fbpx

والقُحْب بعينيها..

علي العبوتي

في اللحظة التي أزلتُ فيها سماعةً من أذني اليسرى، وأنا نازل درج العمارة، مكتفياً بسماعة واحدة تبعث كشكولا من الأغاني المختلطة، التي لم يكن هناك داعٍ لتشغيلها سوى محاربة عواصف ذهني الضارية، سمعتُ أنين استلذاذِ امرأة يأتي من وراء باب شقة الطابق الأول. كان الظلام يخيم على المكان، والساعة تشير إلى الخامسة صباحا، والشمس لن تشرق إلا بعد ساعتين. تركتُ فراشي بعد فشلي في استدراج النوم. لقد نمت بعد العصر، وأنا أساساً استيقظت صباح البارحة متأخراً. أزلت السماعة الأخرى وأصخت السمع جيداً، توالت الآهات، ثم انقطعت بصيحة المرأة: “آآآآي…!”. صمتٌ مطبق. لا بد أن أنفاساً لاهثة تتردد بين جدران الغرفة الآن. أشعلتُ سيجارتي وأكملت النزول نحو الشارع.

قبل وصولي للطريق التي تقسّم مرتيل إلى نصفين، بعد جولة شبه طويلة في الحي، كنتُ أكسّر صمت الليل بوقع خطواتي. كنت أشعر أني أتمشى في أحلام النائمين، وأن الله خلقني حارسا لها، وهذا بالضبط سببُ عدم نومي. لكن في الطريق العريضة، اختلف الأمر، وكانت أصوات محركات السيارات ترتفع بين الفينة والأخرى. أمام قاعة الأفراح فتاة واقفة. “إنها قحبة!”.. هكذا تصورتها أول الأمر، لعنت نفسي لذلك، ولعنت الحظ الذي رسم لكل امرأة تتواجد في الشارع خلال وقت متأخر من الليل صورة “بائعة هوى وعابرة سرير”. اقتربتُ منها بحذر، وحدقت في وجهها بإمعانٍ أصابها بالريبة لكنها لم تتحرك من مكانها، بل ظلت شاخصة إليّ هي الأخرى. حول عينيها هالة سوداء قاتمة، عرفت فورا أنه كحلها الذي طبعها بسبب البكاء. فتاة تتألم في جوف الليل. بعد هنيهة لمعتْ عيناها، وظهر ذلك البريق الذي تعودتُ على رؤيته في عيون النساء حين يخبرنني دائما أن ملامحي بريئة. عرفتْ أني لن أؤذيها، بل ربما عرفتْ أيضا أني أنا من كان عليه الخوف منها. بادرتها بسؤال لا أدري كيف خرج من بين شفتي:

– ما بك؟

أشاحت بوجهها عني وقالت:

– والو..

“إنها قحبة.. إنها قحبة.. إنها قحبة…”.. هكذا ظل رأسي يطنّ بهذه الكلمات دون أن أعرف من يقولها. بعد لحظات بدت لي طويلة، وبعدما مر حوالينا بعض المارة، كلٌّ لمقصده، عاودت مبادرة الحديث:

– لا أرى معنًى لوقوفنا هنا.. اقتربي قليلا لنجلس على هذا الكرسي.

نظرتْ في وجهي، ثم في الكرسي الذي أشرتُ إليه، ثم في وجهي، ثم اتجهت للجلوس.

وليكن، ماذا بعد إن كانت قحبة؟!.. ألا يحق للقحاب أن تتألمن؟!.. عاد الصمت بيننا، كنتُ حائراً. لا أجيد التحدث كثيراً حين يتعلق الأمر بمثل هذه المواقف. لكن كان لا بد أن أتحدث، فصوت المرأة التي كانت تئن وتتأوه بلذة في العمارة، بدأ يحتكر أذناي. حين كانت تتغلغل في جوفي هزات الشهوة، وتفسح لنفسها مجالا لتوقظ داخلي غرائزي، تفوهتْ الفتاة بكلمات أقحمتني في حيرة حقيقية:

– حتى لو قبلت بالذهاب معك، فأنت لا تملك أجرتي!..

بعد صمت مطبق، وفي الوقت الذي تنهدتّ فيه جليستي، تنهيدة فهمت منها أنها يئست من فكرة مصاحبتي لها، مما يعني نهوضها والرحيل، قلت مكشراً عن ابتسامة ذات ثقة:

– بل أملك أكثر من ذلك..

