هَلْ أَتاكَ حَديثُ الطَّواف؟ !

مُثْقَلَةٌ روحي أنَا بأصداءِ أحاديثِ الرّفاق !   يا لَحالُ بنو جلدتي الرّفاقُ التّائهون مثلي في دروبِ “ما بَعْدَ الحداثة” المُلْتويَة ! مُرْهَقٌ دِماغي مُتَضَايِقٌ صدْري شارِدَةٌ رُؤايَ في مَجالِسِ رِفَاقي الذين آمَنُوا بِمَناهجِ اللّونِ الأَحْمرِ وَتفانَوْا في الأمرِ حتّى تلاَشَتْ في عيونِهم باقي الألوان.عَديمُ النَّفْعِ أنا في زَوايا الرِّفاقِ،هناك حيث تَدْفَعُ بي أَنْباءُ صحَائفهم وَأَوراقِهم – قسْرا – إلى حافَةِ الرّتابَةِ،فَأَتَضايَقُ وأتَهاوَى في ثُقُوبِ تَرانيمِهم الباليَةِ الشّديدةِ الحُمْرَةِ لأرتَطِمَ بأعماق السَّأَم. ” هذه سَوْفَ تكونُ خاتِمَة انجذابي إلى مَواسِمِ الرّفاقِ.” تذَكَّرْتُ مَا تعاهدْتُ عليه مع نفسي فيما يُشْبِهُ حَسْرَةَ الودَاع الأخير.”فَلْيكُنْ ما سوْفَ يكونُ” قلتُ في قرارة نفسي مُعَزّيا،”سأنْزِلُ عن صَهْوَةِ بُرْجي وآوِي لحظةً إلى مَعابِدِ الثُّوارِ في زمن الثورة (معَ وَقْفِ التَّنفيذ) . فَلْتَكُنْ “حَجَّةَ وداعٍ”،أو حَفلَةَ وداعٍ على شَرفِ طوائف الرِّفاق.أو فَلْتَكُن حلقةَ أخرى من فصولِ العَبَثِ اللّعينة !

جاذبيّةُّ طُقوس الرّفاقيّة تَفْعَلُها بي مرّةً أخرى…”أَهُوَ ابْتِلاء؟” سَأَلْتُ في تكتُّمِ شديدٍ أمامَ مرآةِ نفسي في مُنْتصَفِ الطّريق.قَدْ يَكونُ سؤالاً فَرضَهُ شُعُوري بالْغَثيانِ في ضِيافَةِ الحافلة البائسَةِ التي تُقِلُّني عادَةً إلى المدينة،هي حافِلةٌ وعشٌّ عِملاَقٌ متنَقِّلٌ للصّراصيرِ في الوقتِ نفسِه.تَمْتَزجُ رَوائحُ العَرَقِ والقَيْءِ في الدّاخِلِ برَوائحِ العطُورِ الصّينية الرّخيصَةِ،وروائحِ أطْعِمَةِ البدْوِ اللاّذِعة بروائِحِ ثرْثرَتهِم المُنافِقَةِ المَسْكونة بنَبَراتِ النّميمة والشَّكْوى، في كرْنفالٍ نَتِنٍ كئيب .والحَقيقَة أنّ ما خنقني أكثَر هُوَ كلّ ذلك اللّغطِ المنبَعِثِ من مذياع الحافلَة الصّدئَةِ العَرْجاءِ المُتْعَبةِ حَوْلَ مَنافِعِ مُدَوّنةِ السّيْرِ الأنيقَةِ الْمُرتبكة الباعِثةِ على الضّحك…تَحايَلْتُ لِلَحْظةٍ عن وَضْعِي البَهَائميِّ الكئيبِ في ضيافةِ حافلَةٍ مُهْتَرئةٍ تَنْطِقُ بحالِ أجْمَلِ بلدان البَسيطة،لَمّا أَطْلَقْتُ العِنانَ لعَيّنَيَّ لِتُسافِرا عبر نافذة الإغاثَةِ الشّاحبة المشْقوقَةِ مُتَأَمِّلَةً خارطة السّفُوحِ الحَمراءِ الجَرْداءِ المَحفورَةِ أحيانا وِدْياناً غادِرَةً تَتَذَكَّرُ جَيِّدا سكّتها الصّخريّة الهابطةِ بِزَهْوٍ لمعانقة شواطئ المُتوسّط هناك.