وجهة نظر..الخلاف المصري المغربي أو ديبلوماسيتنا المعاقة

فجرت تسمية السيسي ب “رجل الانقلاب” ومرسي ب “الرئيس المنتخب” من طرف كل من القناة الأولى والثانية، نقاشا حاول أن يلامس سر هذا التحول المفاجيء أو كما سمته بعض التعاليق ب “وقع القنبلة”، خاصة وأن ملك المغرب سبق له وهنأ السيسي برئاسته برسالة رسمية ، وسبق للمغرب أن حضر حفل تنصيبه رئيسا في شخص مزوار وزير خارجيته. ولم يظهر طيلة المدة التي قضاها السيسي في رئاسة مصر ما يوحي أن للمغرب مثل هاته الوجهة التي عبرت عنها القناتين. ودعونا من حديث استقلالية القناتين، ففي بلدنا مليون واقعة ، وآخرها تسريبات كريس كولمان أو كما يروق للبعض تسميته “ويكيلس المغربي”، تبرز أننا نعيش في ظل إعلام موجه حد الثمالة. نحن إذا أمام تصريح مملى ورسمي بدون ذرة شك .

وبالعودة لسؤالنا ماذا جرى، علينا أيضا أن نضع جانبا، ولو مؤقتا وعلى سبيل الاقتراب من الفهم، فزاعة الجزائر، حتى بتنا نرد كل إخفاقات المغرب في سياسته الخارجية للمؤامرات التي تشتغل عليها هذه الشقيقة العدوة ليل نهار. وعلينا، في جانب آخر، أن نؤكد أن لاعقلانية سياستنا وفواتها تظهر أكثر وتتضح أكثر حين تواجه بعقلانية الخارج بأممه الفاعلة التي تفهم السياسة منفعة ومصالح.

لنتأمل جيدا بعض مما قالته القناة الأولى في تقريرها « منذ إعلان بيان الانقلاب، خرجت العديد من المظاهرات في أنحاء مختلفة من مصر وأصيب العشرات في اشتباكات بمحافظة الشرقية مسقط رأس مرسي… وقد أجهض الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي مسلسل الانتقال الديمقراطي الذي دخلت فيه مصر، هذا الانقلاب وضع حدا لمطامح الشعب المصري، حيث أنهى عهدة الرئيس المنتخب محمد مرسي…هي عملية اعتبرت ردة على خيارات الشعب المصري…». وقالت إن مصر «عاشتْ منذُ الانقلاب العسكري الذي نفذه المشير عبد الفتاح السيسي عام 2013 على وقع الفوضى والانفلات الأمني، حيث اعتمد هذا الانقلاب على عدد من القوى والمؤسسات لفرضه على أرض الواقع، وتثبيت أركانه».

من جهة أخرى، لنتأمل تصريح سفير المغرب في مصر القيادي في حزب الاستقلال ورجل الخبرة السياسية، لقد قال بوضوح إن مابث في القناتين جرى من شخص غير معروف يريد بث التفرقة بين مصر والمغرب، وقال «نحن لا نريد أن نسقط في هذا الفخ»، مطالبا الإعلام بنبذ أي محاولة تهدف إلى الإساءة للبلدين.

السلوك السياسي المغربي في سياسته الخارجية تعلمنا معه أنه كثيرا ما تتحكم فيه المشاعر ويخضع للمزاج والشعور بالغضب ، ولذلك سيكون علينا في هذه النازلة أن نقدر الاعتبار التالي .هل سلوك المغرب يعبر عن تغير في الموقف الرسمي من نظام السيسي ؟ أم هو مجرد غضبة عابرة ستزول بمجرد زوال أسبابها ؟

بغض النظر عن التضارب في الموقف من تقرير القناتين الذي وصل حد وصفه من طرف الموقع الإلكتروني لحزب العدالة والتنمية يوم الجمعة الفائتة بأنه “انقلاب إعلامي على النظام”، وهو ما سيجري حجبه بعد ذلك. بغض النظر عن كل ذلك، ثمة وجه سياسي بارز وقوي، عناصره كالتالي:

في الصورة، نحن أمام بدايات تبلور تحالفات جديدة تحاول أن تتكيف مع نتائج ماسمي الربيع العربي بمختلف مآلاته وتفاعلاته، حيث يجري تشكل اقتراب قوي محوره مصر والسعودية والإمارات والكويت، ويجري نوع من الضغط على قطر للالتحاق بهذا التحالف، أو على الأقل التقليص نسبيا من الدور الذي أوكل لها إبان بداية للانتفاض الشعبي، متمثلا في التسويق، إلى جانب تركيا، لتجربة حكم إسلامي سني معتدل يمثله تنظيم الإخوان المسلمين.

النظام المصري يستمد شرعيته من “محاربته للإرهاب” متمثلا في جماعة الإخوان المسلمين، ويسوق نفسه لدول الخليج المرتعدة من المد الإخواني ومن خسارة ريادتها الدينية للمنطقة، عبر عراقة مؤسسة الجيش وسطوة الأمن، على أنه يملك ما يكفي من التجربة لوقف هذا المد في مهده، خصوصا في ليبيا وحتى من تعنت بعض الحركات التي رمت كل بيضها في سلة سياسة قطر/تركيا، أساسا حركة حماس.

