“هُوتْ مارُوك” رواية لياسين عدنان

بعد ثلاثة عناوين قصصية، يُرسِّخ الشاعر والإعلامي المغربي ياسين عدنان قدميه في أرض السرد بإصدار روايته الأولى (هوت ماروك). روايةٌ عن المغرب وتحوّلاته. عن مراكش (الحاضرة / البستان) وما تتعرّض له من ترييفٍ واغتيالٍ للأشجار. عن الجامعة وحراكها الطّلابي. عن مضارب الإنترنت وقُطّاع طرُقها الرقمية. عن أحوال الناس وطبائع البشر. عن السياسة والصحافة. عن طرافة الحملات الانتخابية في مغرب العزوف عن التصويت والمشاركة السياسية. روايةٌ عن شخصية رحّال العْوينة الجبان خامل الذِّكر الذي يصير جبّارًا في الأحلام، أو حين يرقص على الحبال الافتراضية من وراء شاشة.

صدرت (هوت ماروك) عن دار الفنك بالدار البيضاء في 460 صفحة من القطع المتوسط، ونقرأ على ظهر غلافها الرابع: “لا يمكن لبجعةٍ أن تُنجِب سنجابًا من سرعوف. هذا قانون الطبيعة، وهو بالبداهة يمشي وِفْق نسقٍ واضح. لكن، من قال إنّ مصائر بني البشر تُوافِق نواميس الطبيعة؟ وهل رحّال سنجابٌ فعلًا، أم لعلّه جرذٌ يتنكّر في ذيل سنجاب؟ ومع ذلك فالرواية عن البشر لا الحيوانات”.

جاء في الرواية: ” لم يكن رحّال يفهم لماذا يشبِّهه البعض بالقرد، ولا كيف ينعته آخرون بالجرذ. تُضايِقه هذه الأوصاف، خصوصًا وأنه غالبًا ما يتلقّاها كشتائم. لكنّه لا يتأثر بها. فهو مقتنعٌ في قرارة نفسه بأن هذا النَّبز المتهافت إنما يعكس جهل من يصدُر عنهم ويفضح ضعف قدرتهم على التمييز. فرحّال يجد نفسه أقرب إلى السنجاب منه إلى أيِّ حيوان آخر. وكلُّ حديث عن القرد والفأر والجرذ – وحتى الضفدع كما نعتته مرّةً جارةٌ عشواء – يفتقد إلى العين اللاقطة التي تعرف كيف تتنقّل بنفاذٍ ما بين ملامح البشر ونظيراتها عند الحيوانات.”

ولعل هذه هي إحدى نقط جذب (هوت ماروك). هذا التنقل الطريف بين البشر والحيوان في روايةٍ لكلٍّ من شخصياتها الأساسية قرينٌ حيواني. إنها “كوميديا حيوانية” أبطالها أناس من لحم ودم ومشاعر وأحقاد. وهي “كوميديا إلكترونية” أيضًا ما دام جزءٌ من مغامراتها وأحداثها يدور بين خيوط الشبكة العنكبوتية. على الفيسبوك أساسًا، لكن أيضا من خلال موقع (هوت ماروك) الإخباري الإلكتروني.

(هوت ماروك) رواية معاصرة تتكئ على شخصيات طريفة تسبر الروايةُ أغوارها النفسية، ترصد محيطها الاجتماعي، وترسم ببراعة ملامحها الإشكالية بطريقة فنية. رواية حضرية تستدعي مدينة مراكش وتستضيفها بأسلوب مغاير للطريقة التي اعتادت أن تحضر بها في الرواية المغربية والعالمية. ثم إن مراكش (هوت ماروك) هي فعلا مراكش أخرى. مراكش الطبقة الوسطى غير المُرفّهة من سكان الأحياء الجديدة والبعيدة عن المدينة العتيقة وعن القلب السياحي النابض لعاصمة المرابطين. مراكش غير السياحية حيث يعيش الشعب بمنأى عن الأسطورة. مراكش العشوائيات والهوامش المستفحلة لمدينة تكبر وتتّسع يوما عن يوم، وتستقبل هجرات القرى سنة بعد سنة، لتصير الحياة فيها أصعب وأكثر ضغطًا. لكن مقاربة ياسين عدنان النقدية لتحوّلات المدينة  والمجتمع من خلال هذه الرواية، تتمّ بلغة رشيقة وأسلوب شيّق ونبرة ساخرة مما أضفى على (هوت ماروك) الكثير من عناصر المتعة والتشويق.

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.