أطْلالُ الزّلزالِ الأخير الذي أخذَ النّيامَ على حين غرّةٍ ذاتَ فجْرٍ كئيبٍ قاتلٍ ماتَزالُ باديةً للعيانِ هنا وهناك على ضفّتَيْ الطريق المُلتَويةِ المُتهالِكةِ الْموروثَةِ عن قوافِلِ حميرِ القرنِ الماضي.إلى جانبِ الرّسومِ المفجوعَةِ نَمَتْ عُلَبٌ إسمَنْتيّة ضَيِّقَةٌ غيرُ متناسقَةٍ مع الانتِشارِ العَشْوائيّ لِأشجار اللّوْزِ والتّين الهَرِمة ونباتِ الصَّبّار الشّائك والأفرانِ الحَجَريّةِ المُلَبَّسَةِ بطبقةٍ مَلْساءَ من الطّين الأبيض وحَظائِرِ البَهائمِ والحميرِ المُتداعية وخِمَمَة الدّجاج الْكئيبَة ..، وبضْعَةِ خِيامٍ مُتَأهّبةٍ فقَدَتْ ثِقَتَها في التّراب والحجارة والإسمنت والحديد،وحتّى في الآلِهةِ الغاضِبَةِ في الفترات الّتي تسبِق أذانَ الفجر…غيرَ بعيدٍ تَباهى الأفقُ الأزرَقُ الفاتِحُ للمُتَوسّط المُتَرَبّصِ بأحلامِ المُهاجِرين السِّرّيّين والعَلَنِيّين.المُتوسّط العابِث كَساداً في شبابيك صِغارِ الصّيّادين المُحْتجَزين في قُرَاهم المُتَوَحِّدة يستَجْدُونَ مُروراً عابِراً لِمَوكبِ السُّلطانِ المُحَمّل بالهدايا،والقَهْرُ منْحوتٌ بإِتْقانٍ على سَحنات وُجوهِهِم الشّقراء الباهتة …كالعَادَةِ تحايَلْتُ على شُعوري بالغثيان.ومَضيْتُ…،كأيِّ راهبٍ أحْمرَ لاَ يَتجادَلُ في حاكِميَّةِ الثّوْرَةِ ولاَ في وُجُوبِ الانْضِباطِ معَ الرّفاق في تأدِيَةِ طُقُوسِها .كأَيٍّ كادِحٍ مُدْرِكٍ للأَساطيرِ الّتي أَسَّسَتْ لِكَدْحِه السّافِر الكافرِ.كأيِّ حِمارٍ أَليفٍ أَبْيَض اللّوْنِ تَفطّنَ باكِراً للأثْقالِ المُسَلَّطَةِ على روحِه وظَهره وعِظامِه.مَضيتُ إلى أزمنة وأمكنة الرّفاق.إلى مجالِسهم الخاصّة والعامّة،إلى معابِدِهم السّريّة والعلنيّة التي تَأْوي عقائدهم وشرائعهم المَحْروسَةَ بتَكَلّفٍ مُبَالَغٍ فيه أحيانا،إلى الحانات المُغْريةِ الّتي تأْوي شَغَبَهُم الجَميلَ المُشاكِسَ الثّائر النّابِضَ بالحياة،إلى بيوتِهِم الشَّرقيّةِ الهَوى والتّفاصيل المُتَأَرجِحَةِ بين الحَتْميّة التّاريخيّة وأَهْوالِ القُبور،بين الثّورة الدّائمة وأُضْحية عيدِ الأضحى المُبَارَك !

