هولاندا: الصيف وأحداث الساعة

لدي مشكلة كبيرة مع النوم. إنها أكبر من أن تختزلها كلمة الارق الذي أعاني به منذ أسابيع عدة. سأعترف الآن. إن نفق الأرق لمظلم وطويل جدا. يظهر لي وكأنه لا يعرف ما معنى النهاية، خصوصا وأن بطولة كأس العالم لكرة القدم على الابواب. خصوصا أنها ستقام حسب دورة زمانية مختلفة عنا، فنجبر نحن على اصطناع الارق تحت حلة التفرج والسهر ومتابعة أطوار كرة القدم. أرق، أرق فوق الأرق.

أخال هولاندا بحيرة كبيرة وقبل حلول الصيف أتخيل طفلا صغيرا وهو يبحث على حجر يستعصي العثور عليه على سطح هولاندا المنخفض، لكن ما ان يجد الطفل واحدا إلا ويرشق به ماء البحيرة. فيحدث الحجر في الماء دائرة تبدأ صغيرة وتفتح مداراتها وتتوسع لتنتشر الدائرة على سطح البحيرة كاملة دون أن تغير وجه البحيرة. من تلك الاحجار الصغيرة، الحمى البرتقالي الذي بدأ ينتشر شيئا فشيئا فيسود بلونه البهي على المظاهر العامة والخاصة في المجتمع الهولندي. هذا الحمى الذي يواكب استعدادات المنتخب الهولندي ويزداد هيستيرية كلما اقترب افتتاح البطولة الكروية العالمية. أتمنى أداءا جيدا للمنتخب الهولندي كي يتسنى للمواطن الهولندي ترجمة حماقاته وهيستيريا حماه الى وصل، ومن هناك…من وصل الى وصل بعد كل فوز في سلسلة حتى النهاية، حيث الاستنزاف الذي سيلي الانفجار بسرعة.

السلبي في هذه الدورة البرازيلية اضافة الى الاختلاف الزماني هو أن تشكيلة المنتخب الهولندي لا تعرف هذه المرة إلا اسما ريفيا واحدا، ابراهيم أفلاي. لكن لنكن متفائلين، فالقادم من البطولات ستعرف مشاركة أكبر لريفيي الشتات حيث أن المدارس العريقة لكرة القدم الهولندية تزخر بكثير من المواهب الريفية الشابة التي تزاول التدريب لتصنع تلك الطفرة النوعية عبر تغيير المعيق الأكبر في مسارها: العقلية ..

******

يأخذ الطفل حجرا ثانيا ويضرب به سطح البحيرة.. فيتراءى لنا الفيلم الاباحي ل ‘الامام’ السلفي من مدينة أوتريخت وهو يواقع صديقه الهولندي. في وتيرة كبيرة تنتشر رقعة دائرة الفيلم لتدرك بيوت الكثير من العائلات رغم أن الأخبار لم تتطرق اليه لكون الحادثة شخصية وتهم الممثلين في الفيلم فقط. يمتزج ملح الفضيحة مع زعتر الاثارة، فتعم الضجة وتنسي الكثيرين الارتفاع المهول لتذاكر الطائرات الملكية المغربية. تنسي الوجع الذي يواكب استعدادات المهاجرين لزياراتهم الصيفية في ظل أزمة خانقة.

تنسي…لكنها لا تعوض، فالألم هذه المرة أكبر. فحيث تطبق جل شركات الطيران العالمي مبدأ ‘الفصل المنخفض’ و ‘الفصل المرتفع’ في تحديد التسعيرة، فتحسب عطلة رأس السنة والعطلة الصيفية فصولا مرتفعة، السبب الذي يجعل سوق التذاكر مرتفعا جدا، تطبق الخطوط الجوية الملكية المغربية مبدأ الفصل المرتفع حسب الشدة عند المهاجر. تطبقه في رأس السنة وفي العطلة الصيفية وفي مختلف عطل مدرسية. تطبقه أيضا في الاعياد وفي المناسبات بشكل ينسجم مع عطل الدول المستضيفة. أينما وجدت الشركة الشدة عند المهاجر إلا وترفع سعر التذكرة..

كان لشركة طيران تحمل صفة وطنية ملكية أن تمارس لأجل الوطن لعبة الاسعار الرمزية أو على الاقل المنخفضة نظرا لما ستجلبه من سياح عبر العالم الى الوطن وما سينفقونه هناك لصالح نفس الوطن، فيكون الربح في نهاية المطاف أكبر. لكن العكس يحدث. ثمن التذكرة عند هذه الشركة لرحلة من أمستردام الى الحسيمة يتجاوز المليون سنتيم لقطع مسافة 2031 كلم جوا، في حين أن نصف هذا المبلغ يضمن رحلة عبور المحيط الى مدن أمريكية تبعد عن أمستردام بما يقارب 8000 كلم. ومن هذا “نصف المبلغ’ يستفيد المسافر من إقامة مجانية في فندق من ثلاثة نجوم اضافة الى وجبة فطور لمدة اسبوعين بالمجان أيضا.

