وجهة نظر: الصراع الدموي بين الاسلاميين واليساريين في الجامعة المغربية ، محاولة تأصيل لتاريخه.

لقد أضحت الساحة الجامعية المغربية تُعرف بالصراعات الدموية التي تكون مسرحا لها أكثر مما تعرف بمستوى النقاش الفكري والايديولوجي الرائج فيها، لقد أصبح العنف والعنف المضاد بين الطلبة وجبة شبه يومية الكل يساهم فيها وإن كان بدرجات متفاوتة وغير مرتبطة فقط بالصراع بين الاسلاميين واليساريين، بل أصبح العنف يحدث بين تيارات أخرى قد لا يكون أحد طرفيه الاسلاميني ولا اليساريين كما هو شأن الصراع الدامي في بعض المواقع الجامعية (أكادير ، مراكش..) بين الطلبة الصحراويين وطلبة الحركة الثقافية الأمازيغية، لكن صحيح يبقى العنف بين الاسلاميين واليساريين هو العنوان الابرز للصراع الطلابي الدامي، فكيف بدأ هذا الصراع ومتى حدث ذلك؟

بداية الثمانينيات أول اصطدام بين اليساريين والاسلاميين

إن حكاية العنف بين اليساريين والاسلامين اقتحمت فضاء الجامعة مع بداية الثمانينيات، صحيح كانت تحدث مناوشات قبل ذلك لكنها لم تصل إلى حدّ صراع ايديولوجي وفكري يتم تصريفه عبر العضلات والسيوف، فمثلا سبق لعبد الاله بنكيران اواخر السبعينيات الذي كان يحسب على الشبيبة الاسلامية أن ساهم في مناوشات ضدّ الطلبة “المجالسيون” ورثة الطلبة “الجبهويون” خلال تنظيمهم لأيام ثقافية في المدرسة المحمدية للمهندسين التي كانت حينئذ قلعة اليسار الماركسي، خلال احدى الايام الثقافية حاول بنكيران التشويش على امسية فنية ملتزمة داخل حرم المدرسة المحمدية من خلال تنظيمه لسهرة أخرى بالتواطؤ مع الادارة كما يحكي الطلبة اليساريون آنذاك، لكن محاولته باءت بالفشل ولم يستطع أن يجلب إلى سهرته إلّا أعداد قليلة جدا من الطلبة، لذلك لم يتطور الامر الى صراع دامي، ومثل هذه المناوشات كانت تحدث بين الفينة والاخرى، غير أنه لم يكن لها من تأثير كبير على الساحة الطلابية

خلال سنة 1981 سيعمد طلبة محسوبين على التيار الاسلامي على تنظيم ما أطلقوا عليه معرض الكتاب الاسلامي في رحاب كلية الآداب ظهر المهراز، التي كانت حينئذ تشكل القلب النابض لليسار الطلابي، كان فصيل الطلبة القاعديون لم يمر على تشكيله سنتين (1979)، وكان من باب تحصيل الحاصل أن تلتحق بالجامعة معناه أن تلتحق بالطلبة القاعديين، لم يكن المؤتمر 17 قد انعقد بعد وما تمخض عنه من بوليميك وصراعات لا تنتهي، كان القاعديون كتلة واحدة، صحيح لم تكن كتلة منظمة حسمت في مرجعيتها الفكرية والايديولوجية، لكن كانت ككتلة لم تتبلور فيها الخطوط والتيارات بعد، في خضم هذه الظروف سيعمل التيار الاسلامي على اقتحام الجامعة لأول مرّة بشكل منظم، هذا الاقتحام كان في زيّ تنظيم معرض للكتاب الاسلامي، شاركت فيه مجموعة من التنظيمات الاسلامية، وتم استقدام كتب كثيرة حتى من خارج المغرب…

