هي فوضى ؟

ما الذي تعنيه حرية الرأي والتعبير والصحافة في المغرب؟

للجواب على هذا السؤال “الإشكالي” لا مناص من العودة إلى المادة التاسعة عشر”19″ من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، والتي تشكل الأساس الحقوقي، الذي يستند عليه دعاة الحق في حرية الرأي والتعبير لرفض كل أشكال المساس أو التضييق على ممارسة هذا الحق من جهة، والسند القانوني الذي تتكئ عليه الجهات التي تنتهك حقوق الإنسان وتقمع حريته في الرأي والتعبير من جهة ثانية.

كيف ذلك؟

تنص المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية على ما يلي:

1 لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة.

2 لكل إنسان الحق في حرية التعبير. ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.

3 تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة 2 من هذه المادة واجبات ومسئوليات خاصة. وعلى ذلك يجوز إخضاعها لبعض القيود ولكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون وأن تكون ضرورية:

أ – لاحترام حقوق الآخرين وسمعتهم،

ب – لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

من خلال تمحيص مضمون المادة 19، نستشف، بأن صياغتها وازنت بين الحق والمسؤولية، حينما أخضعت الحق في حرية الرأي والتعبير المشار إليه في الفقرة الثانية منها لقيود واستثناءات تضيق من نطاق ممارسة هذا الحق بموجب الفقرة الثالثة.

فهي من جهة تمنح لكل إنسان حقه في حرية الرأي والتعبير، وفي نفس الوقت، تقيد ممارسته لهذا الحق، بقيدين أساسيين، يتعلقان باحترام حقوق الآخرين وسمعتهم، وحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة.

من هذا المنطلق، فإن ممارسة الإنسان لحقه في حرية الرأي والتعبير وفقا للمادة 19 – التي علقت عليها اللجنة المعنية بحقوق الإنسان في تعليقها الرابع ” بأنها ” حق لا يسمح العهد بأن يخضعه لأي استثناء أو قيد” على اعتبار أن الحق في حرية الرأي والتعبير، يمثل حجر الزاوية لكثير من الحقوق بما في ذلك الحقوق السياسية – ممارسة ينبغي للإنسان أن يوازي فيها بين الحق والواجب، لاسيما، عندما تكون هناك قيود منصوص عليها في القانون.

العودة إلى هذه المادة من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، الذي صادقت عليه الدولة المغربية في 3 ماي 1979، تأتي من أجل مساءلة كيفية ممارسة هذا الحق، في مجتمع لا زال لم يحسم بعد إشكالية العلاقة بين الحرية والمسؤولية، وذلك من خلال التوقف عند واقعتين:

الأولى تتعلق بموت وزير الدولة والقيادي في حزب العدالة والتنمية وحركة الإصلاح والتوحيد عبد الله باها رحمه الله. والثانية تتعلق بكيفية تعامل بعض المنابر الصحفية الورقي منها والإلكتروني مع ما يسمى بفضيحة النائب البرلماني عن حزب الاستقلال ” عادل تشيكيطو”.

وفاة وزير الدولة عبد الله باها فجرت جدلا مجتمعيا كبيرا حول ظروف وملابسات هذه الوفاة.

اتجاه من الرأي العام اعتبر الروايات التي صاحبت الوفاة متضاربة وغير مقنعة وأسس عليها موقفه من كون الوفاة غامضة وتطرح علامات استفهام كبرى حول ظروفها وملابساتها، واتجاه آخر، اعتبر أن الوفاة لا تخرج عن نطاق القضاء والقدر ولا تستدعي أي استفهام.

الاختلاف في تصور الأشياء أو في قراءة الوقائع والأحداث مسألة ايجابية جدا وتعكس تعدد أنماط التفكير السائدة في المجتمع. غير أنه في بعض الأحيان، يتطور الاختلاف في الرؤى، ليصل إلى مستوى المس بحرية الرأي والتعبير، وهذا ما بدا جليا، في واقعة الحادث المفجع الذي أودى بحياة “عبد الله باها” رحمه الله .

