هوامش على متن جريمة شارلي ايبدو

بداية لابد من التأكيد على إن اختيار هذا العنوان لم يكن مجرد “فذلكة” لغوية، بل كان اختيارا مغرضاً يستهدف سبر أغوار بعض الهوامش التي تناثرت على جنبات متن جريمة اغتيال صحافيي جريدة شارلي ايبدو، فعناصر هذه الجريمة وما رافقها من تفاصيل تم ويتم تقديمها برواية تكاد تكون هي الرواية الوحيدة الممكنة، وهو ما أسميتُها: متن الجريمة، أما هوامش هذا المتن فهي أسئلة وملاحظات سأحاول التطرق لها في هذا المقال.

الأسئلة التي سأحاول اثارتها لا تروم تقليب الارض لإنبات معالم نظرية المؤامرة، بل هي أسئلة مفتوحة تراءت لي وانا أتابع أخبار هذه الجريمة الشنعاء، وما اثارته من نقاش ومن اتهامات ومن تأويلات ومن رجم بالغيب حتى.. فعدم الاستكانة والخضوع كالقطيع لسلطة الرواية الرسمية حول الجريمة، لا يعني بالضرورة الارتماء في حضن نظرية المؤامرة، فلا شيء يفرض على الانسان أن يغلق باب الاسئلة والتسليم بالرواية الرسمية، فهذه الاخيرة ليست مقدسة، وعلى العقل الحر أن يطرح عليها الاسئلة متى بدت له، وكل محاولة ل”قمع” هذه الاسئلة ب”تهمة” الترويج لنظرية المؤامرة هو سقوط فج في نظرية المؤامرة بشكل معكوس.

وفيما يأتي محاولة رصد لبعض الأسئلة والملاحظات التي تراكمت لدي وأن أتابع تفاعلات الجريمة النكراء التي استهدفت صحافي شارلي ايبدو، و رصد ما استتبعها من تبعات وتفاصيل، وسأتناول ذلك في المحاور الآتية:

حول تعاطي الاعلام مع هذه الجريمة

أول ملاحظة يمكن تسجيلها أن الجريمة نالت متابعة اعلامية عالمية قوية، وبعض القنوات الفرنسية ظلت ليومين متتالين تنقل تفاعلات الحدث بشكل مباشر وتم التركيز وبشبه اجماع على التطرف الاسلامي الذي جاء لينتقم من طاقم الجريدة لاتهامه بنشر رسومات مسيئة للرسول، وتم الاتكاء على ما تناقلته احدى الفيديوهات من أن منفذي الجريمة كانوا يصرخون “لقد انتقمنا لنبينا” بعد تنفيذ جريمتهم. كما أن وزير الخارجية الامريكي اختار أن يقدم دعم بلاده للدولة والشعب الفرنسي عبر خطاب ألقاه باللغة الفرنسية لأول مرة من طرف وزير خارجية أمريكي.

الملاحظة الثانية التي يمكن تسجيلها هو أن اغلب وسائل الاعلام العالمية تعاملت مع الحدث بنوع من التسرع أسقطها أحيانا في عدم احترام حقوق الانسان من خلال إعمال قرينة البراءة إلى أن تثبت التهمة، فمثلا عندما أعلنت الشرطة الفرنسية أسماء ثلاثة مشتبهين بضلوعهم في الجريمة سارعت وسائل الاعلام إلى وسم هؤلاء بكونهم الارهابيون الذين نفذوا الجريمة، وهذا انتهاك خطير لحرية الانسان وحقه في محاكمة عادلة، وهو ما بدا بشكل فظيع مع حالة التلميذ “مراد” الذي ورد اسمه مع الثلاثة، وقالت الشرطة الفرنسية أنه المشتبه به الثالث الذي كان مع العنصرين في السيارة، لكن تبين فيما بعد ان التلميذ كان يتابع دراسته رفقة زملائه في تلك اللحظة؟؟؟

