هناك خلل ما

اعمارة بن عمر

تكفيك جولة نصف نهار، أو أقل من ذلك مشيا على الأقدام، في مدينة مغربية ما، لتقف على أشكال وركام من الأفعال و الممارسات والسلوكيات والخطابات والمظاهر غير مستساغة، فيها ما هو رمزي وما هو لفظي وما هو نفسي وكذا ما هو مادي . وأي مراقب لفضائنا المشترك سيلاحظ أن المشهد العام، أصبح يعج برداءة دسمة وفوضى عارمة مترامية الأطراف وإلغاء لكل ما هو جميل واستدعاء للقبح بجميع أشكاله. إنه العنف الصلب بلحمه وعظامه ودمه وفي أبهى حلله ، يمشي على قدميه، يصول و يجول بيننا، في أزقتنا وشوارعنا وساحاتنا وفي بيوتنا ومدارسنا ومؤسساتنا مرحبا به في كل لحظة، دون تأشيرة دخول.فنحن نستشعره ونستأنس به ونتنفسه كما نتنفس الأكسجين في حياتنا.

مع غياب الكفاءة و روح المسؤولية والمحاسبة وكذلك سياسة التخطيط و التمدن والمدينة والاعتناء بالعنصر البشري لذى مسؤولينا ،وكذا سيادة عقل ترميقي ترقيعي، عقل أفقه :طابق سفلي + أربع طوابق ،وهيمنة عقول ملفوفة بالإسمنت والزفت في خدمة أكبر مشروع حضاري تاريخي أخرج للأمة ،إنه مشروع “تعميم المقاهي وتوزيعها بعدل بين المدن والقرى والبوادي بين الشوارع والأزقة في أفق توفير مقهى لكل مواطن” .هذا العقل، حول هذه المدن إلى مراعي مفتوحة وفضاءات مغلقة ،كأنها سجون مفتوحة على السماء : ركام من الرداءة الصلبة المستشرية تظهر و تطفو أينما وليت وجهك ،الزحف الرمادي على الأراضي الفلاحية وتحويلها الى غيتوهات وصناديق اسمنتية، فالإسمنت المسلح أصبح يؤثث كل واجهات المدينة .واجهات البنايات والعمارات و المنازل غير متجانسة وغير منسجمة و بدون أدنى جمالية تطل علينا من كل الزوايا، طرق محفورة – الحفر أعدل قسمة بين الطرق في القرى والمدن – غياب فضاءات للترفيه ،وإن وجدت فهي بدون روح، غياب المساحات الخضراء، فضاءات وشوارع بدون أرصفة ،وإن وجدت فهي متآكلة ومتهالكة ،وأخرى غير مبلطة ،غياب مآرب ومستودعات للسيارات، بالوعات الصرف الصحي بدون أغطية ،أشجار على جنبات الطرق دون تشذيب، هرمت في انتظار ريح قوية لتقوم بمهمة اقتلاعها ،إنارة عمومية منعدمة وإن وجدت فهي باهتة تكاد لا تضيء حتى على نفسها، جدران المدارس والمؤسسات مهترئة ومخربة وما خفي أسوأ(اكتظاظ وتكدس،كراسي متآكلة وأبواب مكسرة ومحطمة ،غياب التجهيزات الأساسية، مراحيض في حاجة لنظافة، فوضى وعدم الانضباط ، ومناهج فاقدة لمنهج ،و مربي في حاجة إلى تربية ومؤطر في حاجة لتأطير،ادارات بدون مدراء ، وبنايات طالها النسيان والتشويه ، كما نام عليها الدهر بعد أن أكل منها وشرب ، غياب الطلاء ،وإن وجد فبدون جمالية وانسجام ، أطراف من الزجاجات المكسرة مغروسة على قمم الجدران كسياج )، مستشفيات في حاجة إلى الصحة ،فاقد الشيء لا يعطيه،غياب الممرات لتسهيل الولوج إلى المرافق العمومية خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة ، الترخيص لمحلات الحدادة والنجارة والميكانيك للاشتغال وسط دور السكن ،واستنبات مصانع في قلب المدينة ، أنابيب دخان موجهة نحو السماء لحمامات وأفران تنفث دخانها بشكل مسترسل ليل نهار، أزبال رائحتها معممة تزكم الأنوف في كل الجهات. حتى الغابات لم تسلم من بصمات الأيادي المخربة ،كما لم تسلم شواطئنا وبحورنا من متلاشيات وأزبال متنوعة ،إنه السخاء ،عفوا الدمار. مشاريع غير مكتملة تتحول إلى أطلال،وتصبح مآوي وأعشاش للمهمشين والمقصيين. البدء في أشغال الحفر وما يشبه الصيانة، دون سابق إشعار أو توجيه وفي غياب وسائل التشوير والإخبار والتعويض.