لَفَظَتْني الحافلَةُ البائِسَةُ على إيقاعاتِ ضجيجِ المحَطَّةِ الطُّرقيّةِ النائِيَةِ بنفْسِهَا عنْ مباني وساحاتِ المدينةِ. زَعيقُ مُحَرّكاتِ الحافلاتِ الجاثِمَةِ على أرصفةِ الإركابِ اختلطَ في مَسامِعي المُدَوَّخَة بِمُناكَفاتِ سائقي سيّارات الأُجرة بالجِهةِ المقابِلَة وبِهُتافاتِ سماسِرَةِ التّذاكر وهم يصيحون بأسماء المُدن القريبة والبعيدة،فَولَّدَ ذلك في نَفْسي إحساساً مألوفاً بالقَرَفِ واللاّطُمَأنينة مَصْحوباً بحنينٍ لاَ يوصَفُ لِخُلْوَتي الجَبَليّة.هَرِبْتُ بِخُطىً مَذْعورةٍ مُرْتَبِكةٍ بعيداً عن المحَطّة القَلِقَةِ وعاداتِها السَّيّئة،ناوِياً وِجْهَةً واحِدَةً : مَآوِي الرِّفاق.

وَقَدْ كانوا هناك فِعْلاً.أَغلَبُهُم كانوا هناك.لمْ أَشْقَ كَثيراً في العثور عليهم.كانوا هناك كما آخِرِ مرّةٍ نَزَلْتُ حاضِرَتَهم النَّوّامَة.كانوا هناك يَتَأبَّطونَ نظَرِيّاتِ الخلاص.يَتْلونَ آياتِهم البيِّناتِ بخشوعٍ ماكِرٍ.يُوَزِّعونَ مناشيرَهم المُباحَةَ والممنوعة على المُبْتَدِئين والمُتعاطفين والفُضُوليِّين. في المقاهي المُشْرعَةِ واجِهاتُها الزُّجاجِيّةُ على مَفَاتِنِ المَدينَةِ يحْتَسُونَ بأَناقَةٍ زائدَة فناجينَ القَهْوَةِ القَلِقَةِ يتلَذَّذونَ بوَقْعِ قطْرانِ لُفافاتِ التِّبغِ المُستوْرَدَةِ يتجادَلونَ في مآزِقِ الثّورة وافتِتاحيّات الصُّحُفِ وعوراتِ النِّظام وهَزَالَةِ الأُجُور وَمآسي الهِجرةِ اللاّفِتّةِ لِشبابٍ في مُقْتَبلِ العُمْرِ إلى شمال سوريا لاخْتِصارِ الرِّحلَةِ إلى ضِفافِ الجنّة.للرِّفاقِ باعٌ طويلٌ في صُنُوفِ الفُنونِ والمَعارِفِ لِذَا تَراهُمْ يسْتَمتِعُونَ أكْثَرَ بتَبادُلِ أحاديثِهِم الطّويلة حَوْلَ الأدَبِ والموسيقى والسّينما وكُرَة القَدم كلَّما أضْنَتْ شُجونُ السّياسة ألْسِنَتَهُم…بين هذا وذاك وحينٍ وآخرَ يسْتَاْنِفون عاداتِهم اليوميّةَ في ترَصُّدِ حركاتِ الشّارع فيتغامزُون حينَ يستَرقُونَ النّظر إلى مؤخّراتِ الفاتنات العابراتِ بدَلَعِ واختيالِ الحمَامَات على الرّصيفِ المُرَتّبِ الألوانِ والتّفاصيلِ.مَجالِسُ الرِّفاقِ تَعُجُّ بالذُّكورَة. “أَيَكونُ هذا وَراءَ العقم الثوريّ المُسْتشْري في أدْمغتنا؟” سأَلْتُ في مَكْرِ المُتَحامِلِ رفيقاً يُضاهيني وَقاحَةً.”الأنوثةُ كِبريتٌ أحْمَرُ في مَجالِس الرّفاق.وحتّى عندَما تَلْعَبُ الخَمْرَةُ في رأسِ أحدِنا يعْثُرُ على نَفسِهِ في الصّباح طِفلاً وديعاً حزيناً مُنْكَسِرَ الخاطِرِ في دِفْءِ بائعةِ هوىً هَزَمَ القُبْحُ جسَدها ونالَ من أُنوثَتِهِ بدِقّة وبَراعَة.الأنثى “عَوْرةٌ” في مَجالِسِ الرّفاقِ أيْضا كما يَبْدو.الأُنثى مَشْغولَةٌ -إلى حين- في ترْتيبِ تفاصيلِ بَيْتِ الزّوجيّة وَتفْريخِ الثُّوارِ الصّغارِ الذين ستَعُجُّ ميادينُ الثّورة بِدَويّ صُراخِهم غداً،وتَلْقينِ الصَّغيراتِ قواعِدَ الطّاعةِ الذّهبيّةَ وأُصُولَها.