في الوقت الذي كان فيه البعض يطرح أسئلة دقيقة حول ظروف وملابسات موت هذا الرجل، استنادا، على ما رشح من تفسيرات متضاربة في الصحافة الورقية والإلكترونية، وعلى ما ورد في بلاغ وكيل الملك من معطيات، لجأت بعض الأطراف إلى التشكيك في نوايا المتسائلين، ومنهم من وصف أسئلتهم بــ”الخزعبيلات” كما هو الشأن بالنسبة للوزير عزيز الرباح الذي سارع إلى جداره الفايسبوكي للتعبير عن امتعاضه مما نشرته بعض المواقع الذي اتهمت ما وصفتها بالدولة العميقة بالوقوف وراء موت وزير الدولة عبد الله باها.

وهناك من ذهب إلى حد اتهام هؤلاء المشككين في تماسك الرواية الرسمية، بالمسخرين والمدفوعين لإثارة الفتن والقلائل، في الوقت الذي كانت فيه بعض المواقع الإلكترونية القريبة من مطبخ البيجيدي، تنشر تقارير إخبارية ترجح فرضية الموت غير الطبيعي، استنادا لتعليقات النشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الوقت أيضا الذي أعطي فيه الأمر بفتح تحقيق حول ظروف وملابسات الحادث !

هل هناك في المغرب قوانين تمنع الرأي العام الوطني من التعبير عن آرائه ومواقفه عندما تكون هناك فواجع إنسانية ترتبط بحياة شخصيات عمومية في الدولة؟ هل طرح الأسئلة حول ظروف وملابسات وفاة وزير الدولة عبد الله باها فعل جرمي يعاقب عليه القانون؟

بالعودة إلى المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، ولاسيما، فقرتها الثالثة التي تشير للقيود التي تضيق من نطاق الحق في ممارسة حرية الرأي والتعبير، نجد أن القيدين الواردين فيهما، لا يمكن إسقاطهما على موت وزير الدولة، عبد الله باها، لترهيب الرأي العام وثنيه عن طرح الأسئلة.

الأطراف التي سارعت إلى اتهام المتسائلين حول ظروف وملابسات موت باها، بإثارة البلبلة والفتنة والقلائل خدمة لأجندات مشبوهة وغيرها من النعوت المجانية، هي في العمق، كانت ترغب في جر الرأي العام إلى القيد المتعلق بحماية النظام العام.

هل يجوز تكييف النقاش المجتمعي حول ظروف وملابسات وفاة وزير الدولة عبد الله باها أو النائب البرلماني عن حزب الإتحاد الإشتراكي، أحمد الزايدي، وفق نظرية المؤامرة، على أساس أنه يمس بالنظام العام؟

خاطئ من يراهن على هذا الأمر من أجل دفع الدولة إلى قمع حرية الناس في ممارسة حقهم في الرأي والتعبير. ومن يفكر بهذا المنطق، نرد عليه، أن البشرية خرجت مند قرون من حالة الطبيعية التي كانت تسود فيها “ثقافة الغاب” حيث كان الإنسان ذئبا لأخيه الإنسان، إلى حالة التمدن، حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية مُمَأسسة وخاضعة للقانون في إطار تعاقد بين الحاكم والمحكوم.

حرية الإنسان في الرأي والتعبير حق اكتسبه الإنسان بعد نضال حقوقي مرير ضد قوى الجمود والقمع والتسلط. والمغرب الذي صادق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية لن يقبل بالعودة لحالة الطبيعة.

من يتهمون المتسائلين حول ظروف وملابسات وفاة البرلماني أحمد الزايدي ووزير الدولة عبد الله باها بالتشكيك وإثارة القلاقل والفتن خدمة لأجندات غير معلومة، عليهم أن يراجعوا فصول الدستور، ولا سيما، الفقرة الأولى من الفصل 25 منه.

الدستور المغربي اعتبر حرية الرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها وحتى القيدين المشار إليهما في المادة 19 من العهد الدولي حول الحقوق المدنية والسياسية، لم يشر إليهما، إلا بشكل ضمني في الفصل 28 الذي ورد في فقرته الثانية “للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة”.

