واقع طب الأسنان .. رهانات وآفاق

 أبت بعض المنابر الإعلامية إلا أن تنجز مواد إعلامية أقل ما يمكن أن يقال عنها هو أنها غير مهنية وبعيدة كل البعد عن مبدإ الموضوعية الذي يعد شرطا أساسيا في العمل الصحفي وهي تقارب مواضيع وقضايا تهم مهنة منظمة قانونيا وتشرف عليها مؤسسات منتخبة، كهيئة أطباء الأسنان الوطنية.

مناسبة هذا الكلام هو نشرُ أحد المواقع الإلكترونية يوم 19 يناير 2015 مقالا إخباريا بعنوان: هل الخطأ الطبي حكر على صانع الأسنان دون الدكتور؟ ثم قبل ذلك الربورطاج الذي أنجزته صحيفة ورقية يوم 14 يناير 2015 تحت عنون “صناع الأسنان.. صراع من أجل البقاء”، وهو الأمر الذي يحمل الكثير من المغالطات ويسيء إلى مهنة نظمها القانون. لم تتصل الجريدة المعنية بالهيئة الوطنية ولم تأخذ رأيها في ظل السجال الوطني الذي تعرفه مهنة طب الأسنان بالمغرب، بل وقفت إلى جانب الممارسين غير الشرعيين في حربهم الضروس ضد أطباء الأسنان، أولا، وضد صحة المواطنين، ثانيا.

في ظل هذا، ودفعا لكل الأكاذيب التي تروج أن لهؤلاء المتطفلين مشروعية تاريخية بينما هم يصارعون منطق التاريخ ليتشبثوا ببقائهم من أجل المزيد من الفتك بصحة المواطنين، وجب الحديث قليلا عن تطور مهنة تطبيب الأسنان هذه في بلدنا المغرب…

معروف أنه لا يمكن الحديث عن واقع طبي في مغرب ما قبل معاهدة الحماية، نظرا إلى حال التخلف والفقر الذي كان يعيش فيهما، إذ لم يظهر مفهوم الطبيب بشكل عام وطب الأسنان بشكل خاص إلا بعد حصول المغرب على استقلاله سنة 1955، حيث سُنت أولى القوانين التي يسرت استفادة المعمرين وإلى جانبهم بعض الميسورين المغاربة من خدمات تطبيب الأسنان، وسُنت قوانين أخرى تنص على خدمات مماثلة لتلك التي كان يستفيد منها العسكر، ليتحول النظام الصحي إلى نظام فئوي: نظام موجه إلى الفرنسيين المعمرين وإلى علية القوم من المغاربة وآخر موجه إلى بقية الشعب، لأنه كان يعتبر تطبيب الأسنان ترفا لا علاقة للمغاربة به، مما ولد ممارسة موازية مرتبطة أساسا بالتطبيب التقليدي… رغم سنه لقوانين تنظم الأنشطة الصحية، ومنها ما هو متعلق بصحة الأسنان، إلا أنه بانعدام كليات ومدارس متخصصة في تخريج أطباء الأسنان، فإن المغرب عرف ما بعد الاستقلال وإلى غاية سنة 1986 انتشارا ملحوظا لأطباء الأسنان في ربوعه، إذ انتقل من صفر طبيب أسنان موظف في القطاع العام في 1956 إلى 14 طبيبا موظفا في 1960 وإلى 169 طبيب أسنان في القطاع الخاص في السنة ذاتها، معتمدا على أطباء مغاربة تخرجوا من جامعات أوربية وبعض الدول العربية وأوربا الشرقية، بالإضافة إلى أجانب فضلوا الاستقرار بالمغرب ومزاولة مهنة طبيب الأسنان به…

بعد أحداث كلية الطب بالدار البيضاء والأخرى التي شهدتها الرباط، عرف عدد الأطباء نموا مضطردا، وأضحت ثقافة تطبيب الأسنان مكونا هاما في وعي المغاربة وفي السياسات العمومية التي تنهجها الدولة في المجال الصحي، وقد واكبتها بعدة دوريات، في 1994 وفي 1998، ترمي إلى محاربة المظاهر غير المشروعة في هذا القطاع، والمتمثلة أساسا في مباشرة بعض الحلاقين لمهنة تطبيب الأسنان خارج كل الضوابط الصحية، كالحرص على التعقيم؛ بالإضافة إلى من كانوا يعرفون سابقا بـ”ميكانيكيي الأسنان”، وهم الفئة موضوع الفصل 24 من الظهير الشريف الصادر في 1960، الذي حدد أجل انقراضهم؛ وأخيرا طاقميي الأسنان، وهم فئة تناسلت بكثرة بعد إحداث مراكز خاصة لتكوين هذه الفئة، والتي من المفروض أن تشتغل تحت مراقبة طبيب أسنان حاصل على شهادة دكتوراه ومسجل في الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان، لكن واقع الحال يظهر كيف أن هذه الفئة انتقلت من ممارسة مهنتها الأصلية إلى مباشرة تدخلات طبية مباشرة في فم المواطن معرضة صحته إلى خطر محيق نتيجة جهلها بأسس التطبيب.

