وجهة نظر: بؤس السياسة أم بؤس السياسيين ..؟؟؟

عبد الله أيت سي
تتغير الكثير من الأمور من حولنا سياسيا واقتصاديا و ثقافيا و علميا، ونحن مازلنا نرواح اماكننا لا رياح الربيع الثوري أتت بالتغيير من الناحية السياسية، ولا أفرزت نخبا جديدة وقادة جدد، ولا تمكن الشعب من انتزاع سيادته، ولا دكاكين الأحزاب تغيرت وفهمت أن هذه فرصتها لتعيد قدرا من الكرامة لهياكلها المسوسة، ولا تم تغيير نمط اشتغالها ولا دفعت بشباب متعطش للتجربة ليتحمل المسؤولية ،بقيت تزكي كل قرارات المخزن منذ أن داقت حلاوة البضخ ،لا يسارنا استطاع إفراز هرمون الوحدة النضالية في أفق الوحدة التنظيمية والفكرية، ولا وحد مجيمعاته في جبهة شعبية لمواجهة التحديات التي تواجهه من القيام بمهام التحرر والحد من سيطرة وتجذر التنظيمات الأصولية ” الإسلام السياسي”، المعادية للدولة العلمانية وحقوق الإنسان في كونيتها وشموليتها، والتي بفضل تجارتها في الدين وقدرتها على استمالة قدر هام من الأتباع والمريدين التي كانت لتتجه نحو اليسار منطقيا بحكم مشروعه السياسي وبحكم وضعها الطبقي .
إستطاع جزء من الإسلام السياسي أن ينتعش بحكم ولائه للمخزن وللراسمال العالمي وقدرته على تقديم خدمات مجانية له لم يستطيع اليمين تقديمها في مضى ،انتعش الإسلام السلفي والمصطنع للمعارضة في حين أنه ما انفك يقدم إشارات مرور قوية للمالكين للقرار السياسي بأنه مستعد للدخول في اللعبة متى اعطي له الضوء الأخضر لذلك و اليوم أتباعه يصوتون لاخوانهم المعتدلين شكليا.
لم تستطع البلاد الخروج من أزمتها الاقتصادية التي بدأت منذ النصف الثاني من ثمانينات القرن الماضي بتقويمها الهيكلي الذي لم يقوم سوى الحسابات البنكية الضخمة للكتلة الطبقية السائدة ،وافرغ جيوب الجماهير الشعبية ليرمي بها في دوامة من الفقر المذقع ،ولا الطبقة العاملة استطاعت الحفاظ على مناصبها وقوتها التي ترعب المالكين لوسائل الإنتاج، فكل سنة تفقد الآلف من مناصب الشغل وتنحدر الى صفوف الكادحين ،ولا الطبقة الوسطى استطاعت الحفاظ على امتيازاتها التي حققتها في الماضي فاصبحت قاب قوسين من أن تتحول إلى مجرد بروليتاريا ذهنية، تفقد السيطرة على الوضع الإجتماعي البئيس الذي يحيط بها بفضل توالي مسلسل الإجهاز المتواصل على قدرتها الشرائية، النقابات تحولت إلى مجرد أسوار تستوطنها الأشباح المناضلة ،وكلما نفخت ريشها هبت رياح البيروقراطية لتشتته أو تنتزعه وترمي به في الهامش ،لا مجتمع مدني إستطاع أن يستغل تناسله كتناسل النمل بتنظيم نفسه وطرح البدائل الممكنة للتنمية وأصبح مجرد زوايا تأخذ الصداقات من هنا وهناك وتثري جيوب مسيرها من مال عام مباح ،وجمعيات حقوقية تكتفي بإصدار بيانات ورصد خروقات والاحتجاج على كل هذا لتبقى شمعة تنير قليلا من الأمل وتوزعه على كداح الوطن لعلهم يؤمنون يوما بأن الحق ينتزع ولا يعطى ،بقي الطلبة فسيفساء هنا وهناك كلما تمكنوا من النهوض بفضل نضالاتهم المستميتة في الدفاع عن مجانية التعليم و عموميته، إلا و سقطوا مجددا في لعبة المراهقة والصبيانية الفكرية وعجزوا عن تدبير اختلافاتهم التي غالبا ما تكون تافهة ،بدون وحدتهم و استرداد منظمتهم النقابية سيستمر النزيف ،عطالة تزداد كل سنة وفقر يلف على جماجم واجساد الجماهير ،في النهاية لاصوت هنا يعلو على صوت الإستبداد والفساد ينقطع لحظات هبوب الجماهير الشعبية للساحات ليعيد الاشتغال كلما بح صوتها .
