وجهة نظر ..جهوية الاستثناء المغربي

محمد السقفاتي
شيد الشارع في وسط امزورن عند نقطة المقبرة بشكل مثير للأنظار وهو يتراءى للناظرين وكأنه بني بلبنات ياجور صخرية مستطيلة الشكل وفي لون الأسفلت .
إذا ما غضضنا النظر عن لونه، فإنه يشبه الى حد بعيد تلك الشوارع الأوروبية التي وظفوا في بنائها اللبنات الرومانية بدل الأسفلت لأسباب متعددة منها، أثمانها الإقتصادية الرخيصة وسهولة عملية ترميمها أو تبديل بعضها ببعض إن وجدت حاجة الى ذلك، انشاء فرص عمل لدعم شركات أو أيدي عاملة محلية، إضافة الى، وهذا هو الأهم، أن اللبنات تشتغل في حالة تساقط الأمطار، كنسيج يمتص الماء حيث يتركه يتسرب الى عمق التربة من خلال الفراغ الذي يوجد بين لبنة وأخرى، فتُحمى الشواع بهذه الطريقة ضد الفيضانات وتكدس المياه التي قد تسبب أضرارا للمدينة أو إزعاجا لمستعملي الطريق وأخص بالذكر المارة…
شكل اللبنات في شارع امزورن يوهم فقط .. لأنك ما ان تتأمل سطح الشارع حتى تظهر الحقيقة. إنه أسفلت قح.. فقط تم الرسم على سطحه بعد عملية الوضع والضغط والتثقيل.
ستدرك لحظة أن اليد العاملة المحلية لم تستفد من عملية وضع الأسفلت ولم تتم العملية مع تدبير وتوفير المصاريف لأجل مشاريع أخرى، كما أنها لا تقوم إلا بتضخيم مشكلة التساقطات المطرية…
إن هذا المثال سيدخل موسوعة ما يطلق عليه ‘ النموذج المغربي’.ويشبه الى حد بعيد تصور الدولة بخصوص موضوع الجهوية المغربية المحلية الصنع: لا جهوية اسبانية ولا بلجيكية ولا اسكتلاندية. إنها جهوية كأسفلت شارع مدينة إمزورن.. جهوية دون لوازمها المتعددة ودون أحد وصفاتها أو وظائفها الكثيرة..
كل ما حدث هو مجرد استنساخ لصورة وإسقاط إسمها عليها، لكن بعد أن تمت عملية قتل روحها وتفكيكها ونزع كل أجزائها ومكوناتها منها.
وأنت تقصد أحد المحلات في إمزورن وتمر على الشارع ستدرك أنه شارع أسفلتي حديث النشأة ولا يشبه الشوارع الأوروبية التي تحدثت عنها  لا في المضمون ولا في الشكل.. إن تخلصنا طبعا من دهشة الإيهام والإيحاء الناتج عن النظرة الأولى إليه.
الجهوبة مصطلح الحاويات (notion de conteneur) ويختلف في الشكل وفي المضمون من دولة لأخرى . يُملأ هذه الحاوية بمضامين مختلفة حسب المنطقة وميزاتها وثقفاتها وما تريده السلطة أن تحميه منها أو تعزز وجوده أكثر..
لكن في كل الأحوال فالجهوية حصيلة يتم الوصول إليها من قبل سلطة حاكمة في دولة ما كتعامل مع وضع واقعي قائم يعرف تميزا داخل خريطة الوطن الكبير بنية وبهدف خدمة هذا الوطن بدل خدمة السلطة المتحكمة في رقابه وتقاسم أو توزيع هذه السلطة/الحكم بين الناس…
