هيستيريا نضالية

يبدو أن ثمة ” هيستيريا نضالية” اجتاحت الفايسبوك على وقع محاكمة فتاتي انزكان المتهمتان بتهمة الاخلال بالحياء العام، الحداثيون رأوا فيه مدخلاً مهما للدفاع عن الحريات الفردية، ومعارضة صاحب الجلالة من اتباع لشكر والياس العماري رأوها مناسبة جيدة ل”قلي السم” لحكومة بنكيران واتهامها انها حكومة تنحو نحو “دعششة” المجتمع والقضاء المغربي، النساء التقدميات رأين فيه فرصة لاعلان الانتفاض ضد منطق تأجيل القضايا التي تستوجب النضال كلما تعلق الامر بقضية تكون النساء هن مركزها، كما دأبت العقلية الذكورية على ترسيخ ذلك، جزء من الاعلام العمومي قام بالتعبئة للوقفة، وأقدمت القناة الثانية على بث تقرير مطول في احدى النشرات الاخبارية يغمز الى كون أن الاسلاميين باتوا يتحكمون في القضاء وشرعوا يسخرونه لتنزيل أحكام تعود بالمجتمع المغربي الى قرون البداوة والتخلف.

أمام هذا الوضع الفسيفسائي تُطرح أسئلة محرجة على الذات الفاعلة والمناضلة، فمحاكمة هاتين الفتاتين هو قمع مقيت للحرية الشخصية لا يمكن السكوت عنه، لكن هل يمكن أن نضع اليد في يد كل من ذكرتهم أعلاه، كل من تهمه محاكمة الفتاتين وأن اختلفت أسباب كل واحد في التعاطي مع الموضوع؟ وهل حضور رموز محسوبة على طابور قمع الحريات يجعل الوقفة غير ذات جدوى؟ وهل من المنطقي أن اتواجد مع اطراف هي في موقع النقيض مع جميع مواقفي المتعلقة بحرية التعبير وبالحريات السياسية؟

في الحقيقة، لا أظن أن من انتقد وقفة “تنورتي/صايتي -حريتي” فعل ذلك لأنه يطالب بخوصصة الوقفات الاحتجاجية في الفضاء العمومي، ولا أحد طالب بوضع حواجز ومتاريس للتحقق من الهوية للسماح بالمشاركة في الاحتجاج، ولا أظن أحداً ما زال يتمتع ولو بنزر يسير من قواه العقلية أن يقول ذلك، لذلك إن فعلها أحد فليتحسس عقله فقد يجد شيئا اخر مكانه غيره. إذن، الانتقاد ليس مبعثه هو نوعية الحضور، بل، بالنسبة إليّ على الأقل، الانتقاد موجه لترتيبات الوقفة والاجندة المستترة التي تحكمت فيها؛ تلك الترتيبات التي كانت في السر  أو في العلن، ترتيبات وتنسيق مع من يعادون كلّ الحريات الا حرية التنورة، مع من يمارس سياسةً كنتَ انت بالأمس ترفع ضدّه الشعارات وتطالب برحيله، مع من يعملون على وأد كل الحريات السياسية، وتأتي أنت وتضع يدا في يد مع من تلطخت أيديه بتبرير قمعك، فتلك قمة السذاجة بالنسبة إليّ و التي قد تتحول في بعض الحالات إلى نوع من الانتهازية المقيتة.

نعم، نحن ضدّ انتهاك الحريات الشخصية، ضدّ التضييق على حرية اللباس، ضدّ التضيق على كلّ الحريات، صحيح ليس هناك أولويات في قضية الحرية، إماّ أن ادافع عن الحرية أو لا أفعل، ف”ليس في قضية الحرية حل وسط” كما قال الزعيم ابن عبد الكريم الخطابي، لكن أن أتحول الى حطب في نار تستعر لتلتهم كل نسمة حرية وكل أمل، فذاك ما أرفضه وأقف في وجهه…

لا أدعو أبدا الى تأجيل الدفاع عن الحريات الفردية، ولا أنادي مطلقا بالتمييز بين هذه الحرية وتلك وترتيبها وفق سلم أولويات خاص، بل انادي بالتحلل من ذاكرة السمكة في ممارسة السياسة، اخاطب من يناضل سياسياً ويفترض أن له مشروعاً يناضل من أجله، أما من يحتفل فقط فلا لوم عليه، وأجده منسجما مع نفسه.