كثيرة هي الأشياء التي استطاعت الانسانية ان تكتشفها بسبب العقل الذي يتم الاستثمار فيه،وغالبا ما يتطلب ذلك اموالا بدأ بإنشاء دور للحضانة والتعليم الاولي،ومرورا ببناء مدارس نموذجية مجهزة بكل ما يحتاج له الاطفال من اجل نجاح تعليمهم وتربيتهم الى مستشفيات باختصاصات متعددة وتجهيزات تساعد او تمكن الاطباء من القيام بمهامهم وعلاج مرضاهم وتوفير الراحة الجسدية والنفسية لمرضاهم،ان الدول التي تحترم مواطنيها تكون فيه اجور التعليم والصحة والميزانيات المخصصة لهذه القطاعات هي الاولى ،قبل ميزانية المسيرين،انهم يعرفون ان مجتمعا بدون تعليم جيد لايمكن ان يرتقي الى مصاف التطور والتقدم بل سيبقى ابد الدهر يجتر التخلف ويعكس ابشع انواع الرذيلة سواء الاخلاقية او الانسانية ،كلما تعمقنا البحث في واقعنا وقمنا بقراءة متأنية له ، سنجد ان السنوات التي تالت الاستقلال الشكلي وسياسات الدولة المتعاقبة ادت بوضع التعليم الى مراتب متاخرة واصبح دور المدرسة المغربية هو تدجين المجتمع وتمجيد السلطة بل والاخطر من ذلك ان المناهج التعليمية لا تشبه ابدا ما يحدث من حولنا من تغييرات سريعة في التقدم العلمي،واصبح اغلبية رجال التعليم يؤدون دور ظابط التناقضات الاجتماعية والطبقية التي تلقي بظلالها على المجتمع نتيجة التفاوت الطبقي الصارخ بين من يملكون ومن لايملكون الا قوة عملهم ،ان هاته النتائج الكارثية في التعليم والمرتبطة اصلا بالاختيارات السياسية للنظام، و ذلك من منطلق تبعيته للامبريالية العالمية وخصوصا الفرنسية، والتي لها علاقة مباشرة بسوق الشغل، حيث عملت الدولة على الحد من التوظيف منذ ازمة الهيكلة في الثمانينات من القرن الماضي مع ما صاحبه من سياسة تقشف ادت الى بطالة وعطالة في صفوف حاملي الشواهد، وما تلاه من تصفية الشركات العمومية وشبه العمومية فيما يسمى بالخوصصة ،وما تلاه اخيرا من محاولة دق اخر مسمار في نعش التعليم العمومي والصحة العمومية بتقليص مناصب الشغل في انتظار تصفيتهما وخوصصتهما ،لتذهب مكتسبات الشعب كلها في مهب الريح بعد ان استطاع النظام السياسي المغربي تجاوز ازماته طوال نصف عقود ونيف من الصراع الطبقي، تارة ينتهي بفرض مخطاطاته وتارة بالتنازل للجماهير عن جزء من امتيازاته في فترات المد النضالي ،ولاغرابة اليوم ان نشاهد جملة من المخططات الجهنمية التي يحاول النظام تمريرها ،بعد ان رمم بيته الداخلي جراء زلزال الذي احدثته حركة 20 فبراير، وكذا ان يفقد فيه مزيدا من امتيازته ،لهذا فان اهم اشكال تواجهه الطبقات الشعبية وطلائعها التنظيمية والنضالية اليوم ودون انتظار هو الدفاع عن مكتسبات الشعب، والتي اصبحت في خطر محدق وستجعل المجتمع يعيش نظاما من القن او العبودية، بل ان اي تحرك يجب دائما ان يوجه هجوما بلا هوادة للتكتل الطبقي المسيطر من اجل الدفاع عن حق ابناء الشعب والاجيال القادمة من حقهم في تعليم مجاني وصحة مجانية وتشغيل و حقوق الطبقة العاملة بصفة عامة هذا لن يتاتى بطبيعة الحال الا بمزيد من النضال ومزيد من الوحدة في إنتظار التنظيم السياسي للطبقة العاملة.
هرمنا ولم تحن بعض تلك اللحظة التاريخية، وقد هرم ابائنا واجدادنا من قبلنا،هرمنا ولم يسقط الإستبداد ولا الفساد ولا حتى شيخ الحومة ولا مقدم البادية ،خرجنا بمئات الآلاف ولم يسقط سوى الظلم والقهر على رؤوس أبناء الشعب، هرمنا وهرم الوطن وأصبح كل شيئ يزداد فيه سوءا ،تغيرت الحكومات والبرلمانات وتغيرت ظروف الشعب للأسوأ، زيادات في كل شيء حتى الساعة، قمع لكل الحركات الاحتجاجية المطالبة بتحسين أوضاعها وان تعيش بكرامة ،هدمت المنازل على رؤوس ساكنها ،جمع الفراشة من شوارع القرى والمدن، طرد العمال وشردوا ،التعليم والصحة في خبر كان ،تحمل النساء الحوامل على الحمير وتغلق أمامها أبواب المستشفيات وتلد في الشوارع ،أطفال يهدر حقهم في التعليم فسخطوا واختاروا أن يكون أبناء شوارع،ركب الكثيرون قوارب الموت مفضلين بطن الحوت على رصيف الطريق،معطلين بشواهد عليا تسلخ جلودهم في شوارع الوطن الجريح ،واميين وناهبي المال العام في المناصب ،اختفت ثروات الوطن من الأسواق في وطن يصدر فيه كل شيء حرصا على رفاهية الآخر أما نحن فمجرد عبيد نقتنع بفتات من خبز يابس ،لم تتغير سوى وجوهنا الشاحبة حتى أن مساحيق الدنيا كلها لا تكفي إرجاع ما ضاع منها بسب مص الدماء الذي تعرضت له من دراكيلات الفساد،كثير هو الكلام وقليل هو الفعل ،ولكن ما هو متأكدين منه أن الوطن سقط ولم يسقط الإستبداد،أجيال على أجيال ضحت ومازالت المسرحية البيئسة مستمرة لا تريد أن تنتهي ،حتى أن الجمهور نام ولم يستيقظ.

صورة الصدارة للفنان البولندي باول كوزنسكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.