تنظيم معرض للكتاب الاسلامي من طرف اشخاص يقولون عن انفسهم انهم اسلاميين، لكن لا تواجد ميداني لهم داخل الساحة الجامعية، جعل الامر سهلا بالنسبة للقاعديين واليساريين عموماً لنسف المعرض والحؤول دون انعقاده، لقد كان المبرر مكتملا وواضحاً، هو أن هذا المعرض نُظم خارج اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهنا لا بد من استحضار تجربة الاتحاد العام لطلبة المغرب (الذي كان يسمى الاتحاد العام لطلبة الصفر) التابع لحزب الاستقلال الذي اراد أن يشكل منظمة نقابية بديلة عن (اوطم) وكان قد مني بالفشل الذريع ولم يستطع طلبة حزب الاستقلال ان ينشطوا في أي جامعة مغربية. لقد كان التعدد النقابي خط أحمر، فأن تتوسل بتنظيم نقابي أو طلابي خارج اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب كان أشبه بالحرث في المياه، ومحاولة الاقدام على الانتحار السياسي، فحتى الطلبة البعيدون عن “فقه الفصائل التاريخية” كانوا مقتنعين بشعار:” اوطم” هو الاطار الشرعي الوحيد الذي يمثل الطلبة، ومن اراد أن يعمل في صفوف الطلبة فما عليه إلاّ أن ينشط من داخل هذا الاطار، طبعاً وفق مرجعية كل واحد فقط مع مراعاة مبادئ الاطار الطلابي (التقدمية، الديموقراطية، الاستقلالية، الجماهيرية)… وهكذا عندما دخل الطلبة الاسلاميون لتنظيم معرض الكتاب الاسلامي كانت نيتهم دخول الجامعة دون ضرورة العمل من داخل (اوطم)، لذلك كان منع استمرار المعرض رغم الانزال القوي من طرف الاسلاميين الذي شهدته جامعة فاس سهلا وتم بطريقة لم تخلف ضحايا كثر، كانت بعض المواجهات بالسيوف والعصي والكراسي لكن سرعان ما أُرغم الطلبة الاسلاميون على توقيف نشاطهم لأنه نشاط نُظم خارج اطار الطلبة (أوطم)، لقد كان هذا مبررا ذكيا من طرف القاعديين، لأن اصلا عمق المشكل هو عمق ايديولوجي فكري لكنهم وجدوا له مخرجاً يظهرهم حتى أمام الطلبة العاديين أن الامر يتعلق بتحصين الجامعة واطارها الشرعي من التشويش من طرف تيارات أو محاولات تريد كسر شوكة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب الذي كان حقاً غصة في حلق النظام، هكذا تم حسم أول صراع منظم بين الاسلاميين والقاعديين، ولقد حاول الاسلاميون القيام بنفس الخطوة في مواقع جامعية أخرى كالرباط، لكن كلها باءت بالفشل الذريع ولم تلق أي تجاوب من طرف الطلبة.

بداية التسعينات: استراتيجية التفجير من الداخل لتنظيف الساحة الجامعية من الملاحدة

بعد الفشل الذي مني به الاسلاميون في ايجاد موطئ قدم لهم من داخل الجامعة المغربية من خلال اقدامهم على محاولة تنظيم معرض الكتاب الاسلامي كما سلفت الاشارة، وكذلك من خلال محاولات شيطنة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وتصويره على أنه مجمع للملاحدة وأعداء الله ورسوله، ومحاولة الاستقطاب ضد “أوطم” على أرضيات اخلاقية ودينية، لكن أيضا حتى هذه المحاولة لم تأت أكلها وظل صداها ضعيف جدا وسط الطلبة ولم تستطع أن تزحزح سيطرة القاعديين على الجامعات المغربية، بعد ذلك سينتقل الطلبة الاسلاميون إلى استراتيجية أخرى مبنية على خطة “يتمسكن حتى يتمكن” وبدأوا يتعاطون مع حلقات النقاش الطلابي المؤطرة باسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو ما يعني قبول ضمني واستعداد للعمل من داخل أوطم، فلم يعد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب قلعة الالحاد كما كانوا يقولون من قبل، وفي هذا السياق تُحكى طرفة لها دلالة بالغة للتأشير على هذا التحول الفجائي في موقف الاسلامين من “أوطم”، إذ يذكر أن خلال أواخر الثمانينيات وبينما كان أحد جهابذة الطلبة القاعديون يؤطر حلقة نقاش، طلب أحد الاسلامين نقطة نظام للتدخل والتفاعل مع النقاش، فمُنحت له الكلمة، فافتتحها بقوله: “بسم الله الرحمان الرحيم، في اطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب..” واسترسل في مداخلته، وبعد أن أرجعت الكلمة إلى صاحب المداخلة المركزية عالجه برد صاعق قال فيه: “سبحان من أسرى بعبده ليلاً من الاتحاد الوثني لملاحدة المغرب الى الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”، كان القصد واضحاً، هو مأزقة التحول الذي طرأ على تعامل الاسلامين مع الاطار الطلابي “الاتحاد الوطني لطلبة المغرب”.

