هل يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية بدون علمانية؟ 2/2

سبق أن تحدثنا في الجزء الأول من هذه المقالة عن الديمقراطية من حيث بروزها كمصطلح في اليونان ثم تطورها إلى مفهوم متاكمل في الغرب، حامل لنظم في الحكم ولقيم ومبادئ  إنسانية جمعاء دون إستثناء، ثم تطرقنا إلى كيف تم الإستقبال هذا المفهوم من طرف “العقل الديني الإسلامي” عندما تم السماع بقائليه؟ والآن سنحاول الوقوف إلى العلمانية، باعتبار هذه الأخير والديمقراطية هي من ركائز الأساسية في الدولة الديمقراطية الحديثة.
– العلمانية قيمة إنسانية
أقول بقيم الإنسانية للعلمانية، لأن هذه الأخير ما تحمله من قيم ومبادئ تتشارك فيها الإنسانية جمعاء فهي لا تستثني أحد من الإنسانية ولا تنحاز لأحد على حساب الآخر، ففي العلمانية كل الناس ينظر إليهم بنظرة متساوية بغض النظر عن دينهم ولونهم وعرقهم ولغتهم، كما تعمل العلمانية على حماية حقوقهم وحرياتهم رغم إختلافهم. فالعلمانية كقيم ومبادئ ساهمت البشرية جمعاء في بروزها، لا هي غربية ولا جنوبية ولا شرقية، تأخذ بها الهند الهندوسية ثم اليابان البوذية، وألمانيا المسيحية ثم تركيا المسلمة، فهي ليست ضد أي دين بل العكس من ذلك تعمل على حماية جميع الأديان ومعتنقيها كيفما كانوا، وتضمن لهم الحق في ممارسة معتقداتهم في حرية تامة بدون أي مراقبة بوليسية من رجال الدين أو من الدولة.
أما من حيث العلمانية كمصطلح، فقد برز في الغرب، وأول من فك هذا المصطلح هو “جورج هوليوك”، الذي إتخذ في بدايته معنى “الفصل”، فيما بين سلطة الكنيسة (رجال الدين) عن سلطة الدولة (المؤسسات)، وأول من سيستخدم مصطلح “الفصل” هو “جون لوك”، لكن هذا الأخير سبقوه مفكريين آخرين ومن بينهم “مارسيليوس” وهو رجل دين مسيحي وأحد القساوسة الذين ثارو على الكنيسة في القرن 13، لكن هذا الأخير لم يكن يعتقد أنه ينظر لمبدأ العلمانية سواء كمصطلح أو كمفهوم، بل حاول أن ينظر إلى السياسة المدنية من فلسفة أرسطو، الذي قال “الوحي يفوق العقل ولكنه ليس مضادا له” غير أن أفكارها هذه لن تعرف طريقها للنقاش إلى مع القرن 15، خلال عصر النهضة الأوروبية ثم بعده الإصلاح الديني مع “مارتن لوثر” ثم عصر التنوير بعده. ومن أول مظاهر “الفصل” الذي حملته العلمانية في الغرب هي “تحويل ممتلكات الكنيسة إلى سلطة الدولة وتعيين موظفين عليها يتقاضونا أجرهم من الدولة”.
لكن قول بالعلمانية هي الفصل بين الديني والدنيوي غير كافي، لأن أصل العلمانية في الفكر البشري والفلسفي عامة هو إستقلالية العقل، الذي لا يجب أن يكون خاضع لأي وصاية خارجية، وهذا ما برز مع نشأة الفلسفة ذاتها مع أبوها سقراط، الذي كان يدعوا إلى إستخدام العقل، وتدبير ما هو أرضي بها هو أرضي، ومن تجليات هذا التفكير العقلي هو الذي سيؤدي فيما بعد إلى القطع مع دولة الإستبداد الديني وبروز العلمانية كمفهوم حامل لمبادئ وقيم إنسانية.