أشكال من السرقة الموصوفة (عن سابق اصرار وترصد) مرخص لها : مقاهي ومتاجر قضمت – ما شاء الله- عفوا ما شاء مالكوها وما شاء مسيرو و مسؤولو المدينة من الأرصفة ، هذا الاستحواذ الممنهج على الأرصفة دفع بالمارة ليتراموا ويتزاحموا وسط الطرق المعبدة المخصصة للسيارات، متمايلين في سيرهم ،يجتازون الطريق في كل مكان دون مراعاة امكنة ممرات الراجلين ان وجدت .

ان استشراء واستفحال ظاهرة احتلال الملك العمومي، حول أية بقعة أرض فارغة لمشروع مستودع أو براكة ،أو مرتع للمهمشين والمقصيين، أو مزبلة .وكل الأزقة وكل الشوارع مرشحة في أية لحظة لأن تصبح أسواقا يومية أو على الأقل أسبوعية ، كما أن غياب أمكنة للنظافة وقضاء الحاجة يحول أية زاوية خصوصا إذا كانت مظلمة إلى مراحيض عمومية .

في ميدان النقل والتنقل،تجوب شوارعنا كما أزقتنا،وسيلة عجيبة وغريبة، إنها “التريبورتور” le triporteur ” ،أو “البراكة المتحركة “،أو الموت الذي يتجول في أزقتنا وفي شوارعنا بترخيص وبدون رخص السياقة. حافلات منتهية الصلاحية بكراسي متآكلة ،قد تغامر بثيابك إن كانت من النوع الثمين وأنت تجلس عليها ، سيارات أجرة مهترئة لا تقفل أبوابها إلا إذا استعملت معها العنف، عفوا أريد أن أقول القوة ، دخانها الموجه نحو أنوف المارة يخنق الأنفاس و ربما يحملك على الغثيان ،مما يؤشر على وقود من النوع الرديء، وصوت محركاتها يسبب صداع الرأس، دون أن ننسى تكديس البشر كما تكدس السلع او للدقة كالسردين المصبر والمعلب تنقصنا الزيت فقط . التوقف المستمر: لحافلات النقل وللشاحنات وكذا لسيارات الخواص ولسيارات الأجرة الصغيرة منها والكبيرة، دون إشعار أو إشارة أو احترام لأماكن التوقف و الوقوف، سائقون يستعملون المنبه الصوتي klaxon بمجانية وبسخاء مفرط وآخرون لا يحترمون حق الأسبقية والسرعة المسموح بها وسط المدينة، كما لا يحترمون علامات التشوير إن وجدت. وأزقة عليها علامات تشوير مهترئة ومتآكلة بخيلة لا تفصح عن شيء إلا عن استهتار مكشوف بسلامة الناس وأرواحهم.

مع كل مباراة لكرة القدم، تصبح المدينة المستضيفة للمبارة معسكرة وفي حالة استنفار قصوى، فالملعب و محيطه مطوق بالشرطة وما أقوى منها ،وغالبا ما تنتهي المبارة بحرب ضروس تأتي على الأخضر واليابس ،وتخلف ضحايا من جمهور المتفرجين و كذا خراب على مستوى التجهيزات الأساسية للملعب، دون أن ننسى واجهات المقاهي والمحلات التجارية ،وكذلك السيارات المركونة بالقرب من الملعب أو في طريقه .

وأنت تتجول بأحد الأسواق :ضجيج لا متناهي، واكتظاظ مكتمل ، مرغم أنت لا مخير على سماع كل أنواع الموسيقى في نفس اللحظة وفي نفس المكان كما أنت مرغم على سماع أشكال من القراءات والتجويد القرآني، معذرة – إن ترتيل القرآن دون مستمعين منتبهين وخاشعين لا يعدو أن يكون إلا ضجيجا ينضاف إلى الضجيج المستشري- .في دكاكين بعض التجار، تصادفك مجاملة زائدة عن اللزوم حتى تتحول إلى نفاق مستشري لا يحتمل ملفوف لطمع طافح يأتي على الأخضر واليابس ، كل ذلك من أجل تمرير زيادات غير مبررة وغير معقولة في أسعار غير محددة ولا معلنة أصلا وسلفا.