بعد ذلك صارت الامور هكذا، حاول الاسلاميون تطبيع تعاطيهم مع الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، عبر التركيز على خطاب اخلاقي يروم توصيل رسالة للطلبة مفادها “وما أردنا إلاّ الاصلاح” و”برنامجي في لحيتي”، في خضم هذا الوضع كانت تحدث مناوشات بين الفينة والأخرى، فكثيرا ما تم منع الاسلامين من الكلمة في حلقات نقاش القاعديين، وكثيرا ما تم منعهم حتى بالعنف ان اقتضى الامر، كما أن الاسلامين أنفسهم كثيرا ما اعتمدوا على الكذب والترويج لمقولات لا أساس لها من الصحة لتنفير الطلبة من القاعديين (كونهم يتبولون على القرآن، ويسبون الذات الالهية و..)، ووضع أنفسهم في موضع المظلومين من طرف القاعديين، كانت اواخر الثمانينيات على هذا الايقاع المتسم بتصاعد حدة الخطابات المتصارعة، وكان آلية التجييش تشتغل بشكل مستمر، إلى أن زف صيف 1990 وكان القرار، وهو قرار اتخذ على مستوى عال داخل التنظيمات الاسلامية وليس من طرف جناحها الطلابي فقط، القرار كان هو اقتحام الجامعة المغربية ولو بالقوة من أجل اجتثاث صوت الكفر والالحاد من وسط الحرم الجامعي، وتم التحضير للأمر عبر معسكرات صيفية تحت غطاء مخيمات دعوية وما شابه ذلك، وما بدأ موسم 90/91 حتى كان الاسلاميون على استعداد لعدم قبول الوضع كما كان من قبل، لم يعودوا يقبلون أن يكونوا طرفاً ضعيفاً، خصوصاً أنه على مستوى النقاش كان خطاب القاعديين أكثر احترافية وأكثر تأثيرا في الطلبة، بينما كان خطاب الاسلامين في مجملهم خطابا أخلاقياً دعوياً يدعي المظلومية، لذلك كانت الخطة بداية من هذا الموسم هو القطع مع خطاب المظلومية والعزم على اثبات اقدامهم داخل الحرم الجامعي، وتم التركيز على مواقع جامعية بعينها، كانت تشكل مركز ثقل القاعديين كموقع فاس و وجدة وتطوان والى حد ما مراكش والرباط..