ومن بين الأسباب والعوامل التي ساهمت في وقف هذا الإستبداد الديني الذي كان يمارس الحكم باسم الله فوق الأرض، هي الثورات العلمية، التي عرت القناع على مصداقية الفكر الكنسي في الغرب خلال عصر النهضة الأوربية، بدأ بثورة “كوبرنيك” الذي حطم نظرية الكنيسة القائلة بمركزية الأرض، وقال أن مركز الكون هو الشمس والأرض هي التي تدور حولها، ثم جاء بعده “يوهانس كبلير” الذي قال بدوران الأرض بشكل بيضوي لا كروي ثم تبعه في ذلك “غاليلو غاليلي” صاحب المقولة الشهير “ومع ذلك فهي تدور” هذا كله أدى إلى التشكيك في مصداقية فكر الكنيسة من طرف الناس، ثم من بين السباب كذلك ظهور الجامعة التي تعتمد على تدريس فكر أرضي عقلاني علمي، الذي نتجت عنه صعود الطبقة الوسطي والقضاء على الإقطاع، ثم من الأسباب كذلك ما يعرف بالإكتشافات الجغرافية، الذي غيرت نظرت الإنسان إلى العالم بعدما تم إكتشاف حضارات آخرى، وإنسان آخر ذات ثقافة وعادات مختلفة وديانات آخر، هذا جعل نظرة المفكرين تتغير إلى مفهوم الإنسان ثم الدين الذي كان تقول به الكنيسة، ثم في الآخر هذه الأسباب هي ما عرف بالإصلاح الديني مع مارتن لوثر.
هذه من بين الأسباب التي كان وراء ظهور العلمانية في السياق الغربي، أما “العالم الإسلامي” فلم يكن إستثناء في هذا، بل حتى هو شهد صراعا حادا بين من يقول بالدعوة إلى أستخدام العقل وتدبير ما هو أرضي بما هو نسبي عقلي بشري، وبين من يقول بضرورة النقل والإخضاع للنص الديني حسب تأويل رجال الدين والإلتزام بضوابط هذا التأويل، فمن يخرج عنها (الظوابط) يعتبر كما سبق أن قلنا “خارج عن الملة والجماعة” ويتهم بالكفر والزندقة والردة وغيرها من الأحكام الدينية الجاهزة، ومن خلال هذا أهدرت دماء من يقول باستخدام العقل، مثل المعتزلة، ومفكرين مسلمين آخرين بالجملة.
هذا يبين أن العلمانية كمفهوم شامل وكقيم ساهمت فيها البشرية جمعاء، وأكثر من ذلك هناك من المفكرين والمؤرخين المغاربة الذي قالوا بأن بروز العلمانية لم تكن أبدا في الغرب، بل أخذها الأوروبيين من شمال افريقيا، ومن بين هؤلاء المؤرخ المغربي عبد السلام بنيس في كتابه “مظاهر الفكر العقلاني في الثقافة المغاربية القديمة”، وبالفعل إذا عدنا إلى موروثنا الثقافي نجد أن أمازيغ الشمال الإفريقي مارسو العلمانية في حياتهم الدنيوية، وكانت مظاهر “الفصل” الذي حملتها العلمانية في الغرب لأول مرة حاضرة عند الشعب الأمازيغي في شمال افريقيا، الذي يتمثل في الفصل فيما بين “مؤسسة الفقيه” و “مؤسس أمغار” فالأول يقتصر دوره ويتكلف بالشؤون الدينية (الأذان، الصلاة بالمواطنين، شرح أمور الدين…” والثاني يتكلف بالشؤون الدنيوية (البث في النزعات، تقديم الحلول، الأحكام…”، فلا يمكن “للفقيه” أن يخرج عن الإختصاصات الدينية التي خولت له، ونفس الشيء بالنسبة “لأمغار” (أمغار هو زعيم يختار من طرف القبائل للوقوف على أمورهم الدنيوية، ويتم تغييره كل سنة عن طريق التصويت)، إذن الفصل بين السلطتين الدينية والدنيوية التي حملتها العلمانية في الغرب، كانت عند إيمازيغن قائمة، لكنهم لم يستطعوا أن يسموا هذا “الفصل” بمفهوم معين، وهذا نمط من العلمانية لدا الشعب الأمازيغي، وأعتقد أن من يقول من المغاربة اليوم بأن العلمانية غربية واهم، لأنه لا يعرف حتى تاريخ الشعب الذي يعيش فيه، فالأمازيغ  كان الدين عندهم قائم لكنه قرؤوه وفق مصالحهم الدنوية لا يقطعون الأيدي ولا يرجمون بالحجارة ولا يقطعون الرؤوس، فمن كان يرتكب أكبر وأبشع جريمة، كان يتم نفيه خارج قبلتهم، ولا يعود إلا بالوصول إلى توافق بين أسرة الضحية، فهذه قيمة من قيم االتي تشارك فيما الإنسانية جمعاء التي تتمثل في إحترام الحياة، وهذا ما ذهب إليه جميع المؤرخين الذين وصفوا لنا هذه القبائل الأمازيغية في كتاباتهم، وعكس ما قالوا عندما وصوفوا القبائل التي كانت تابعة للنظام المخزني المركزي.