مبدئيا، الامن الفرنسي من حقه أن يعلن لائحة مشبوهين بناء على معلومات توفرت لديه، لكن هذا ليس مبررا لأي احد أن يعلن أن هؤلاء هو المجرمون، هؤلاء لحد الان مشتبه بهم وليسوا مذنبين، وعندما ينشر الاعلام عناوين من قبيل:” هؤلاء هم الارهابيون الذي نفذوا جريمة شارلي ايبدو” فانه بهذا يقوم بخرق خطير لحق من حقوق الانسان في كون الأصل هو البراءة، ومهنيا وانسانيا و.. لا يمكن ان تعلن أحدا بكونه مجرما إلاّ بعد أن يمر من المساطر التي يثبت بها القانون الجريمة، أو أن تثبت الجريمة بدليل مادي ملموس.

صحيح بعض الإعلام، خاصة الفرنسي، ظل يقول عن هؤلاء مشتبهين، عكس بعض الاعلام الشاطر عندنا، لكن للأسف هذا الاعلام الفرنسي او لنقل للدقة أغلبه، تخلى عن هذه الاحتراز بمجرد اعلان مقتل المشتبه بهم، مباشرة بعد ذلك أصبحت العناوين هكذا “مقتل الارهابيون المتورطون في جريمة شارلي ايبدو”؟؟ كيف نسي هذا الاعلام مهنيته بسرعة وانتقل من الحديث بصفة “المشتبه به” الى صفة “المجرم”؟ هل مقتل هؤلاء يعني اثبات الجريمة في حقهم؟ وهل حتى ما نقلته الشرطة كون أحد المشتبه به أعلن مسؤوليته عن الحادث وأن ما قام به كان بإيعاز من القاعدة؟ هل يعتبر هذا من الناحية القانونية اثبات لا غبار عليه للجريمة؟ وهل يمكن اعتبار اعتراف أحد المشتبه به في مكالمة هاتفية غداة تفاوض من أجل تسليم نفسه دليلا كافيا على اثبات الجريمة؟ أليس الكثير من الاعترافات في العديد من الجرائم كانت تمويهية فقط، ومن بعد انكشف زيفها؟ ثم انسانيا وقانونيا هل يمكن اعتبار اعتراف صادر من افراد في مثل تلك الوضعية وهو محاصر ومطلوب امنيا للاشتباه به هو دليل كاف لإثبات الجريمة عنهم؟

إن كانت لهذا الاسئلة جدارتها، فلنا أن نتساءل كيف حدث هذا الاجماع الاعلامي العالمي على وسم هؤلاء بالمجرين بمجرّد قتلهم، ولماذا لم تستمر خصوصا وسائل الاعلام الفرنسية الكبرى في نعت هؤلاء بالمشتبه بهم ريثما يصدر تحقيق نهائي يؤكد فعلا أن من قُتلوا هم المجرمون فعلا وليسوا مشتبه به فقط؟

ركزتُ هنا على الاعلام الفرنسي لأنه هو المعني بالدرجة الأولى بالموضوع، أما الاعلام المغربي في عمومه هو عبيد التسرع، ويستسهل حشد العناوين المدرة للقراء، فجولة قصيرة على عناوين المواقع الاخبارية والجرائد ستجد كلها تعلن بطمأنينة مقتل الارهابين المتورطين في جريمة شارلي ايبدو، وكفى المهنية شرّ التنابز.

