا الله في وطنكم… إما أن تقوموا بمهامكم كاملة ، وإما أن تنسحبوا.”

وأخيرا أضاف الملك قائلا  :”إن بعض الأحزاب تعتقد أن عملها يقتصر فقط على عقد مؤتمراتها، واجتماع مكاتبها السياسية ولجانها التنفيذية، أو خلال الحملات الانتخابية.أما عندما يتعلق الأمر بالتواصل مع المواطنين، وحل مشاكلهم، فلا دور ولا وجود لها. وهذا شيئ غير مقبول من هيآت مهمتها تمثيل وتأطير المواطنين، وخدمة مصالحهم.ولم يخطر لي على البال، أن يصل الصراع الحزبي، وتصفية الحسابات السياسوية إلى حد الإضرار بمصالح المواطنين. فتدبير الشأن العام، ينبغي أن يظل بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية، وعن الخطابات الشعبوية، وعن استعمال بعض المصطلحات الغريبة، التي تسيئ للعمل السياسي.”

هذا الاستياء الملكي العميق  والمفاجئ من الأحزاب السياسية يستحق أن يُقارن بما تضمنته برقيات التهنئة التي كان نفس الملك يرسلها لزعماء الأحزاب السياسية بعد انتخابهم من طرف مؤتمراتهم الدورية في مناصب القيادة الحزبية، و سنأخذ على ذلك بعض الأمثلة:

  • في أواخر شهر يناير 2016 أرسل الملك محمد السادس ببرقية تهنئة إلى السيد إلياس العماري بمناسبة انتخابه أمينا عاما لحزب «الأصالة والمعاصرة» مُعربا عن «خالص تهانيه للعماري، على الثقة التي حظي بها من قبل المجلس الوطني للحزب»، معتبرا أن انتخابه على رأس الأمانة العامة، يؤكد مدى التقدير الذي يحظى به لدى عضوات وأعضاء هيأته السياسية ، واعتبارا لتجربته السياسية، إضافة إلى التزامه القوي بالدفاع عن مبادئ الحزب وقيمه».
    وأشاد الملك بخصال العماري قائلا: «ولاشك أنك، بفضل ما تتحلى به من خصال إنسانية، وما هو مشهود لك به من كفاءة وروح المسؤولية، وما هو معهود فيك من تشبث مكين بمقدسات الأمة وثوابتها، لن تدخر جهدا في قيادة حزبك من أجل تعزيز مكانته في المشهد السياسي الوطني، للنهوض بفعالية بمهامه الدستورية في تأطير المواطنين، ومواصلة إسهامه الواعي والمسؤول، على غرار الهيآت السياسية الوطنية الجادة في المجهود الجماعي لإنجاز أوراش التنمية، والتحديث المهيكلة، وطنيا وجهويا ومحليا، لما فيه خدمة المصالح العليا للوطن والمواطنين».
    وأضاف: “وإذ نشيد بسلفك الأمين العام السابق، مصطفى الباكوري، فإننا لنطلب منك إبلاغ جميع أعضاء الحزب عبارات تقديرنا السامي، معربين لك عن متمنياتنا الخالصة بكامل التوفيق والسداد في النهوض بمسؤوليتك القيادية الحزبية”.

  • وخلال شهر مايو 2017 هنأ الملك السيد إدريس لشكر بمناسبة إعادة انتخابه كاتبا أول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من طرف مؤتمره الوطني العاشر. وأعرب الملك، في برقية التهنئة، عن أصدق تهانئه للسيد لشكر على تجديد مناضلات ومناضلي الحزب لثقتهم في شخصه. ومما جاء في هذه البرقية: “ولنا اليقين، أنك، بفضل ما تتحلى به من خصال، وما هو معهود فيك من غيرة وطنية صادقة، وتشبث مكين بثوابت الأمة ومقدساتها، ستواصل النهوض بمهامك القيادية الحزبية، من أجل تعزيز مكانة حزبك في مشهد سياسي وطني تعددي، لمواصلة انخراطه، إلى جانب المنظمات السياسية الجادة، في توطيد النموذج الديموقراطي التنموي لبلادنا، خدمة للمصالح العليا للوطن والمواطنين”.

وأضاف “وإذ نطلب منك إبلاغ كافة أعضاء الحزب وهيآته عبارات تقديرنا السامي، فإننا ندعو الله تعالى أن يلهمك التوفيق والسداد في مهامك الحزبية والسياسية”.

أما آخر برقية تهنئة للسيد عبد الإله بنكيران بعد إعادة انتخابه أمينا عاما لحزب العدالة والتنمية  فقد تضمنت ما يلي: “وإن تجديد الثقة في شخصك الموقر ليعكس مدى التقدير الذي تحظى به لدى مناضلات ومناضلي الحزب٬ اعتبارا لمسارك النضالي المتميز٬ ولما تتحلى به من غيرة وطنية صادقة٬ ولما هو مشهود لك به من تفان ونكران ذات في الدفاع عن مبادئ الحزب٬ وحرص على تعزيز حضوره الفاعل في المشهد السياسي والحزبي الوطني”.

أما برقية التهنئة التي بعث بها الملك إلى السيد حميد شباط بمناسبة انتخابه في عام 2012 أمينا عاما لحزب “الاستقلال”٬ فإنها تصف السيد شباط بـ “مناضل القرب”، وجاءت صيغتها كالتالي “إن انتخابك على رأس الأمانة العامة لحزب الاستقلال ٬ ليعبر عن الثقة التي وضعها فيك مجلسه الوطني ٬ بفضل ما أبنت عنه من تفانٍ في خدمة مصالح هذا الحزب ذي الرصيد الوطني المتميز ٬ سواء كمناضل تدرج في صفوفه ٬ أو كقيادي ملتزم ومثابر ٬ مؤمن بنضال القرب”.

  • وفي نفس السنة 2012 وجه الملك برقية تهنئة للسيد إدريس لشكر على إثر اختياره كاتبا أولا لحزب الاتحاد الاشتراكي،  تضمنت عبارات التنويه  بـما “يتحلى به (لشكر) من مؤهلات فكرية عالية٬ وتجربة سياسية واسعة٬ والتزام بالدفاع عن مبادئ الحزب وقيمه التقدمية”ووصفت الحزب بأن له “حضوره الوازن في المشهد السياسي الوطني”، و”إسهامه الفاعل٬ بمعية مختلف الأحزاب الوطنية٬ في توطيد النموذج الديمقراطي والتنموي للبلاد”. أما السيد إدريس لشكر فقد وصفته البرقية بأنه: “يتمتع بغيرة وطنية صادقة٬ وتشبث مكين بثوابت الأمة ومقدساتها٬ وخصال رجل الدولة المحنَّك٬ وروح المسؤولية العالية”.

أمام هذه المفارقات  يحق التساؤل ما الذي حصل لكي يحصل هذا التحول الجذري من عبارات التنويه والمديح إلى التوبيخ و الهجاء ، علما أن كل هذه البرقيات كتبت بعد دستور 2011 و أن نفس المسؤولين الحزبيين لا زالوا في مواقع القيادة الحزبية  ؟

ahmed.benseddik@gmail.com

تعليق 1
  1. يحنى داود الابرشي يقول

    عندما ياتي الوقت المعلوم وتكنون على قلب رجل واحد سوف تنجحون في زجر من يسخر من ذكائكم.وتمسحون عنكم عار العبودية ، وتتعلمون دينكم من دون شرك او تاويل فاسد …وتعانقون الحرية من المحيط الى الخليج العربي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.