هنا لا أبخس أحدا حقه أن يفعل ما يحلو له وأن “يناضل” بما يراه مناسباً، لكني من حقي أن أناقش وأبدي ملاحظاتي، لذلك رجاءً لا تحاولوا تجريم من انتقد، وتصوّرونه كأنه في موقع التحريم، انا لا أحرّم ولا أنتقص، لكني انتقد وأسجل ملاحظاتي.

الذين يرفضون (أو هكذا يدّعون) تجزيء النضال، وعدم الاستخفاف بقضية مقابل الاعلاء من شأن قضايا أخرى، أراهم هم أول من يفعل ذلك، هل خرجوا للتنديد بقمع حرية التعبير، رغم توالي الهجوم الممنهج عليها (منع الحاقد، التضيق على الصحافة، منع بعض الجمعيات من تنظيم ندواتها..) أم أن التنورة “قضية” فيها تتمركز جل القضايا الاخرى؟ طيب، التنورة تجمعنا وعلينا ان نستغل الفرصة لاحراج هذا النظام او هذه الحكومة او (حسب كل امرئ ما نوى) ولندافع عن مجتمع التعدد والحرية، جميل مجتمع الحرية والتعدّد، ترى هل تم رفع ولو شعار واحد تضامنا مع الحاقد ودفاعا عن التعدد خلال وقفة التنورة؟ ترى هل رُفع شعار واحد يستنكر قمع حرية الصحافة؟ لا اطالب بترك الشعارات المركزية للوقفة، بل اتساءل اليس بمنطق أن الحرية لا تتجزأ وأن القضايا لا يجب أن تُرتّب وفق سلم أولويات، من الاجدر أن ترفع شعارات مستنكرة محاكمة فتاتي انزكان وشعارات تدافع عن حرية اللباس، وأيضا لابد من الاشارة الى قمع كل الحريات بما فيها حرية التعبير؟ فالحاقد لم تمر إلا أيام قليلة على منعه وحرمانه من حقه في التعبير، أليس من الأجدر أن تجد حرية التعبير مكانا ولو صغيرا بين شعارات التنورة؟ أم أن التنورة وحدها عنوان التعدّد وما خلا ذلك فيه نقاش واختلاف؟

ربما لأن التنورة تخاف أن تخدشها شعارات تطالب بحرية هي لا تعنيها فتشوه جماليتها، او ربما لأن جمهور التنورة لا يريد أن يزرع بذور الشقاق بين المشاركين في الوقفة، فكانت التنورة وحدها لاشريكة لها عريسة الوقفة الاحتجاجية، وتم رفعها على أسنة السهام لترفرف عالياً، وتشهر جماليتها في وجه القبح الداعشي الذي بدأ يتعشش في مجتمعنا برعاية بنكيران وحزبه الذي نتفق في سياقات اخرى انه لا يحكم، وانه تخلى عن صلاحياته للملك رغم اريحية الدستور الممنوح الجديد، لكن اليوم نحملّه كامل المسؤولية، فقط بقي لي أن أعرف من “رفاق التنورة” هل الحكم الذي سيصدر على الفتاتين، سيصدر باسم صاحب الجلالة أم باسم بنكيران أو الرميد؟
مرحبا بمغرب الحرية والتعدد المنسوج من حرية التنورة، ولينتظر الحاقد ولتنتظر الصحافة المستقلة في الفَناء الخَلْفي ريثما نخلّص المجتمع من التدعشش وننظف القضاء منه…

هو ذا صوت الحرية ولا شيء يعلو فيه على صوت التنورة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.