وجهة نظر..خالد الشرقاوي السموني يكتب عندما لا تنصف الإدارة بعض الأطر الأكفاء

توصلنا بمقال للاستاذ خالد الشرقاوي السموني الرئيس السابق للمركز المغربي لحقوق الإنسان يتحدث فيه عن بعض الطاقات المغربية التي تم نبذها وتعرّضت لكثير من المضايقات بسبب استقامتها وكفائتها، وكأن الادارة المغربية لا تعترف بالكفاءات، بل تبحث عن أصحاب “السنطيحة” و البارعون في خلطة “دهن السير اسير”، المقال يشير إلى حالات عدة لكفاءات مغربية مشهود لها بالاستقامة والمردودية لكنها أصبحت عرضة للتهميش والاقصاء والتعذيب النفسي، لا لشيء إلا لأنها لم ترد أن تغض الطرف عن الفساد وإهدار الثروات الوطنية.
  بيد أن المقال يركز أكثر على حالة المهندس أحمد بن الصديق الذي تعرض لتلفيق تهمة عدم احترام الملك واضطر لمغادرة عمله بعد أن كشف الفساد وجملة من الاختلالات بشركة Sothermy  المشرفة على مشروع “حامة مولاي يعقوب”، ورغم طرقه لمجموعة من الابواب، وبل راسل حتى الديوان الملكي إلاّ أنه في كلّ مرة كان الجواب “لا حياة لمن تنادي”، إلى أن قرّر أخيرا كردّ منه على هذا التواطئ مع اركان الفساد وعدم انصافه إلى كتابة رسالة شهيرة يعلن فيها خلعه البيعة عن الملك.
المهندس أحمد بن الصديق بعد عزله من العمل وبعد كلّ المضايقات ما زال يناضل من أجل وطن حرّ بدون فساد وبدون استبداد. وفيما يأتي المقال كما توصلنا به:
خالد الشرقاوي السموني
 

كثيرا ما نعايش حالات أطر أكفاء نبذتهم الإدارة المغربية ومارست في حقهم التهميش والإقصاء والتعذيب النفسي، فمنهم من قدم استقالته وغادر الادارة العمومية في اتجاه القطاع الخاص، ومنهم من هاجر إلى الخارج بحثا عن العمل في مؤسسة هناك تعترف بقدراته متمنيا عدم العودة إلى بلده من جراء الظلم الذي عاناه، و منهم من بقي في إدارته مهمشا دون مهمة أو عمل، ومنهم من تعرض لأزمات نفسية أدت بهم الى التشاؤم أحيانا و التطرف الفكري والعدمي أحيانا أخرى.

وقد تعرفت من خلال تجربتي المهنية والجمعوية عن بعض الأطر الذين نسجت معهم علاقات صداقة ، وأذكر على سبيل المثال الأستاذ يحيى اليحياوي الذي تقلد مسؤولية باتصالات المغرب، حيث تم تجريده من المسؤولية من قبل الرئيس المدير العام للمجموعة عبد السلام أحيزون بسبب إصداره كتاب حول “الاتصالات”، و المهندس محمد بلحسن الذي تقلد مسؤولية بالشركة الوطنية للطرق السيارة بالمغرب، وتم عزله من مهامه من قبل المدير العام للشركة الفاسي الفهري بإيعاز من وزير التجهيز آنذاك عمرو تغوان، بسبب رفضه لإدراج شاحنة مهترئة في الخدمة ضمن ورش بالخميسات بمقابل باهض، و أحمد ابن الصديق الذي تقلد مسؤولية بصندوق الإيداع والتدبير، وعندما كشف عن مجموعة من الاختلالات بشركةSothermy    المشرفة على تدبير “حامة مولاي يعقوب”  التابعة ل “CDG  ، عزله المدير العام مصطفى الباكوري. وهؤلاء الأطر من خيرة ما عرفت من رجالات المغرب من الناحية الأخلاقية و والمهنية والعلمية، بكل موضوعية وبدون مجاملة أو زيف ادعاء.