مع كل آذان للصلاة عدا صلاة الصبح ، تتحول فضاءات المساجد إلى أسواق وضجيج وعراك وأوساخ متناثرة.وداخل المسجد قد تصلي وأنت غير خاشع بل خائف حتى لا تعود الى منزلك حافي القدمين وعند الخروج الكل بتسابق الى الابواب في غياب لتسامح ولنظام طال انتظاره مما يسبب في اكتظاظ مفرط .لا أدري ان كانت صلاتنا فعلا تنهانا عن الفحشاء والمنكر أو حتى دون ذلك ؟ .في ليالي فصل الصيف تكثر حفلات الزفاف التي لا تخلوا من ضجيج و صخب مترامي الأطراف مسترسل حتى الصبح دون مراعاة للآخرين وأحوالهم.

البائعون المتجولون في كل مكان استحوذوا على “نصيبهم” مما تبقى من الأرصفة. و أي عاطل هو مشروع بائع متجول ، هو مشروع حارس سيارات ، أو رجل أمن خاص” agent de sécurité”، أو نشال قد يحصل على وسام من درجة “مشرمل” .

مقابر طالها النسيان والإهمال وتحولت الى مرتع للمهمشين والمقصيين وكذلك فضاء للتنقيب والحفر والنبش من طرف المشعوذين .كما اصبحت محطات لجميع أنواع وأشكال الازبال ومراحيض الهواء الطلق .

الكلاب والقطط الضالة تكون مجموعات متجانسة مع المهمشين والشحاذين والمتسكعين والمقصيين في كل مكان. لا أدري لماذا يستفزنا الانسان الراشد الذي يفطر جهرا في شهر رمضان ؟ ولا تستفزنا برامج تلفازية تعرض متلاشيات وبقايا بعض الدول وتنفث كوكتيل من السموم ودروس في كيفية تدمير هويتنا وتخريب حضارتنا في سبعة أيام بدون جنود . أو عروض مسرحية رديئة و متكررة ربما بنفس الأشخاص ونفس الأدوار ونفس الموضوع .كما لا يستفزنا منظر طفل أو شاب أو عجوز متخلى عنه ينام على الرصيف، أو امرأة مع أطفال شبه مخدرين نائمين على الرصيف من أجل التسول بهم لذى المارة ، أو مشهد علني لفعل تقديم رشوة مقابل عمل غير قانوني ،إن لم نكن نحن الراشين أو المرتشين .أو فعل احتلال ملك عمومي، أو مشهد لشاب أو لرجل يعاكس ويتحرش ببنت أو امرأة وسط الطريق، خصوصا إن كان راكبا على سيارته مما يعرقل حركة السير في الشارع العمومي.كما لا يستفزنا السكر العلني والعربدة والكلام النابي والشتم والسب بسخاء قد يشمل جميع المارة ويكون لك أنت أيضا نصيبك في ذلك. أو التبول، التنخيم، البصق، تفريغ محتوى الأنف المثقل،التدخين ثم القذف بأعقاب السجائر في كل الاتجاهات وفي كل الأمكنة حتى دون إشعار.

وأنت تسير على الرصيف، أو جالس على كرسي في مقهى ، يثير انتباهك في وسط الشارع العمومي راكب على سيارة قد تكون مهترئة أو فخمة ، يفتح الزجاجة الجانبية ،ليس ليستنشق الهواء ،لكن ليتكرم على المارة بعلبة سجائر فارغة ،أو قارورة مشروب ما، أو أعقاب سجائر، أو على الأقل بصق، دون أي احساس بذنب أو حرج أو استحضار لضمير قد طال غيابه .