فِي غَمْرَةِ صَخبِ الحانَةِ نِصفِ المُعْتِمَة تَعَالى الضَّجيجُ وتَكاثُفَ الدّخان لِيتَعانَقا في مشاهِدَ ثَمِلةٍ تنْكَسِرُ على إيقاعاتِ أصواتِ البَحْرِ المتغَزِّلِ بصخور شاطئ مُتَضايِقٍ بتفاصيل البَشَر.وَجَدْتُ نفسي هناكَ، أُجَارِي مَظَاهِرَ الحداثَةِ الخدّاعَة.كَأَيِّ بَدَوِيٍّ أحْمَرَ أَطْلَقَ الجبَلُ للتَّوِّ سَراحَه،فانْطَلَقَ بِسُرْعَةِ الرّيحِ يلْهَث خَلْفَ أهْوائِه ونَزَواتِه البَلْهاء. لمْ أبْدُ بمَظْهَرِ الغريبِ في ذلكَ الرُّكْنِ المُتْعَبِ من الحَانَةِ الدّائرِيّة الشّكلِ المُشْرِفَةِ على المرسَى الصّغيرِ المُحْتَفي بأَسْرابِ النّوارِسِ المُزْعِجَة وزُرْقَةِ زوارِقِ الصَّيْدِ الصّغيرة البَخيلةِ الكَسُولَة.بيْني وبيْنَ المَكانِ أُلْفَةٌ قَدِيمَة حَسَنَة السِّيرَة.لاَ أتذَكّرُ أنّي تخاصَمْتُ مع هذا المكان في يومٍ مَضى.لكِنّي كثيراً ما فضَّلْتُ التّواجُدَ فيه نهاراً خلاَلَ فَتْرةِ الظهيرةِ حينَ يكونُ مَهجوراً تقريباً حتّى أَضْمَنَ بعْضَ الخُصوصيّة وأتَسَكُّعَ بِصَمْتٍ في مَلَكوتِ الألوانِ.أمّا لَحْظَتَها فقدْ كنتُ هُناك أَتَعَبّدُ إلى جانبِ الرّفاق،ولَمْ أكُنْ سائحاً صافِيَ الذِّهنِ حَذِرَ اللِّسان.”أنا هُنَا من أجْلِ الثَّوْرة” ذَكَّرْتُ نفسي أمامَ المرآةِ المُتْعَبَةِ المُعَلّقة على جدار المِرحاضِ مُتَلَذِّذاً بتحْريرِ مَثانتي مُقَهْقِها كالأحْمقِ بيني وبين نفسي.نحنُ الثُّوارُ الحُمْرُ نُنادِي في مناشيرِنا بالحُرّيات الفرديّة والحقِّ في الاسْتِمتاعِ بالحياة وتكافؤ الفُرَصِ واقتسام ثروات الوطن والعالم…وتَحْريرُ الشُّعوبِ يبدأ بِتَحريرِ أنْفُسنا أوّلاً.وتَحْريرُ أَنْفُسِنَا يبدأُ مِنْ كَسْرِ أسْنانِ وعِظامِ التَّزَمُّت الجاثِمِ على المُجتَمع… ولَنا يا رَفيقُ لِقاءٌ غداً.سَنَخْتَتِمُ مَوْسِمَنا المبارَكُ بطَقْسِ الطَّوافِ بِشوارِعِ وأزِقَّةِ مَدينتنا المُجاهِدةِ المُقاوِمَة العصِيّةِ على الإِخْضاع.سنطُوفُ رافِعينَ أعلاَمَنا المُخيفَةِ وشِعاراتِنا السّاخطةَ نهاراً وجِهارا أمامَ أعْيُنِ مُخْبِري النِّظامِ الجائرِ وعساكِره مِلْءَ مسامِعِهم…فَحَيَّ على الطَّواف ..حيَّ على الثّورة !