نظرت إليّ نظرة استفهام، فاسترسلتُ:

– أملك سعادتك.

ضحكت بشدة. لقد امتلكتها أخيرا. ضحكت مثلما يضحك من قلبِه شخص تألم كثيرا، ثم انحنت على أذني قائلة:

– مئة درهم.

تماهيتُ مع أسلوبها، مستشعرا رغبتها في المرح، ونهضت مُمددا يدي لها. أمسكَته، ثم تأبطت ذراعي ورافقتني في اتجاه شقتي.

كان كل شيء طبيعيا، ولم يكن يشغل تفكيري سوى كيفية تدبير ركن خفي في شقتي التي امتلأت عن آخرها بالطلاب. الغرفة التي آوي إليها يشاركني فيها صديقي حمزة، وهو يغط الآن في نوم عميق لا يصح حرمانه منه بداعي مضاجعة قَحْ… امرأة تتألم في الخامسة صباحا على قارعة الطريق بمرتيل. لكن هذا الهدوء الطبيعي الذي يسبق عاصفة اللذة الصباحية المنشودة لم يكن ليستمر بعد إيلاجي للمفتاح في باب العمارة الحديدي، إذ سرعان ما انتفضت مرافقتي بشكل هيستيري صارخة بصوت أقبر الصمت الذي كان يخيم على الحي:

– نتا وااش لاباس…!!؟؟ تعيدني إلى هنا بعد أن أقسمت على عدم العودة مجددا حتى ولو اقتضى الحال موتي!!؟..

تبا..!.. فكرت أني لست محظوظا مطلقا، فبعد أن غلبني الأرق، ها أنا ذا أصادف بائعة لذة تائبة!.. طلبت منها السكوت، ومرافقتي للشقة للحديث هناك.. الحديث فقط، ثم الرحيل لو شاءت. لم يكن عليّ أن أتوسلها لتقبل، بل فعلتْ ذلك “براءتي” نيابة عني.

فتحت باب الشقة. غطيط في الصالة، غطيط في المطبخ، وشخير حمزة في غرفتنا. تخيلت أن مرافقتي أزعجها أن تنوء بها الأقدار نحو مضاجعة طالب في شقة يملؤها الشخير، لكن حين أشعلت مصباح الهاتف، ولففته بمنديل أحمر لتخفت إنارته، رأيت في عينيها ما يفيد أنها ليست كذلك، بل ما يزعجها شيء آخر، تنتظر تفرغي لها كليا لقوله. لذلك بادرتها بسؤال، معيدا الزمن في حلقته إلى أول التقاء لي بها أمام قاعة الأفراح:

– ما بك؟

أجابتني بصوت هامس:

– أتَعلَم.. إني أشرب أقراص منع الحمل يوميا كي لا أنجب أمثال هؤلاء (أشارت إلى تحت بما يفيد الساكنين في الطوابق التحتية).. واش عرفتي على زامل!!.. رضخت لكل طلباته المجنونة، حشرت أصابعي في مؤخرته لينتصب زبّه، قبلت بصفعه لي وتعنيفه لجسدي، سمحت له بقضم أطراف فرجي بأسنانه.. وفي الأخير، عندما بلغ وتره، طردني دون أن يدفع لي، وهددني بالبوليس.. هَهْ!! قالك البوليس..

هكذا إذن، إنها المرأة نفسها التي كانت تتأوه “بلذة” في شقة الطابق الأول. كانت معدتي تتمطط، وحلقي يفرز مَسيلا يشعرني بالغثيان، وحمزة ما زال يشخر بلا توقف. تملكتني رغبة في وضع السماعات والخلود للظلام، سواء أتى النوم أو لم يأتِ. لم أكن سيد قراراتي في تلك اللحظة، ليس لأن غرائزي تتحكم فيّ كما قد يكون متوقعا، بل لأني كنت أصارع لإيقاف الغثيان كي لا أضطر لفعل أكرهِ شيء لديّ: “التقيؤ”. أنرتُ الغرفة كلها. تقلّب حمزة في فراشه وتوقف عن الشخير، لكنه لم يستيقظ. كان وجه الفتاة لا يوحي بالألم، بل تحول إلى العكس تماما. أثارت دهشتي لما فحصت نظراتها، لقد كانت تنظر إليّ والقُحبُ بعينيها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.