في أحد أهم وأشهر شوارع الرباط عاصمة المملكة حيث الاستعراض اليومي والروتيني لكل تضاريس الأجساد،وآخر موضى اللباس – للأنثى مثل حظ الذكرين- ( وقس على ذلك شوارع جل المدن المغربية) وعلى الأرصفة “النظيفة” وفي كلتا الضفتين، تسترعي انتباهك رقع رمادية تميل إلى السواد في لونها صغيرة في حجمها كثيرة في عددها، إنها للعلكة إذ بعد لوكها ومضغها، يتم القذف بها على هذه الأرصفة مباشرة من الأفواه ،في حركة لا تزيد تحضرا عن حركات الأنعام ،وبعد ذلك تداس بأقدام المارة ،أجزاء منها تلتصق بأحذيتهم ،وأخرى تلتصق بالأرض كأنها أجزاء لا تتجزأ من رخام و زليج الأرصفة ،تأثث لمنظر مشمئز وغير حضاري.

هذه الممارسات والسلوكيات والأفعال لا يقتصر بها عامة الناس فقط ،بل نجدها حتى عند خاصتهم أيضا ،بل حتى عند النخبة والصفوة ،لا نجدها في البوادي والقرى والأحياء الشعبية فقط ،بل حتى في أرقىشوارع المدن الحديثة .ليست محتكرة من طرف الذكور بل للإناث نصيبهن في ذلك مما قل او كثر،ليست من اختصاص الراشدين بل للأطفال حق مكفول في ذلك . مما يجعلنا نتحدث عن ظاهرة عامة وشاملة . هل يجوز لنا أن نتحدث عن خلل في القيم؟ هل نتحدث عن اضطرابات سلوكية وبالتالي معرفية ؟ هل نتحدث عن غياب ثقافة العيش المشترك ؟هل نتحدث عن غياب التربية على التمدن ؟هل نتحدث عن عادات مؤلوفة من اللامفكر فيها ؟ هل نتحدث عن تخلف اجتماعي وحضاري ؟ هل ؟ وهل ؟ إنه العنف الصلب ثلاثي الأبعاد “3 D” ،إنها الفوضى الخلاقة ، خلاقة للفعل وللحركة ،وفي الحركة بركة ،فاليمن كاليبن، ومريطانيا كبريطانيا، والمغرب كالمشرق – .ورغم ذلك فإنها تدور، عفوا ليست الأرض، وإنما عجلة الحياة و الاقتصاد. هي فوضى خلاقة للسوق وللتجارة الحرةوالغير مهيكلة. إنها ركام من الرداءة في قمة عطائها وفي أبهى حللها ،وفائض من الضحالة في زمن الحضارة.

في الفضاء العمومي، نحن في حاجة ماسة إلى احترام أنفسنا وبالتالي احترام الآخرين. نحن في حاجة للتربية على ثقافة الاختلاف والتنوع .نحن في حاجة إلى استيعاب قيم الحرية. ينقصنا الإيمان بالفرد كذات مستقلة داخل جماعة. ينقصنا فهم معنى التميز وليس التمييز. هناك خصاص وفقر مدقع لقيم وأخلاق تسترعي الجماعي والمشترك بيننا. هناك إقصاء لكل ما هو جميل وترحيب بقبح مكتمل. تنقصنا التربية على المسؤولية والمحاسبة. هناك تغييب للعقل والإبداع وبالتالي للإنسان في جوهره .

من منا يتجرأ اليوم ويقول لأبنائه : « يا بني ،يا بنيتي إن حب الوطن من الإيمان » ؟ .

ماذا لو وضعنا مرآة ضخمة على سمائنا ونظرنا كلنا جميعا إلى ذواتنا وأنفسنا في لحظة واحدة وقلنا بصيحة واحدة كفى ؟.

تنبيه : دون أن تكون مرآتنا هذه مقلوبة أو معوجة أو في حالة مهترئة أومكسرة.

2 تعليقات
  1. احمد الريفي يقول

    مقال جميل عام و شامل بعيون ملاحظة و ناقدة الفضاء العام عندنا مجتاح بفوضى عارمة فوضى في كل الجهات والكل يتحمل المسؤولية في ما الت اليه الامور من عنف و فوضى و رداءة و لا مسؤولية

  2. argazzzz يقول

    شكرا لصاحب المقال اذ صال و جال بين مدننا و قرانا و نقل اشكال و انواع من العنف و الفوضى و اللامسؤولية التي تنتشر في جميع انحاء الوطن دون استثناء و الجميع يتحمل و يتقاسم المسؤولية في ما الت اليه الاوضاع في بلادنا من اعلى قمة الى اسفلها

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.