وسنقتصر في المقالة على حالة الأستاذ أحمد ابن الصديق، حيث تعرفت عليه خلال سنة 2007 عندما قدم إلى المركز المغربي لحقوق الإنسان شكاية لمؤازرته وإنصافه ، بصفتي رئيسا للمركز. فهذا الشاب المهندس خريج المدرسة المركزية بباريس Ecole Centrale de Paris. جلست معه ، واستمعت إلى أغرب حكاياته خلال مساره المهني وبالخصوص بحامة مولاي يعقوب عندما كان مديرا عاما للشركة.

حيث كشف لي ولكثير من المسؤولين عن بعض جوانب الفساد الذي وجده في تلك الحامة، نذكر مثلا ، أن بناية الحامة الشعبية لا تبعث على الطمأنينة، بعد أن وصل لأحمد ابن الصديق أول تقرير لخبرة تقنية يحذر من خطر انهيارها، وبعد ثلاثة أشهر أكدَّت خبرةٌ تقنية ثانية نفس المخاوف. وفي نفس الوقت  قدم بدائل لإعادة هيكلتها على أسس علمية وطبية.

كان طلب الخبرة الثانية قرارا لـمجلس إدارة الحامة يوم 7 مارس 2006، تحت رئاسة والي جهة فاس بولمان آنذاك محمد الغرابي، بناء على اقتراح من عبد السلام أبو درار، الكاتب العام للصندوق حينها.

فأخبر السيد أحمد بن الصديق المدير العام للصندوق، مصطفى الباكوري ، فلم يطلب تحقيقا في الموضوع، بل قام بعزله من المسؤولية أواخر شهر ماي 2006 ، كما وجهت له إدارة  لصندوق CDG تهمة عدم احترام الملك ، وذلك يوم 15 شتنبر 2006.

وقد راسلتُ الوزير الأول السيد عباس الفاسي، من موقعي كرئيس للمركز المغربي لحقوق الانسان آنذاك، مطالبا بتحقيق دقيق ونزيه وأرفقت رسالتي بتقرير وببعض الوثائق، وراسلتُ وزير العدل كذلك سنة 2007، ولكنني لم أتوصل بأي جواب. وبالرغم من دخول العديد من المنظمات الحقوقية وحتى السياسية على الخط، فقد بقي ملف أحمد ابن الصديق معلقا إلى يومنا هذا.

إن الفساد  داخل ” صندوق الإيداع والتدبير”، الذي أراد  المهندس أحمد ابن الصديق فضح جزء منه منذ 2006، هو نفسه الفساد الذي أطل اليوم برأسه من مشروع “باديس” بالحسيمة. يتعلق الأمر بمشاريع عمرانية تابعة للصندوق في مدينة الحسيمة. (مشروع “باديس” السكني الذي شيدته “الشركة العقارية العامةCGI “، الذراع العمراني لـ“CDG”)، قبل أن يكتشف الزبناء عدة اختلالات في البناء والتصميم والتجهيز، فحملوا شكاياتهم إلى الملك أثناء عطلته بالحسيمة، لينفجر “الغضب الملكي” في وجه مدير الصندوق وبعض كبار أطره الذين سيُستدعون لتحقيقات ماراثونية مع الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، مازالت التحقيقات جارية.

خلاصة القول، لو تم الإنصات بموضوعية وصدق لتظلمات هؤلاء الأطر وإنصافهم، وهم الذين، حين تبوءوا مناصب المسؤولية، لم يقبلوا بلغة النفاق والتزلف وتبادل المصالح والإثراء الفاحش على حساب المواطنين البسطاء، ومقدرات الوطن، لوفرت الدولة لخزينتها مئات الملايير من الدراهم، ولتفادت تظلمات المواطنين، الذين يحتجون في كل مكان وفي كل مناسبة، بل منهم من اختار الرحيل عن أرض الوطن، ومنهم من انزوى وضاعت الدولة في كفاءتهم، ومنهم من أصيب بأمراض نفسية وعضوية، ومنهم من اتخذ خيار الانتحار، ومنهم من تطرف فكريا وربما عقديا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.