– العلمانية ضد الدولة الدينية وليست ضد الدين
الدولة كيان سياسي متطور، أما الدين فهو نصوص ثابتة محاة لا تطور فيها، -لم تتغير منذ أكثر من 14 قرن من زمن- فالدولة من إختصاصاتها أن تضمن العيش الكريم والحرية والعدالة والكرامة للمواطن، لا أن تدخل هذا الأخير للجنة، بل عكس ذلك يجب أن توفر له جنة فوق الأرض، أما الدين فهو يتيح للفرد طبيعة العلاقة التي ستجمعه مع خالقه، وهذه العلاقة هو الوحيد الذي سيكون مسؤولا عنها، لا دخل للآخر فيها، كما دخل للجماعة أو للدولة في طبيعة هذه العلاقة، الدولة تقدم برامج وحلول وتعمل من أجل أهداف واضحة تخص حياة مواطينها، أما الدولة الذينية فهي يعطي نواهي وأوامر وتقيم أغلال وقيود، معناه المواطن ما عليه إلى أن يأخذ وينفذ، لا يجب أن يفكر حتى في تدبير أموره دنيوية، وما عليه إلا أن يطيع الحاكم باسم الله في الأرض وممثيله، مع العلم أن الله لم يرسل أبدا ممثلين، بل أرسل أنباء ورسل بلغو رسالاته إلى عباده، وما دام أن هذه الرسالات وصلت ما على الإنسان إلا أن يختار طبيعة علاقته مع خالقه.
الدولة للعلمانية تضمن حرية التدين للفرد ومن حقه أن يمارس معتقده كيفها شاء أو يغيره متى شاء، أما الدولة الدينية فتتخذ دينا معينا تدافع عنه، وتفرضه على مواطنيه كما تعاقب تاركيه، في الدولة العلمانية تضمن للفرد حرية النقد الديني، الدولة الدينية تفكر وتزندق كل من ينتقد دينها وتتهم بالردة ثم تقتله، الدولة العلمانية هناك التسامح الديني، وتلقن جميع الأديان في مدارسها وجامعاتها، أما في الدولة الدينية فتعتبر دينها هو دين الحق وما عدى ذلك كفر وبطلان، الدولة العلمانية تضمن للفرد إعمال العقل وحريته، الدولة الدينية تقتصر على رجال الدين “أهل الحل والعقد” هم وحدهم الذين يقولون بأمور الدين وإفتاء للأمور الدينا، في الدولة العلمانية الحكم البشري، في الدولة الدينية الحاكمية لله، في الدولة العلمانية تشريع بشري أرضي، في الدولة الدينية تشريع إلاهي من السماء، في الدولة العلمانية، عدم وجود سلطة الرجال الدين على القرار السياسي للدولة، في الدولة الدينية رجال الدين هم الدين يسيرون الدولة.
– لا دولة ديمقراطية بدون علمانية
حديثنا عن الدولة بالفهم المعاصر معناه حديثنا عن أرقى ما وصلت إليه البشرية من حيث ممارسة الحكم في دولها المختلفة، كما أن الدولة بهذا الفهم يجب أن تحمل في طياتها جميع هذه القيم والمبادئ التي أفرزتها التطور البشرية، من المواطنة، الحقوق والحريات، والعلمانية، العقلانية، والحداثة، الديمقراطية، حقوق الإنسان وغيرها من القيم، وأي إقصاء لقيمة من هذه القيم من دولة ما لا يمكن أن نعتبرها دولة ديمقراطية بالفهم الديمقراطي للدولة الحديثة.