زَمَنُ الرِّفاقِ يَمُرُّ مُسْرعاً جدّا في ضيافة الحانات.أغْلبُنا يتَمنّى لَوْ يتوَقَّفُ الزّمَنُ مرّةً واحِدَة وإِلى الأَبَدِ في هذه الأماكِنِ الّتي يتَّسِعُ قلْبُها الرَّحْبُ لَنا جميعا طوائِفَ وقَبائِلَ ومَذاهِبَ.لَوْ يتَوَقَّفُ الزَّمَنُ ولا ينْتَهي اللّيلُ ولاَ يأتي الصّباح ! ونَبقى نحْنُ على حالِنا هذا،مُنْتَشينَ بِخُلودِنا في جنّاتِ السَّهَر.حتّى أَلْسُنُ الرفاق تنْفَكُّ منْ عُقَدِ الْبَوْحِ لِتُسْمِعُ المُتَظاهِرين بِحِكْمة الإِنصاتِ منّا كَلاما عَميقاً أنيقاً رَقِيقاً عن الثَّوْرَةِ ورِجَالِها وشُجونِها ومَوانِعِها.لَوْ يَتَفَضَّلُ قِطارُ الزّمَنِ ويُنْهِي قصّةَ هروبِه،وَيَحْتَفِظَ بِنا إلى أَبَدِ الآبدين عالِقين في زَحْمَةِ مُحَادَثاتِنا الرّومانسيّةِ حول الانعتاق والتَّحرّر والحَداثة والكُتُب والنّساء في الحَاناتِ المَغرورة المتفاخِرةِ المُتَبَجِّحَة بزُرْقةِ المُتَوَسّط الفاتحة.

في الصّباح عَثَرْتُ على نفسي مُسْتلْقًى على كَنَبَةٍ في بَهْوِ رَفيقٍ رصِينٍ يُضاهيني بَداوةً واتِّقادا واسْتِياءً وَنُفُورا من جُمودِ المعابِدِ قديمِها وجديدِها.قلتُ لهُ إنّي ذاهبٌ إلى طَوافِ العُمّالِ قالَ لي إنّهُ ذاهِبٌ إلى طوافِ العُمّالِ فانْفَجَرنا ضحِكاً ثمّ افْتَرَقْنا ومَضيْنَا بتثاقُلٍ وارْتِباكٍ شَدِيدَيْنِ كلٌّ إلى طَوافِ طائفَتِه التي ابْتُلِيَ بها وَعَلِقَ في حِبالِها.

