وجهة نظر: إشكالية استقلال المغرب ومواقف الخطابي تقاطع مبدئية البندقية وميكافيلية السياسة

تتزامن هذه المساهمة والذكرى الواحد والخمسون لرحيل أمير الشهداء محمد بن عبد الكريم الخطابي، واستحضار لروحه الطاهرة ووطنيته انتقينا بعضا من مواقفه حول قضية الاستقلال التي يعتبرها العديد مكسبا وطنيا وأيضا إشكالية عويصة تخدش الذاكرة التاريخية المغربية في بعض الجوانب،  ارتباطا بالموضوع  فلقد استطاع صوت البندقية أن يرغم فرنسا على النزول إلى طاولة المفاوضات، من اجل التباحث في شان الاستقلال، فسمي لقاء ايكس ليبان الذي تم ما بين 22 غشت 27 سنة 1955 بعدة تسميات تعكس اختلاف وجهات نظر  من شاركوا فيه أو كتبوا عنه أو درسوه، فهناك من يسميه “اتفاقا” وهناك من يسميه “مشاورات” ومن يسميه “محادثات”. لكن التسميات ليست سبب الإشكالية لأن ما سمي بمفاوضات الاستقلال تحفها مجموعة من المؤاخذات سواء من حيث الشكل أو المضمون، من حيث الشكل يمكن ان نتحدث عن عدم “شرعية” الوفد المشارك في المفاوضات والذي يظهر من مشاركة الباشا الكلاوي كمفاوض في الوقت الذي انحاز فيه علانية لفرنسا في السابق، وأيضا كيف يشارك حزب الاستقلال و حزب الشورى والاستقلال جنبا لجنب مع الكلاوي الذي عرف انه عميل لفرنسا وتأمر ضد السلطان، بماذا يوحي استدعاء فرنسا للكلاوي والمدني بن حيون للمشاركة في “مفاوضات الاستقلال”. وكذا أيضا هناك ملاحظة يمكن تسجيلها و هي المدة التي استغرقتها هده المفاوضات من غشت 1955الى مارس 1956.

أما من حيث المضمون فالاستقلال بالطريقة التي صيغ بها يعكس انه لم تكن هناك مفاوضات وإنما جلسات تخص الاستقلال في ظل الاستعمار، و هذا ما يمكن ان نستنبطه من عبارة التكافل بين البلدين “الارتباط الدائم بفرنسا”، الأمر الذي أثار الخطابي وشكل له صدمة قوية، وعدّ هذا الاستقلال مناورة من مناورات الاستعمار لأنه أمر يتناقض  ومدلول الاستقلال الحقيقي،  واعتبر ان هذه المباحثات أجهضت الثورة التحريرية المغربية وهي في طور المخاض، ولهذا ظل ناقما على أولئك الذين أجهضوا هذه الثورة في وقت كان فيه الفرنسيون في أشد الحاجة إلى التفرغ للجزائر الشقيقة، فلو صمدوا يقول الخطابي وتركوا الثورة لجلا الفرنسيون عن إفريقيا كافة.

لاستيعاب موقف الخطابي من  ايكس ليبان لابد من موقعته في إطار رفضه خيار التفاوض أساسا مع المستعمر قبل الاستقلال التام للأقطار المغاربية الثلاثة، وتقيدا بميثاق لجنة تحرير المغرب العربي الذي نص في بعض بنوده”لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر”، “لا مفاوضة إلا بعد الاستقلال ” لهذا استنكر الأمير هذه التجاوزات و ما يحاك ضد المغرب، فكانت نداءاته تحثّ على عدم الانسياق وراء المناورة الاستعمارية المتفقة مع جماعة من المتربصين على  حد قوله ” …هناك جماعة من المتربصين متضامنة تتربص بكم الدوائر و تريد ان توقعكم من جديد في قبضة الاستعباد بعدما حملتم أسلحتكم وأدركتم ما يجب ان تفعلوه لأخذ حريتكم و استقلالكم، هذه الجماعة قد باعت الشرف والكرامة والوطن وسلمت الوطن لطائفة قليلة من المستعمرين بثمن بخس، هو تلك المناصب الزائفة الحقيرة…

استمرت قساوة الاتهامات الخطابية “للمتورطين” في “صفقة” الاستقلال، فموقع التفاوض في دائرة المراوغة والتدليس الممارس على الشعب المغربي لإلقاء السلاح كون المفاوضة لا تتم إلا بالهدوء، فالسعي وراء مفاوضات استنجادية حسب ما تعنيه مواقف الخطابي من اتفاقية الاستقلال، كانت وراء وصفه من قبل وصدق مؤامرة المستعمر بانعدام الضمير والكرامة، وكان سعيهم إلا نيل الألقاب فأصبحوا بذلك أعوانا للمستعمر وصاروا على الوطن وبالا ونكالا.