تفاصيل حول الجريمة أو الشجرة التي قد تخفي الغابة

من الأمور البديهية أن الدول الديموقراطية التي تحتكم في سياستها وأمنها للمؤسسات لا الافراد، فإنه عندما يُستهدف أمنها القومي لا يمكن لها أن تتعامل بتراخ أو بلامبالاة، بل لا بد من تدخل حازم لقطع دابر الجريمة التي تستهدف امن الدولة، فأمن المواطن هو خط أحمر.
ولحفظ هذا الامن، وبإزاء جرائم مثل هذه، فالدولة المستهدفة تختار بين سيناريوهين إثنين: إما التدخل بأقصى سرعة لتطويق الجريمة وشل قدرة المجرمين عبر قتلهم لتفادي سقوط المزيد من الضحايا ومن بعد ذلك تتعقب خيوط الجريمة للبحث عن شركاء مفترضين قد يشكلون خطرا ما زال قائما. وإما التدخل في حالة استنفار امني قصوى يروم تفادي ما أمكن وقوع ضحايا جدد، والرهان على القبض على الجناة أحياء ليتم التحقيق معهم لوضع اليد على كل شركاء الجريمة. في الحالة الأولى يتم التدخل بسرعة لقتل المجرمين وايقاف شرهم في مهده، وفي الحالة الثانية يتم اللجوء الى المتابعة والمناورة أملا في القاء القبض على المجرمين احياء لتستفيد الدولة من المعلومات الخطيرة التي تكون بحوزتهم و التي قد تكشف كل خيوط الجريمة.

لكن، الملاحظ أن الدولة الفرنسية لم تقم باتباع أي من الطريقتين؛ فلاهي تدخلت بسرعة لقتل الارهابيين وحفظ أمن الفرنسين، ولا هي تعاملت بمرونة حذرة للقبض عليهم أحياء؛ حيث تمكن الارهابيون من تنفيذ جريمتهم بأريحية، ثم الانسحاب من مسرح الجريمة بكل ثقة، والبقاء أزيد من 54 ساعة وهم يتنقلون في مدينة باريس، مرة في سيارات مسروقة، ومرة راجلين، و الأدهى من ذلك نجاح أحد شركاء الارهابيين، كما قدمه الاعلام، بعد مرور 24 ساعة على جريمة شارلي ايبدو في تنفيذ جريمة أخرى، وبكل سهولة أيضاً، فقد هاجم الشرطية المتدربة في “مونوروج” وأرداها قتيلة، وأصاب اصابة خطيرة عامل النظافة، ثم بعد ذلك انسحب المجرم بكل رشاقة ولم تتمكن عناصر الامن من ايقافه، رغم أن المدينة كانت في أقصى درجات التأهب بعد جريمة شارلي ايبدو !!

قد نجد تبريرا لهذا التقصير الامني الفظيع في جريمة تستهدف امن المواطنين إذا كان القصد منه هو التمكن من وضع اليد على المجرمين لكونهم يحوزون معلومات خطيرة ومهمة، لكن عندما نتتبع خيط الموضوع نجد غير ذلك، فالأمن الفرنسي تدخل لقتل هؤلاء ولم يعمل كل ما بوسعه من أجل القاء القبض عليهم احياء، ولا ايضا استطاع أن يحفظ حياة الرهائن؟ فلماذا هذا التلكؤ في قتل الارهابيين؟ إن كان القتل هو مصير المجرمين، كان من الأولى ان يتم تنفيذه في البداية وبسرعة للحفاظ على حياة المواطنين الفرنسين، ولما وقع اختطاف الرهائن بتلك السهولة، ولما تم قتل الشرطية المتدربة ايضا بتلك السهولة.

وعليه، ألا تطرح هذه الملاحظات أسئلةً حول سرّ هذا التقصير الامني؟ وهو تقصير جعل حتى أغلب الفرنسين يطرحون أسئلة تشكك في حزم تعامل الاجهزة الامنية والاستخباراتية مع الجريمة.
وأيضا، لنا أن نتساءل هل ستقدم الدولة الفرنسية لمواطنيها الرواية المفصلة للجريمة، وتكشف عن كل المتورطين فيها وكل الجناة، فجريمة بذلك الحجم وتلك الخطورة لا يمكن القول أنها جريمة ارتكبها شخصان أو ثلاثة اشخاص متطرفون تم قتلهم بعد ملاحقتهم، الجريمة بتلك الدقة تفترض وجود شركاء عديدون، هناك من سهل الامر، وهناك من جمع المعلومات، وهناك من مكّن المجرمين من السلاح وهناك وهناك.. فهل ستغلق الدولة الفرنسية الملف بمقتل المشبه بهم أم أنها ستعمل، كما يفترض في دولة المؤسسات، على أن تقدم كل الحقائق المرتبطة بالجريمة للمواطن الفرنسي؟