وقوع الفأس في الرأس وتحول الصراع الدامي الى حلقات يومية معادة ومكررة

بعد ذلك أضحت الساحة الجامعية أشبه بساحة حرب، فقط تنتظر نشوب المعاركة الحامية، صار الاسلاميون طرفاً قويا قد يعتمد جل الوسائل والسبل من أجل اثبات قوته، بينما كان القاعديون مازالوا يرون أنفسهم أنهم هم الصوت الوحيد من داخل الجامعة نظير التضحيات الجسام التي قدموها خلال عقد الثمانينيات، حينما تصاعدت وتيرة قمع الدولة للحركة الطلابية، وانسحاب الفصائل المحسوبة على الاحزاب من الجامعة، فكان القاعديون وحدهم من يمتلكون زمام الساحة الجامعية، ووحدهم من قدموا التضحيات خلال هذه الفترة، وهو ما كان يمنحهم الشرعية الميدانية والتاريخية أيضاً، لكن أيضا كانت الذات القاعدية قد أنهكتها الصراعات الداخلية بين تياراتها وما صاحبها من بوليميك لا يبقي ولا يذر، فبعد مأزق المؤتمر 17 وما تمخضت عنه من تجارب كلها تدعي أنها هي الاجدر بتمثيل خط القاعديين الحقيقي، سيأتي توزيع كراس باسم القاعديين خلال الذكرى الاربعينية لاستشهاد بلهواري مصطفى والدريدي مولاي بوبكر في سجن مراكش بعد اضراب عن الطعام، هذه الورقة ستخلق صراعاً حاداً بين صفوف القاعديين، هناك من اعتبرها خارج القاعدين نظرا للطريقة البيروقراطية التي صيغت بها وايضا طريقة توزيعها، وكذا المواقف التي تضمنتها والتي اعتبرت محاولة لشق صفوف القاعدين ومحاولة لاستعطاف الفصائل المحسوبة على الاحزاب التي انسحبت من الجامعة، بينما كان يرى من التفوا حول “الكراس” أن هذه الورقة ليست من خارج القاعديين بل هي صرخة واعادة تذكير بتوصية الشهيد مصطفى بلهواري خلال المؤتمر 17 الذي لم ينجح (هروبا من ثنائية فشل/افشال الذائعة الصيت ارتأينا قول لم ينجح) والذي خرج بتوصية مفادها الاسراع في الدعوة الى عقد مؤتمر استثنائي في أقرب الآجال، وعندما وُزعت ورقة “وجهة نظر 84” أي “الكراس” كان قد مرّ ثلاث سنوات على عدم نجاح المؤتمر 17 وما تلاه من اجراءات قمعية خطيرة استهدفت العمل النقابي الطلابي متجسدة خصوصاً بمذكرة انزال “الاواكس” في الجامعات المغربية والذي تمخضت عنه مجازر في حق الطلبة ومحاولة منع انعقاد الحلقات النقاشية، للإجهاز على نضال الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، ولعل ما حدث في جامعة وجدة يوم 7 ديسمبر 1982 لدليل على الاجراءات القمعية التي أتت مباشرة بعدما لم ينجح المؤتمر السابع عشر… اذن فأنصار هذه الورقة يعتبرونها صرخة ضرورية من أجل انقاذ الحركة الطلابية ومن اجل تنفيذ توصية مصطفى بلهواري الذي كان أحد أنشط مؤتمري المؤتمر 17، والذي سيعتقل خلال أحداث انتفاضة 1984 بمراكش، وسيدخل في اضراب عن الطعام رفقة رفاقه انتهى باستشهاده هو ورفيقه الدريدي. بعد خمس سنوات سيظهر تيار اخر من داخل القاعديين وبالضبط انطلاقاً من جامعة فاس سيلتف حول كلمة تسمى في الادبيات الطلابية ب “الكلمة الممانعة”، انصار هذه الكلمة سيعتبرون انفسهم هم المعبر الحقيقي عن خط القاعدين المستمد من روح البرنامج العام للطلبة القاعدين 1979، بينما سيعتبرهم رفاقهم الاخرون أنه مجرّد ورقة تحريفية تروم شق صف وحدة القاعديين، وأنها الحية التي غيّرت جلدها، (في اشارة الى باقي وجهات نظر القاعديين التي لم يعد لها استمرار في الجامعة خلال هذه الفترة: المبادرة الجماهيرية، البنسيون، وكذا الكراسة التي بدأت في توطيد أقدامها). وكلا الطرفين، سواء الذين تحلقوا حول الكلمة الممانعة أو الذين رفضوها رفضا باتا، كانا ملتفين حول ورقة كانت بمثابة رد على ورقة “الكراس” ألا وهي ورقة البرنامج المرحلي ذي الثلاث نقاط: العمل على رفع الحظر العملي على اوطم، مواجهة ما يمكن مواجهته من بنود الاصلاح الجامعي في أفق المواجهة الشاملة، ثم مواجهة البيروقراطية.

بعد ظهور ورقة “الكلمة الممانعة” والالتفاف الذي حدث حولها من طرف رموز قاعدية لها وزنها صارت الجامعية المغربية تعرف ثلاث تيارات كلها تتدعي أنها هي الوريثة الحقيقية للخط القاعدي الذي تبلور من رحم تجربة المجالسيون واللجانيون اواخر السبعينيات والتي انتهت بظهور وثيقة “البرنامج العام للطلبة القاعديين 1979″، هذه التيارات الثلاث هي : وجهة نظر 84، أو انصار الكراس، (الطلبة القاعديون) ثم انصار “الكلمة اللمانعة” (القاعديون التقدميون)، ثم أنصار “البرنامج المرحلي لسنة 1986″، (النهج الديموقراطي القاعدي) وكان الصراع على أشدّه بين هذه التيارات التي كل واحد منها يدعي احقيته بتمثيل فصيل الطلبة القاعديين، كانت كلمة القاعدي هي مدار النقاش، وسؤال من هم القاعديون خصصت له ايام وليال لنقاشه، لذلك صار كل واحد يضيف لفظ القاعدي الى اسمه، وكثيرا ما كان هذا الصراع يتحول الى صراع دامي كما حدث خلال تخليد اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني 29 نونبر 1988 بمدينة وجدة بين انصار البرنامج المرحلي وانصار الكراس حول من له الحق في القاء كلمة المظاهرة باسم القاعديين، والذي تحول هذا التشنج الى صراع دامي خلف العديد من الاصابات بين الطرفين