لكن حالة المغرب دائما هي إستثنائية.. فمادام الحكم في المغرب مخزني  أي ‘ أسفلتي’  مجازا وينفرد به المخزن لوحده.. هذا المخزن الذي من طبيعته الاستحواذ والإنفراد بالسلطة أو ‘تقاسمها’ مع  أذياله الذين يخدمون مصلحته أكثر مما يفعل هو نفسه و يقدر على فعله، فلن يستطيع هو صناعة شارع أوروبي ولا نحن ستتاح لنا فرصة وضع أقدامنا عليه، مهما تعدت تسمياته (لامركزية، جهوية، جهوية متطورة، حكم ذاتي موسع -عميق أو متطور،)
لن أدخل كثيرا في متاهات التقسيم الجهوي الذي يشبه إلى حد بعيد تقسيم مدينة الدار البيضاء الى أكثر من عمالة بعد أحداث 1981 لهدف التحكم الأمني وقطع روابط الصلة والتواصل بشكل معين بين سكانها لكي لا تتكرر الأحداث.
المخزن لا يؤمن إلا بكيانه وبالسلطة المطلقة التي بين يديه وبجهات نفوذه، أما الجهوية فلا توجد في أي شكل من أشكالها في عقل المخزن.
في تصوراته السائدة توجد فقط جهوية واحدة (الحكم الذاتي) وهي في ذاتها جواب دبلوماسي وأملتها الضرورة لتعزيز أحد ثوابت المخزن الذي بختزله شعار “الصحراء مغربية” كرد فعل للحيلولة دون أن يحقق منازعه في هذا الملف هدف الإستقلال الذي سطره…
التقسيم الجهوي مثلا للصحراء المتنازع عليها، الى جهتين، وتعيين الحاكم من طرف رئيس الحكومة (إقرأ صاحب الحكومة) ماهو إلا إجراء مؤقت أملته الظروف الدولية وظروف الصراع المحلي  ويراد به أو منه عمل الحساب لخطى قادمة لأجل الحيلولة دون أن يطرأ على الواقع أي تغيير، أو على الأقل دون أن يحقق الطرف الآخر في الصراع هدفه أو يقترب من تحقيقه.
نفس الشيء يحدث في تعامل السلطة مع باقي المناطق المتميزة جغرافيا وتاريخيا أو ثقافيا كالريف مثلا، بحيث يتم تفكيك التماسك وتأصيل بعض الروابط بين الناس وزرع بذور  ‘فَرِّقْ’ ليبقى الحكم والسيادة في يده وحده دون أن يكون له أي منازع.
أسال التقسيم الجهوي الأخير من حبر ما لم يسله أي موضوع آخر في جهة الريف وأساء كثيرا الى الطريق الذي نحلم به والذي يؤدي الى “الوطن في العين”. فتجد الناس يجادلون فيما بينهم ويتنازعون عن أي جهة يحب أن نشكل وأي عاصمة ستختار؟ وكأننا أصبحنا فعلا جسدا للمثل الريفي الذي يقول:
Nassagh isarman gi rabhar ..بمعنى نشتري السمك وهو لم يصطد بعد.. نُوهم أنفسنا أن شيئا ما تغير فندافع عن القانون وعن القوانين التي تحيل دون ادراك ذلك التغيير. نُوهم أنفسنا بأن السلطة رهن التشاركية والإقتسام.وأن هناك من المبادرات ما يجعلنا نرجح الكفة ونعطي الوقت أكثر لحاكم يزرع ألغام التقسيمات والتفريقات أكثر وأكثر..
الريف كيان واحد رغم تنوعه..علينا فقط أن نمسك بأقلامنا ونفديه: بتقدير الذات والدفع بها لخدمة هذا الوطن في العين. بالجبهوية بدل الجهوية، بطلب التسريع مثلا في إنجاز الطريق السيارة بين تازة والحسيمة لنتواصل.. لنجدد الروابط فيما بيننا..  لبناء جبهة متماسكة.. لإرساء مضادات وأسس تدحض هذا التقسيم والإنقسام بين مكونات الريف الكثيرة.. وتخلصنا نحن من الكثرة في الأوهام…

شارع امزورن2

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.