وَقَدْ كانوا هناكَ فِعلاً.أمامَ مَدخل المعْبَد كما اتُّفِقَ وخُطِّط.وَقَدْ تَجَمْهَرَ حوْلَهم سائقو سيّارات الأجرة وعمّالُ وعاملاتُ شركات النّظافة والمُعَلِّمون والمُوَظَّفون الصّغارُ والمياومون والعاطِلون عن العَمَلِ الغاضبون وتُجّارُ الأَسواقِ الصّغيرة والتّلاميذُ المُشاغِبون وشبابُ الفيسبوك المتَحَمِّسون وَبَعْضُ النّاشطاتِ في مُنَظَّماتِ حقوق النّساء.كانوا هناك أَغْلَبُهُم.يتناوبون مِن على منْبَرِهم -المُتاحِ مؤقَّتا- على فنونِ الخطابةِ الثّوريّة الطّنّانة.مكَبِّرُ الصَّوتِ المُتَحَمِّسُ يَصْدَحُ بأغاني الثّورة تارةً،وبخطاباتهم المنتقاةِ بعنايةِ الدُّعاةِ تارةً أخرى.ارتَفَعَتِ اللاّفتاتُ الغاضِبَةُ إلى السّماءِ ناطِقَةً بسُوءِ أحوال المَطبخِ والمَدْرَسةِ والمصحّةِ،مُطالِبَةً بتَحْسينِ أَحوالِ الجُيوبِ وشُروطِ الاستغلال،تترَصّدُها بحنقٍ شديدٍ كاميراتُ المُخْبِرين العَلَنيّين والسِّرِّيّين وعيونُ قوّاتِ حفظِ النِّظام المُدَجَّنين المُدَجَّجينَ بالهراواتِ والدّروع المُتأهِّبة.غيْرَ بَعيدٍ احْتَشدَتْ جموعٌ أُخرى حوْلَ منْبَرِ طائِفَةٍ رِفاقيّةٍ أُخْرى لَفَظَتْها آخِرُ حلَقاتِ النّزاعِ. “دَأَبَ النِّظامُ قبْلَ النّزاعِ على حَشْدِ عساكِره لِحمايَةِ عُروشِهِ من شُرور ثورَتِنا،أمّا اليَومَ فيبْدو أَنّهُ يُرْسِلُها تَحْتَ الطَّلب لحمايتِنا من بعْضنا البَعض”،قالَ لي رفيقٌ مُمَيَّزٌ تَصادَفَ وُقوفُنا معاً على هامشِ الحُشود.فضَحِكتُ وضَحِكْنا معاً وضَربْنا موعِداً في مقهى تخْلُو من تَهافُتِ الرّفاق كي نُكمِلَ حَديثَ النُّكوصِ – دونَ تَحَفُّظٍ- بَعْدَ أنْ ينتَهي الطّوافُ المُقَدّسُ في أمانِ قواتِ النِّظامِ وحِفْظِها ورعايَتها.

أَكْمَلْتُ شَعيرَةَ الطّوافِ الأخيرِ على مَضَضٍ،شارِدَ الذِّهنِ صامِتاً عَديمَ النَّفع.كأيِّ بَدَويٍّ مَسْلُوبَ الحماسَةِ مُنْقَبِضَ الصَّدْرِ والوِجْدان يَرْزَحُ تَحْتَ وَطْأَةِ الضَّجَرِ المَدَنيّ القاتِل.كأَيِّ راهِبٍ تَلْتَهِمُهُ نيرانُ الشَّكِّ والحيْرَةِ وتُضْنيهِ رَتابَةُ الطُّقوسِ البَلْهاء في غياهِبِ رُطُوبَةِ دهاليزِ مَعْبَدِه.تَسَرَّبَ إحْساسٌ قاهِرٌ باللاّنتماءِ إلى حَالي.”لَمْ أَعُدْ أَنْتَمي لهذا الهُرَاءِ الهَجينِ ولاَ لِتِلْكَ المَشاهِدِ البئيسةِ” قُلْتُ لصاحِبِي الّذي لَحِقتُ بهِ إلى المَوْعد. فَلْتَكُنْ “حَجَّةَ وداعٍ” إذَن،أو حَفلَةَ وداعٍ على شَرفِ طوائف الرِّفاق.أو فَلْتَكُن حلقةَ أخرى من فصولِ العَبَثِ اللّعينة !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.