اضافة الى هذا الصراع المميت الذي انخرط فيه القاعديون، كانت محطة مقاطعة امتحانات 1989 وما تلاها من حملة قمع شرسة وطرد واسع في صفوف كل من شاركوا في الحملة، اضف إلى ذلك الصراع الذي نشب حول تجربة اللجن الجامعية الانتقالية التي كان يدافع عنها الكراس والممانعون بينما ينتقدها بشدة انصار البرنامج المرحلي.

كل هذه الامور أضعفت القاعديين وكانت الفرصة مواتية للإسلامين ليفرضوا امر الواقع و يدخلوا الجامعة ولو اقتضى الامر بالحديد والنار، وهو ما حدث فعلا اذ سينطلق مسلسل الصراع الدامي في الجامعات المغربية، ستسح فيها دماء كثيرة، من بينها اغتيال الطالب “المعطي بوملي” في مدينة وجدة بطريقة وحشية مع التمثيل بالجثة، واتهم اليساريون الاسلاميين بارتكاب الجريمة مع ادعاء وجود دلائل دامغة على ذلك، بينما الاسلاميون ينفون ذلك ويقولون اننا ابرياء من دم المعطي، وأن الصاق هذا التهمة بنا ما هو الا محاولة لتجريمنا فقط. لكن عقب الجريمة تم اعتقال 12 طالبا من الاسلاميين اغلبهم محسوبا على العدل والاحسان وتم الحكم عليهم ب 20 سنة سجنا.

استمر واقع العنف والانتظار والتوجس بين الاسلاميين واليساريين طيلة السنوات الاولى من التسعينيات، مع مواجهات بين الفينة والاخرى، هنا وهناك، إلا أن تم اغتيال ايت الجيد محمد بنعيسى سنة 1993 بطريقة همجية ايضا، اذ تم توقيف سيارة اجرة كانت تقله وتم تهشيم رأسه بحجر كبير على الرصيف ارداه قتيلا بينما نجا بأعجوبة رفيقه الخمار الحديوي. هكذا صار الصراع وتبادل العنف بين الاسلامين واليسارين مظهراً عادياً ومشهداً شبه يومي تقريبا في الجامعات المغربية، وخصوصا الملتهبة منها مثل فاس وجدة والى حد ما تطوان…

تراجع الاشعاع النضالي والفكري في الجامعة  ولا صوت يعلو على صوت السيوف

لقد صار العنف متفشيا في الجامعة المغربية حتى أصبح التفكير في انشاء أو الاعلان عن فصيل في الجامعة لابد أن يسبقه الاعتماد على قوة مادية ضاربة، وتشكيل ما يشبه ميليشيات لتحصين وجودك في الجامعة وإلاّ ستشهر في وجهك ورقة الشرعية التاريخية لتطرد غير مأسوف عليك، وأصبح العنف هو الذي يحسم النقاشات السياسية والصراعات الفكرية، فلم ينج أي فصيل من تورطه في العنف، سواء بشكل اعتداء مباشر أو بمبرر الدفاع عن النفس ورد العنف، وبعد تشكل فصيل الحركة الأمازيغية، وفصيل اخر تحت مسمى “الطلبة الثوريون” ذو مرجعية تروتسكية، سيصبح العنف شاملا ويضرب في كل الاتجاهات، وهناك معطى اخر انضاف الى هؤلاء الفصائل هو ما سمي بالطلبة الصحراويين والصراعات الدامية التي دخلوا فيها اما مع طلبة منحدرين من منطقة معينة أو مع فصائل بعينها، كما ستعرف تيارات القاعديين تشظيات عدة سيتولد عنها مجموعة أخرى، وستظهر فصائل اخرى جديدة تابعة لبعض الاحزاب مثل النهج الديموقراطي الذي فشل في السيطرة على فصيل الكراس فأنشأ طلبة الحزب فصيل طلبة اليسار التقدمي، وكذا الاشتراكي الموحد الذي فشل في جر تيار “الممانعين ” الى صفه، فأنشأ فصيل الطلبة الديموقراطيين التقدميين…
المهم انه اصبح العنف وجبة يومية لم يقتصر على الاسلامين والقاعديين فقط بل أصبح لغة رائجة عوّضت لغت الحوار والنقاش للأسف، مع التسجيل أنه هناك فرق بين من يبادر الى العنف ومن يكون يكون مضطرا للدفاع عن نفسه، لكنه يبقى في اخر المطاف هو عنف يجب أن يستأصل من الجامعة ليس بقوة الحديد والنار بل بقوة الافكار والدفاع عن ثقافة الاختلاف، الاختلاف الايديولوجي والفكري مقابل الاجماع النضالي للدفاع عن مكاسب الحركة الطلابية ومطالبها، ولعل تجربة 20 فبراير كفيلة بالاستفادة منها للاجابة عن هذه الاشكالية، اي كيف الدفاع جماعة عن مطالب تجمعنا مع الابقاء على الاختلاف الفكري والايديولوجي قائما وفق قواعده السليمة.