غلاء التذاكر عند الخطوط الجوية الملكية المغربية يعرف تمييزا كبيرا، فالتذكرة الى أقرب نقطة (مثلا الحسيمة) يفوق ثمنها، ثمن التذكرة الى أبعد نقطة (مراكش، أكادير مثلا). لقد سبق للمهاجرون المغاربة أن أثاروا هذا الموضوع، لكن دون جدوى. سبق أيضا لادارة الخطوط الجوية ان ‘استمعت’ الى شكايات المهاجرين وفسرت لهم مصدر هذه الفوارق في الاثمنة: ‘الطائرة التي تقصد مطار الحسيمة عليها أيضا أن تأخذ رحلة بدون ركاب الى الدار البيضاء قصد الصيانة وتعود’. في الحقيقة يدفع زائر الحسيمة ثمن تذكرتين أو ثلاثة، تذكرة من أمستردام الى الحسيمة، وتذكرة من الحسيمة الى الدار البيضاء وأخرى من البيضاء الى الحسيمة. إنه حماقة هذا النوع من التفسير، فلماذا ينطبق هذا فقط على مطارات الاقاليم الشمالية دون غيرها أخذا بأن كل الطائرات تحصل على دورات صون بالدار البيضاء. إن هذا الموضوع طويل والازمة خانقة والسيارة أيضا مكلفة. الخطوط الجوية لبلدان اخرى والتي تنافس الخطوط الملكية، انهكت بالضرائب كي لا تفتقد الخطوط الملكية امتلاكها للسوق أو تجد نفسها مرغمة أن تخفض في الاثمنة ويتقلص رصيدها من الارباح الخيالية… مرحبا بجاليتنا وشركة الخطوط هي الاولى بثمرة عرق جبينكم.

****

يأخذ الطفل حجرة ثالثة ويضرب بها عاليا في السماء، فتسقط في البحيرة، وتحدث دائرة توقفت الآن مع اعتلاء السيد فان فوركوم سدة أهم مؤسسة دستورية ويمكن ترجمة اسمها بأمانة المظالم الوطنية. حيث يتجسد عملها في مراقبة عمل الإدارات والمؤسسات العمومية، وتبحث في شكاوى المواطنين ضد الإدارات، ونزاعاتهم معها وتأخذ خلاصاتها من طرف كل مكونات المجتمع بنوع من الجدية تتجاوز الجدية التي تأخذ بها القرارت القضائية. ‘فان فوركوم’ شخصية أثيرت حولها ضجة كبيرة خصوصا من طرف الجالية المغربية في الآونة الاخيرة. فقبل بضع سنوات صرح السيد الذي كان آنذاك مديرا للرابطة الوطنية للمواصلات (ANWB) في برنامج تلفزي بأنه لا يترك زوجته تأخذ الطاكسي، لوجود امكانية أن تنادي على واحدة وتجد السائق مغربيا.

أثارت كلماته حفيظة جزء كبير من المجتمع واعتذر السيد عليها آنذاك. نفس السيد عين على رأس أمانة المظالم الوطنية التي يجب أن يكون رئيسها شخصا نزيها. معارضة الجالية المغربية لتعيينه ومعهم بعض الاحزاب اليسارية لم تنفع، حيث فاز تعيينه بأغلبية الاصوات البرلمانية لتنتصر بهذه النتيجة العقلية الهولندية ‘الصاحية’ كما يسمونها أهلها. السيد أدلى بتصريح عنصري وعوقب بالضجة التي تلت كلماته وقد اعتذر على كلماته وقوبل اعتذاره من مختلف أطرف المجتمع ومعها الجالية المغربية. نقطة. لا كلام حول الحادثة من بعد…القبول يعني لا حرج وإلا فلن يعتبر قبولا ويكون موقف الجالية محل النقاش بدل تصريحاته…

العقلية الهولندية البسيطة في تناولها لمختلف القضايا وضعت حدا للامتداد الذي اكتسح سطح البحيرة. حتى الطفل كف عن رمي الأحجار والبحث عنها. حبر هذا القلم سيكف هو أيضا بعد قليل عن التعبير والسيلان. فقط الأرق ما بقي وكأن الأرق ليس من شيمه الطبيعية أن يكف ويتوقف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.