في القضية الثانية المتعلقة بما سمي بفضيحة استمناء النائب البرلماني عن حزب الاستقلال والتي تم تسليط الضوء عليها بشكل مكثف وظالم في الصحافة الورقة وفي المواقع الإلكترونية. تطرح أكثر من علامة استفهام حول كيفية وخلفيات التعاطي الإعلامي معها؟ وحول علاقة هذا التعاطي بحرية الرأي والتعبير والصحافة؟

من حق الرأي العام أن يتفاعل مع قضية النائب البرلماني وفق ما توفر له من معطيات تم ترويجها في عدد من الجرائد والمواقع بطريقة مغرضة وماسة بكرامة هذا النائب. ومن حق هذا الرأي أن يعلق على القضية استنادا للمعطيات نفسها، لكن، دون أن يتورط في تبني ما ينشر في الصحافة كما لو أنه قرآنا منزلا من السماء.

هل من حق الصحافة مصادرة حق “تشيكيطوا” في البراءة من الأفعال المنسوبة إليه؟ هل من حقها التشهير بعرضه والمساس بكرامته دون منحه حق توضيح الأمر للرأي العام؟

ينص الفصل 24 من الدستور المغربي في فقرته الأولى على ما يلي:

” لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة” وينص في فقرته الثالثة على أنه “لا تنتهك سرية الاتصالات الشخصية، كيفما كان شكلها. ولا يمكن الترخيص بالاطلاع على مضمونها أو نشرها، كلا أو بعضا، أو باستعمالها ضد أي كان، إلا بأمر قضائي، ووفق الشروط والكيفيات التي ينص عليها القانون”

صحيح أن حرية الصحافة مضمونة ولا يمكن تقييدها بأي شكل من الأشكال، لكن، الفقرة الثانية من الفصل 28 من الدستور بوصفه التشريع الأسمى في الدولة، كانت واضحة وضوح الشمس، عندما نصت على أنه ” للجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة”

بعض المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية أمعنت في الإساءة للنائب البرلماني بطرق متعددة ” التعامل مع الخبر كحقيقة يقينية، نشر صور النائب في وضعيات مخلة بالحياء دون التحقق منها”. كما أنها لم تلتجئ إلى المعني بالأمر لأخذ رأيه في الموضوع الذي يخصه، مع العلم، أن الرجل برلماني وينتمي إلى حزب سياسي له مكانته الاعتبارية في المشهد السياسي الوطني.

الطريقة التي تعاملت بها بعض المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية مع قضية عادل تشيكيطو، التي وصفت بالفضيحة، لم تحترم الحد الأدنى من أخلاقيات العمل الصحفي النبيل. كما أنها تنطوي على مساس بين بكرامة الرجل وسمعته.

ليس مفهوما أن تكتب بعض المواقع التي تدعي المهنية وترافع عن الأخلاقيات، تقارير إخبارية عن استمناء النائب البرلماني، استنادا لمعطيات مقربين منه !!!

ما الذي منع هذه المواقع والجرائد من الاتصال بالمعني بالأمر واستيضاح الأمر منه ما دام أنه هو المعني بالقضية؟

من هي الجهة التي روجت في نفس الوقت للخبر والصور في عدد من المواقع الإلكترونية علما أن شريط الفيديو الذي أخدت منه الصور لم ينشر في اليوتوب؟

لماذا تم التغاضي في البداية عن المسطرة القضائية التي فتحت بناء على الشكاية التي تقدم بها النائب البرلماني عادل تشيكيطو لدى المحكمة الابتدائية ضد الجهات التي كانت تبتزه عبر الويب؟

الطريقة التي تعاملت بها بعض المواقع الإلكترونية والجرائد الورقية مع النصب والاحتيال والابتزاز الذي تعرض له النائب البرلماني عن حزب الاستقلال، عادل تشيكيطو، من طرف شبكة تنشط في الويب، تجعلنا أمام فضيحة استمناء صحفي في التعاطي مع مزاعم استمناء سبرنيتي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.