ان صلابة تعابير الخطابي تستمد مرجعيتها من ماضيه المجيد في الدفاع عن الوطن الشيء الذي اكسبه اقتناع عدم الوثوق بالمستعمر، كما تستمد شرعيتها من إيمانه الراسخ ان الاستعمار واحد لا يندحر إلا بالبندقية ،  فمبتغى الاستقلال حدد تحقيقه في إطار لجنة تحرير المغرب العربي، في هذا الجانب يقول الأستاذ محمد العلمي  -وهو أول من كتب مؤلفا عن عبد الكريم بعد الاستقلال-“عندما علم عبد الكريم الخطابي ان الوطنيين المغاربة قبلوا التفاوض مع فرنسا في “ايكس ليبان” أعلن عن استيائه من هذه المفاوضات التي”لا يتمخض عنها إلا منح استقلال صوري للمغرب” واعتبر ان المغاربة لم يكونوا أوفياء لميثاق لجنة تحرير المغرب العربي”.

ان الأوصاف التي نعت بها الخطابي ما سمي استقلالا، افرزها اتباع الأسلوب السياسي الذي اثبت عدم جدواه في الحصول على الاستقلال وان” حققه” فانه تشوبه نواقص، لذا لا يمكن ان نتحدث عن اختلاف في النهج فقط بين الخطابي والزعماء المغاربة، لكن حتى في الغاية، فمن باب الأمانة التاريخية ان نقول ان “هدية” الاستقلال التي صنعها الفرنسيون معية “السياسيين” المغاربة نكسة كبيرة تلقاها الشعب المغربي، هذا ليس ارتباطا بموقف الخطابي وإنما بتبعات المنحة الاستعمارية التي صارت محنة لازالت ملازمة المغرب.

للاقتراب من الصورة التي قد تحيلنا عن تصور الزعماء للاستقلال نستحضر ما أورده “ادغار فور” في تقرير Pierre july: ” يبدو ان الوطنيين أكثر انشغالا بان تعترف فرنسا رسميا برغبة المغاربة في الاستقلال أكثر من ان تمنحهم إياه فورا،وقد شعرت بإمكانية التفاوض معهم بالطريقة التي حققنا بها التفاهم مع الوطنيين التونسيين،تعاون في إطار متين مع فرنسا”.

هذا التعاون نلمسه في أقوال احد الوطنيين والعضو البارز في الوفد المشارك في المفاوضات، الشيء الذي أثار استغراب “ادغار فور”  يقول:” فكان (ولمدة من الزمن الوحيد) أول ما أثار انتباهي إلى مزايدات الوطنيين المتطرفين، والى ان قادة جيش التحرير مصرون على القيام بتمرد عسكري منسق يشمل مجموع البلاد المغربية/الجزائرية، وان الوطنيين المؤيدين لفرنسا والأوفياء لمحمد الخامس هم وحدهم من يستطيع إيقاف تلك الدسائس”.

 يتضح من هذه الأقوال ان السياسيين لم يكتفوا برفض العمل المسلح فقط وإنما تأمروا عليه، فما ذكره “ادغارفور” في مذكراته- لم ينفه عبد الرحيم بوعبيد- التي نُشرت وهو كان لا زال حيا يرزق. فالتعجيل بالمشاركة في المفاوضات كان هدفه حسب ما أشار إليه الفقيه البصري قطع الطريق على جيش التحرير وعلى عبد الكريم الخطابي، هنا  ليس المقصود إعطاء التصنيف وموقعة الأشخاص، وإنما محاولة عدم القفز على محطات تاريخية ضروري، من التبصر التطرق لها لإعادة ترميم التاريخ المغربي، وتقويض نظرة التعامل مع التاريخ” الرسمي” الايجابي فقط، وكذا بالاهتمام بالتاريخ الهامشي والمبعد عن التناول.

لذا فلغة الخطابي البعيدة عن لغة الدبلوماسيين قد تكون تعسفية بعض الأحيان، لكن بالرجوع إلى ما أورده “ادغار فور” نرى أن الخطابي  حقّ له توجيه الانتقاد والاتهام، فهو الذي رفض المساومات والتفاوض السري ذو الأهداف الضيقة التي تخدم المصالح الاستعمارية، في هذا السياق يذكر أن الفرنسيين أتوه ساعة غياب الملك في منفاه وأرادوا مفاتحته في المغرب فأجابهم” لا افهم شيئا يقال له المغرب وإنما افهم المذاكرة على أساس الشمال الإفريقي”. ربما انطلق من ذاتيته ومبادئه البعيدة عن الميكيافلية عندما وصف الدخول في المفاوضات مع فرنسا خيانة وطنية كبرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.