في الصورة أيضا، المغرب يقدم نفسه اليوم وكأنه منسجم تماما مع نتائج الانتفاض الذي انطلقت رياحه في سنة 2011، ففي السلطة حزب العدالة والتنمية الفصيل ذي الخلفية الإخوانية أيام تبلوره الأولى فيما سمي الشبيبة الإسلامية، وهو، عكس مصر، يسوق نفسه أكثر للغرب بنمودجه “الرائد” في ضمان الاستقرار عبر الإدماج التدريجي للإسلاميين، مع الحفاظ على مكتسباته في مجال الحريات المدنية، الثقافية منها خصوصا.

نحن إذا ظاهريا أمام إستراتيجيتين، إن صح التعبير، متناقضتين: مصر، وكأنها تتمرد على ما اعتبرته خطة محكمة لإدخال المنطقة دائرة الفوضى، من خلال توظيف الربيع العربي في صيغته الأولى اعتمادا على تنظيم جماعة الإخوان العالمي، ومنح ريادة العالم الإسلامي لتركيا، وتوظيف مال وإعلام قطر في هذه الإستراتيجية. ومغرب يرى استحالة اجتثاث الإسلام السياسي عبر القمع، بل عبر إدماج جناحه المعتدل في السلطة.

في الصورة، يصر المغرب أن يحتفظ ظاهريا بأنه ذا وضع خاص وأنه مستقر، وأن تجربته الديمقراطية واعدة، وأنه نموذجي في محاصرة الإرهاب دون أن يكون عنيفا دمويا وذا ديكتاتورة سافرة. ويظهر أيضا وكأنه يتنافس على كسب نوع من الحضور والحظوة خاصة لدى دول الخليج، لكن دون أن يطرح نفسه منافسا مع أحد، بما فيها مصر، على القيادة ولا حتى الريادة خاصة في منطقة تحت بركان حي.

بحساب المنفعة والمصالح، من المنطقي أن تسعى الجزائر لاستغلال هكذا أوضاع لدفع بعض الأطراف لإضعاف وتهميش المغرب على المستوى الدولي ودعم موقفها المساند للبوليساريو، خصوصا مع زيارة الملك لتركيا التي أثارت استهجان النظام المصري وأججت الخلاف المصري المغربي.

في خلفية تحركات المغرب في سياسته الخارجية، علينا أن لا نغفل أن مشكل الصحراء يبقى حاضرا بقوة ويشكل واحدة من نقط ضعفه الإستراتيجية، وواحدة من أكثر القضايا التي راكم فيها النظام السياسي أخطاء إستراتيجية قاتلة. ليس هدفنا التعمق كثيرا، على الأقل الأن، في هذا الجانب، وإنما أثرناه من زاوية التكاليف الباهضة لهذه القضية، بما فيها التكاليف التي تترتب عن توظيفها لدفع المغرب للإقدام على سياسات أحيانا لايظهر فيها تماما أين مصلحة وأين فائدة المغرب من تلك السياسات، بما فيها ما سيرتب عن سلوك المغرب تجاه بلد بحجم ومكانة مصر، بغض النظر عن موقفنا من نظامه السياسي. صحيح أن المغرب قدم مقترح حل، ظاهره ديمقراطي، ممثلا في الحكم الذاتي، إلا أن التوجس وعدم الثقة في سلوك الدولة المغربية يجعله مقترح بدون أثر، خاصة ونحن نلحظ استمرار نفسه الهاجس الأمني ونفسها السطوة المركزية في مسألة الجهوية.

ويظل ادعاء المغرب محط شك حتى في منحه مكانة للإسلام السياسي أمام استمرار قمع ومحاصرة أكبر جماعة للإسلام السياسي في المغرب ممثلا في جماعة العدل والإحسان. ويظل ادعاء المغرب الفرادة في المنطقة محط ريبة وشك أمام مئات الأمثلة التي يجري فيها خروقات حقيقية لحقوق الإنسان، ونموذج حي لغياب فصل السلط واستمرار ملكية تنفيذية قوية وخارج دائرة المحاسبة، بل إن هذه الفرادة تتعرض لامتحان حقيقي مع بروز تجربة تونس الرائدة.

ومع كل التعاليق الوردية التي يجري تدبيجها حول إنجازات الديبلوماسية المغربية، وروايات الإعلام الرسمي الكاذبة، ثمة تراجع لمكانة المغرب دوليا، وثمة تساؤلات مقلقة وخطيرة حول فعالية السياسة الخارجية للمغرب التي تبقى حكرا على المؤسسة الملكية. وحتى في المجال التي يقدم المغرب نفسه عنصرا فعالا في محاربة الإرهاب، وعنصرا حيويا في ضمان استقرار المنطقة المغاربية، جرى تهميشه من طرف من يعتبرهم حلفاؤه في جل المؤتمرات التي تداعت لهذا الغرض. لم يحضر المغرب قمة جدة التي استضافتها السعودية، ولم يحضر قمة باريس التي دعت لها فرنسا، ولم يحضر قمة واشنطن في غشت الماضي، مثلما لم يحضر قمة القاهرة التي عالجت مستقبل ليبيا.

إن إخفاقات سياسة المغرب الخارجية في كل هذا وليس في معزل عنه، ولذلك وحتى لا تضيع الإبرة في ثوب الخياط على حد التعبير الرائج لماركس، سياسة المغرب الخارجية تحتوي على اختلالات بنيوية وتركيبية في جوهرها نتيجة تدبير احتكاري للملكية وعلى حساب ملايين من المغاربة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.