فبالنظر إلى تجربة الفصائل الجديدة التي ظهرت ابان التسعينات والعشرية الاولى من هذه الألفية، لم يكن أمامها لتثبيت أقدامها في الجامعة إلا عبر تشكيل قوة قادرة على الدفاع عن الفصيل، ليس فكريا وايديولوجيا فقط، بل ماديا وبقوة السلاح أيضاً، هذا ما حدث لفصيل الحركة الامازيغية مثلا، فقد عانوا الامرين بداية، ولم يستطعوا ان يثبتوا أنفسهم إلا بعد انخراطهم في العنف المضاد والدفاع عن انفسهم بالسلاح والعتاد، كذلك حدث مع فصيل الطلبة الثوريون …الخ.

إن العنف السياسي مرض خبيث ينخر المجتمعات ذات البنيات الثقافية المغلقة، فيصبح لديها الموقف السياسي والايديولوجي دوغما يبيح استباحة حياة الاخر، ويصبح هنا الانتماء الايديولوجي هو انتماء ديني يحصنه منطق الفئة الناجية، أنا الناجي الوحيد وصاحب الرأي السديد بينما الاخرون في النار، الاخرون المختلفون معي في الموقف والرؤية..

خاتمة

إن هذا الورقة حاولت أن تكون أمينة لمعطيات الواقع أكثر من انصاتها لإملاءات الذات، وكان هدفها اساسا وضع العنف في الجامعة المغربية في سياقه العام، لفهم كيف صار الصراع الفكري والايديولوجي تابعاً ولاحقاً للصراع الدموي، كيف صار صراع السيف أصل وصراع القلم فرع، وهو وضع موبوء لا يمكن التخلص منه والقضاء عليه بغير وجود نية حقيقة واستعداد قبلي للاعتراف وتقديم نقد ذاتي قبل الاقدام على شيطنة الاخر والباس الذات لبوس الملائكة، فبهكذا سلوكيات لا نفعل إلا أننا ننفخ في رماد العنف لكي يستمر ويتواصل في المستقبل، ونحن نجمع جمعيا على أن من يستفيد من هذا العنف هو النظام نفسه الذي استفاد من العنف الدامي الذي أعقب حصول المغرب على الاستقلال الشكلي/الاحتقلال، العنف الذي مارسته مليشيات “الحركة الوطنية” ضدّ اعضاء جيش التحرير والمنتمون لأحزاب في صراع معها مثل حزب الشورى والاستقلال، كلنا نعرف هذا ونتفق أن النظام هو المستفيد الوحيد، لكن كلنا نعود غدا لنتسلح بالمدى والخناجر ونقصد الساحة الجامعية لمقارعة الحجة بالحجة/ الخنجر ب”الزبارة” والسيف بالحجارة…آه يا وطني.

تنويه: لم يتم الاشارة كثيرا في هذا المقال الى دور النظام في اذكاء هذه الصراعات واستغلالها وبل توظيفها لضرب الحركة الطلابية، لم نفعل ذلك ليس تبرئة منا له بل لاقتناعنا أن هذا معطى موضوعي يُفترض أنه يعرفه الكل ويتفق عليه الكل، لذلك توجه المقال الى التركيز على المعطى الذاتي الذي ساهم في توليد هذا العنف، للوقوف عنده ومحاولة ايجاد حل له، وليس القصد البتة تبرئة ساحة النظام ودوره الخبيث في اشعال هذا الصراع والتغطية عليه من خلال دعم هذا او ذاك. وبه وجب الاعلام والسلام

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.