في نفس السياق التاريخي، لا بد من الوقوف على جملة متغيرات طالت الإطار العام التنظيمي والقانوني لممارسة مهنة طب الأسنان، خلال السنوات القليلة الماضية: تأسيس الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان والمجلسين الجهويين التابعين لها بعد دخول القانون 05/07 حيز التطبيق. كما انخرط أطباء الأسنان في حركية نقابية وجمعوية ملحوظة، هدفها الرئيس تطوير الأداء المهني لطب الأسنان وحمايته من الممارسات الطفيلية والتي تضر بطبيب الأسنان وبالمهنة على العموم، ناهيك عن الأخطار الصحية التي تتسبب فيها للمواطنين الذين لم يعد بإمكان أغلبهم التفريق بين طبيب الأسنان الحقيقي وأولئك الممارسين غير الشرعيين المنتحلين لهوية الطبيب البصرية، بالإضافة إلى صفته.

وتتعلق الحالة الثانية بالتعامل الإعلامي الفج مع مهنة طب الأسنان حين تعرّض أحد المواقع الإلكترونية بإطناب شديد لقضية مواطنة مغربية تعاني من اللوكيميا وربط ربطا غريبا وغير بريء الإصابة بسرطان الدم ومعاناة المواطنة مع مراكز استشفاء عديدة بطبيب أسنان لجأت إليه المريضة في فترة من الفترات لعلاج أسنانها؛ ولم يتصل الموقع الإلكتروني بمراكز الأونكولوجيا ببلادنا على كثرتها ورغم الاهتمام الرسمي بهذا النوع من الإصابات، أي السرطان، ولا أخذ رأي الأساتذة المختصين في كليات طب الأسنان، ولا اتصل بأحد المراكز الاستشفائية الجامعية من أجل إثبات أو نفي العلاقة السببية، علما بأنه لم يحدث أن تم ربط الإصابة بسرطان ما، ومنه اللوكيميا، بتدخل جراحي كيفما كان، سواء في الفم من طرف أطباء الأسنان أو في باقي الجسد من طرف أطباء الجراحة العامة… بينما حالات الإصابة بفيروس الالتهاب الكبدي أو بالسيدا، وغيرهما، ثبتت عبر الأدوات غير المعقمة التي يستعملها صناع الأسنان والمتدخلون غير الشرعيين في هذه المهنة، بدءا بعنوان المقال الذي ربط بين الطبيب وصانع الأسنان كأن لهذا الأخير مشروعية قانونية وطبية في مباشرة العلاجات في فم المواطنين، والحال أن هذه الفئة تمارس بشكل غير مشروع، وتدخلها في فم المريض يصنف كأكثر من خطإ، بل كجنحة حتى لو لم تترتب عنه مضاعفات؛ ومرورا بمجمل فقرات المقال التي تركز على تشويه سمعة طبيب الأسنان بشكل عام وتوهم القارئ بأن التقرير المنسوب إلى طبيب الأسنان يؤكد خطأ زميل له، ضاربة عرض الحائط بالقاعدة القانونية التي تقول “كل متهم بريء حتى تثبت إدانته”، ذلك أن المقال أدان مهنة طب الأسنان وطبيب الأسنان دونما تحمل عناء الاتصال بمن يهمه أمر الفصل في نوازل كهذه، وهو في حالتنا هاته: القضاء وفي مرتبة ثانية الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان بالمغرب.

إن تطور مهنة طب الأسنان يسير وفق منحى تاريخي منطقي، يحتم بفعل سيرورته انقراض كل مظاهر الممارسة غير المشروعة، وشيوع ثقافة التطبيب العقلاني والمهني الذي يؤمنه أطباء الأسنان والذين من المرتقب أن يصل عددهم بالمغرب إلى المؤشر الموصى به من طرف منظمة الصحة العالمية بفضل السياسة التي تنهجها الدولة… تبقى على الدولة، في شخص وزارة الداخلية ووزارة الصحة، وبشراكة فاعلة مع هيئتنا الوطنية ومجالسنا الجهوية، مسؤولية مضاعفة الجهود من أجل اجتثاث كل أشكال التدخل التطفلي في مهنة طب الأسنان وفي سلامة وصحة المواطن المغربي.

وفي انتظار أن يقول القضاء كلمته (المحكمة والهيئة)، أتمنى أن ينصب التفكير على إنقاذ حياة المريضة والدعاء لها بالشفاء العاجل ولبعض وسائل ووسائط الإعلام بالعودة إلى الرشد.

* رئيس الهيئة الوطنية لأطباء الأسنان بالشمال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.