سنعطي بعض الأمثل لبعض “الدولة الإسلامية” التي تأخذ بالديمقراطية الجزئية -كآلية وفقط- بدون العلمانية، أي تستعمل الدين بكثرة ويقال أنها تطبق الشريعة، لدينا في هذا الجانب دولة السعودية، إيران ثم السودان، فهل يكمن أن نعتبر دولة السعودية ديمقراطية، وهي أبسط الحقوق عند مواطنيها غير متاحة، إلا درجة المرأة ممنوع علها قيادة السيارة إلا حد الآن؟ ثم نفس الشيء بالنسبة لدولة السودان، فأبشع الجراثم والفضائح ترتكب في السودان باسم الشريعة، وحاكهما محكوم من محكمة الجناية الدولية بمجرم الحرب، لكنه ما زال يحكم ويصفق له الناس، كذلك في دولة إيران تقام الإنتخابات لإختيار رئيسهم (الديمقراطية كآلية في الحكم)، لكن إذا عبر أستاذ عن موقف يتنافى مع السياسة الدينية للدولة، يبعث له الحرس الجمهوري إلى وسط الجامعة ويأخذونه إلى السجن، لمجرد أنه عبر عن رأيه، نفس الشيء للمرأة في إيران التي فرض على نمط معين من اللباس والتدين، وإن وجد أي إمرأة لن تنضبط بنمط تدين الدولة يقبض عليها الحرس الجهوري -محاكم التفتيش- هكذا تصبح الدولة تحمي الدين، وهذا الأخير يشرعن إستبداد الدولة.
نفس الشيء بالنسبة للدولة الأخرى التي تستعمل الدين بشكل متوسط، مثل المغرب والجزائر وتونس والعراق ومصر وغيرها من دول “العالم الإسلامي”، دول لا تطبق الشريعة بكل ما تحله هذه الأخيرة من معنى، لكنها تستعمل الدين لحقل الشرعية، تحمي الدين وتعاقب تاركيه، تميز بين المواطنين على أساس الدين من حيث حقوقهم، فهل يمكن القول أن هذه الدولة، دولا ديمقراطية، رغم أنها تقوم بالإنتخابات في إختيار حكامها؟ إلا تركيا التي هي النموذج الوحيد في العالم الإسلامي القريبة إلى الفهم الحديث للدولة الديمقراطية.
عكس ما نجده عندما ننظر إلى الدول الديمقراطية العلمانية، فهي تعطي الحقوق لجميع المواطنين بغض النظر إلى معتقدهم، وتحترم جميع الحريات الفردية والجماعية، ثم المساواة بين المواطنين، لا تتخذ دين معينا ولا تفرضه ولا تعاقب تاريكين، فمن حق الفرد أن يمارس في هذه الدول معتقه كيفما شاء، ومن حق الفرد أن يغير دينه عشر مراة في اليوم دون أدنى مشكل، لأن هذه الدول تعي جيدا أن العلمانية هي ليست ضد أي دين، بل هي ضد ممارسة الحكم باسم الدين، فلو كانت العلمانية ضد الدين، لما ترك ما يسمى بالغرب للمسلمين أن يمارسو عقيدتهم بكل حرية وينشرها في الغرب بكل حرية، إلا درجة حتى التطرف الدين أصبح يمارس المسلمين في الغرب، الذي يقال عنه الكافر، إذن لا يكمن الحديث أبدا عن الدولة الديمقراطية بدون العلمانية وقيمها ومبادئها.

وعلى سبل الختم، نقول أن العلمانية لم تكن يوما تعادي الدين أو تحاول القضاء على أي دين، بل هدها الوحيد هو رفع ذلك الطابع الديني السحري عن العالم بتعبير ماكس فيبر، حتى يتم التمييز بين ما هو الديني وما هو دنيوي، وبين ما هو إلاهي وبين ما هو أرضي، حتى لا يتم الخلط بين ما قد يحتمل الصواب والخطأ وبين ما لا يحتمل الخطأ -الدين- وكذا التمييز بين ما هو عقلي نسبي وبين ما هو ديني مطلق. فالدولة العلمانية لا تهدف إلى تغييب الدين عن المجتمع أو محاربته، بل هدفها هو إقامة جنة في عالم الأرض لجميع المواطنين، ثم السماح للمؤمنين بالبحث عن جنتهم  وفق ما يؤمنون به بدون تدخل سلطة الدولة بالرفض أو بالفرض، فمن خلال العلمانية نؤمن أن الديانات “دين ودنيا” لا هي “دين ودولة” التي قال بها المودودي في “العالم الإسلامي”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.