هامش على هوامش المتن

ليهنأ أصدقاؤنا أعداء نظرية المؤامرة؛ هذه الأسئلة والملاحظات لا تروم أبدا توجيه الاتهام الى الصهيونية والماسونية والغرب الكافر .. وهلم جراً، لا أبدا، كما لا تروم تبرئة المتطرفين الاسلامين من ارتكاب اعمال ارهابية مشينة، بل إنها في ظني أسئلة مشروعة، أسئلة نابعة من ملاحظات تَداولها الملايين عبر العالم، أسئلة لا تبحث عن أجوبة “سوريالية” لتطرد عن الذات شبح الاتهام، بقدر ما هي أسئلة أبت أن تظل دفينة؛ انصياعاً لسلطة الرواية الرسمية، إنها اختارت أن تشرئب بأعناقها لتستفز العقول المستكينة.

كما أنه يجب التنويه أن بعض المتطرفين الاسلامين على استعداد لتنفيذ جرائم أفدح، لكن أيضا، نعرف أن بعض المشاريع السياسية قد تجد في حماقة هؤلاء المتطرفين فرصة لفرض أجندة سياسية ترى فيها مصلحتها، فتكون النتيجة التي لم يستطع أن يستوعبها الكثيرون؛ جريمة يرتكبها متطرفون اسلاميون، وتجنى ثمارها أجهزة استخبارات عالمية مرتهنة بمشاريع سياسية، أما أن يدعو البعض إلى غلق باب الأسئلة ما دامت داعش والقاعدة أعلنتا مسؤوليتهما عن الحادث (رغم أنه رسميا لم يصدر بلاغ ولا بيان عن هذين التنظيمين الارهابيين يعلنان تبنيهما للعمل الارهابي)، فهذا تحقير لعقل الانسان، ومحاولة فرض سلطة الرواية الواحدة ب”قمع” الرأي الاخر، وهو أيضا انتصار للكسل وتزكية لمنطق الخضوع لليقينيات الجاهزة.

في السياسة يا سادة لا يمكن الاخذ بهكذا مبررات لتعيين حقيقة واحدة ممكنة. وحتى إن تبنت القاعدة رسميا العمل الارهابي فهذا لن يعني بالضرورة أن هذه هي الحقيقة الكائنة في الواقع، وتاريخ التنظيمات الارهابية في هذا المجال يشهد على أنه كم من مرة أعلنت إحدى التنظيمات مسؤوليتها عن عمل ارهابي ما فيُكتشف من بعد أن العمل الارهابي المقصود بعيد كل البعد عن التنظيم الذي أعلن مسؤوليته عنه.

قبل أن أختم المقال، وصلتني أنباء من أصدقاء مستقرين بفرنسا تتحدث عن وجود تهديدات لمسيرة الغد التي يفترض أن تدعو للوحدة الوطنية، وأن تدين العمل الارهابي، وتدين أيضا استغلال هذا العمل من أجل ضرب الاستقرار والترويج لخطاب العنصرية والانقسام الديني والطائفي، الذين يهددون المسيرة لحد الآن غير معرفون، لكن هذا المساء ثمة اشاعات تتناسل بقوة، تتحدث عن امكانية مهاجمة مسيرة الغد من طرف جهات ما؟؟ وأحد هؤلاء الاصدقاء ارسل لي عينة من التغريدات التي تعكس مدى الخوف الذي تم ترويجه من أجل ايقاف مسيرة الغد (J’ai très peur pour demain. Beaucoup parle un nouveau 11 septembre et je ne crois pas qu’on soit préparés à ça.) وهذا الامر حذّر منه الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران، الذي كتب مقالاً اليوم في جريدة لومند يقول فيه من بين ما يقوله أنه يراهن على مسيرة الغد، اذا لم يتم افشالها، على اعادة اللحمة والوحدة بين أبناء الشعب الفرنسي ونبذ الانقسام الديني والاثني.

تعليق 1
  1. أمين يقول

    الشعوب الاوروبية تعاني من سكيزوفرينية فضيعة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.