هل يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية بدون العلمانية؟ 1/2

ورثنا فيما يسمى ب “العالم الإسلامي” عقلية خطيرة جدا، عقلية جامدة لا تقبل أي تتزحزح، ولا تقبل أي جديد أو تجديد، -أتحدث هنا على مستوى تطور الفكر البشري- وهكذا أي جديد وتجديد، سواء من داخل هذا التفكير أو من خارجه يستقبل بالرفض، لأن هذا العقل في الحقيقة قتل وبرمج عبر نشأته على الجمود، وأنه لا يجب على حاملي هذا العقل أن يفكروا، بل يتطلب منهم أن يطيعوا ويأخذوا وينفذوا، فكل شيء قيل في كتاب الله وسنة رسوله (ص)، وإجماع علماء دين الإسلام، الذين يخول لهم وحدهم بالتفكير في أمور الدين والإفتاء في حياة الدنيا، وبالتالي أي بروز جديد وتفكير خارج قلعة التفكير الدين، يعتبر تفكيرا خارجا عن “الجماعة” والنتيجة يتهم هذا التفكير بالكفر والزندقة وغيرها من الأحكام الدينية الجاهزة، وهذا لا يعني أن التفكير خارج قلعة التفكير الدين يتعارض بضرورة مع الدين وروحه الحقيقية، وإنما هذا التفكير تجاوز ضوابط التفكير التقليدي في قراءة النص الديني وتأويله، وهذا العقل لم يأطر العقل الديني الإسلامي فحسب، بل سبق له أن أطر حتى العقل الديني المسيحي كذلك إلى غاية بروز عصر النهضة الأوروبية مع القرن 15.
ومع هذا التفكير التقليدي يتم الحكم على أي جديد فكري، انطلاقا من “الحقل التفكري” الذي رسمه العقل الديني، بدون أن نترك حتى للعامة أن يعرفوا مضمون هذا “الجديد” وما الذي يريد أن يقوله سواء كان “مفهوما” أو “نظرية” أو “نظاما في الحكم”، وبدون أن نتقرب إليه ولا أن نقوم حتى بدراسة هذا “الجديد” أولا كعلم من نتاج تطور فكر بشري، وذلك لنتعرف عنه وعن أهدافه ومبادئه، وسياقات بروزه بإيجابيات وبسلبياته، ومن ثم نعود إلى الواقع -الذي هو المحك الحقيقي للحكم على أي شيء- ثم نقارن هل ما يحمله هذا “الجديد” موجود في قيمنا وممارساتنا الدنيوية أم لا؟ وفي الأخير عندما نتعرف عن مضامين وحمولات ودلالات هذا “الجديد” وروحه الحقيقية، نحكم عله ونقول، هل يصلح هذا “الجديد” أن تقتدى به أفرادنا وشعوبنا أم لا؟
هكذا يتم معارضة أي جديد، وبالخصوص ذاك الجديد الآتي من الغرب (أتحدث هنا عن بروز هذه المفاهيم نظريا أما ممارسة فكل البشرية ساهمة في ظهورها)، بدأ بظهور السيارة التي اعتبرت الدابة التي تمشي على أربع، وحرم استعمال البرق، وكفرت الديمقراطية على أساس أن البرلمان يشرع نيابة عن الله، وكفرت الأحزاب لأنها تشتت الأمة، وصنفت بين “حزب الله” و”حزب الشيطان”، وزندقت العلمانية وكفرت، واتهم القائلين بها بالإلحاد وغيرها من الأحكام والأوصاف، كل هذا تم بدون أن نتقرب إلى هذه المفاهيم ونقرأ عندها، وهكذا تم تقيمها انطلاق من ما يسمع الناس من معارضيها، لا من خلال سؤال عن ما يريد أن تقول هذه المفاهيم؟ وبدون أن نلتجئ إلى أمهات الكتب لنقرأ ونبحث عن مضامينها ومبادئها وأهدافها، كفر الديمقراطي بدون أن نتحاور معه عن ما الذي يريد من الديمقراطية، و نزندق العلماني بدون أن ننصت إليه ما الذي يريد أن يقول من العلمانية، وبدون أن نحصل منه عن جواب، هل العلمانية بالفعل هي ضد الدين؟ وهل هي بالفعل تعني الإلحاد كما يعرفها شيوخ قلعة الفكر الديني؟
وحتى “العالم الإسلامي” غير خارج عن هذا الصراع، الذي عبر عنه خلال ما سمي في “الفكر الديني الإسلامي” بالصراع بين السياسة الشرعية والسياسة المدنية، الذي بدأ مع نهاية القرن الأول الهجري مع “المعتزلة” الذين دعوا إلى استخدام العقل وقالوا “الإنسان حر وهو المسؤول عن أفعاله واختياره”، ثم مع مجموعة من المفكرين المسلمين فيما بعد، مثل الخوارزمي، جابر ابن حيان، الرازي إبن سينا، الحجاج، وصولا إلى ابن رشد، الذين قالوا “الدولة يجب أن نسيرها بالعقل وهذا لا يتنافى ولا يتعارض مع الدين” كل هؤلاء اتهموا من “علماء الدين الإسلامي” بالكفر والزندقة والخروج عن الجماعة، وحكم عليه بالإعدام والقتل والتشريد وأمروا بحرق مألفاتهم وكتبهم.
إذن لنقف الأن في هذا الجزء، إلى السؤال الذي طرحناه في عنوان هذه المقالة، ونحاول الإجابة عنه من خلال التأصيل لكيفية بروز هذه المفاهيم (الديمقراطية، العلمانية…) وتطورها حتى اعتبرت من الركائز الدولة الحديثة؟ وهل يمكن الاستغناء عن أحد هذه الركائز ثم نقول بديمقراطية الدولة؟
– الديمقراطية بروزها وتطورها
الديمقراطية مفهوم ديناميكي متحرك، إن بروز كلمة الديمقراطية كانت لأول مرة مع مفكري اليونان والتي تعني “حكم الشعب” ويعاب عليها أنها كانت تقتصر على الديمقراطية كآلية وفقط لا كقيم، أي اقتصارها على الصناديق الاقتراع التي توصل الحاكم الذي يختاره الشعب للحكم، ولهذا كان أفلاطون من أشد معارضي الديمقراطية اليونانية، عارضها نتيجة هذه الصبغة العددية التي حملتها الديمقراطية اليونانية، التي سببت في الأخير بالحكم على أستاذه سقراط بالإعدام، لهذا عارض أفلاطون هذه الديمقراطية لأنها قد تستعمل ضد الحق، قتل سقراط عندما صوت الناس لقتله في أثينا، هذا بعدما هيج الغوغاء من رجال الدين لتصويت على الحكم بقتل سقراط بتهمة “إفساد عقول الشباب”، هكذا باسم الديمقراطية العددية قتل الفيلسوف.
فالديمقراطية كقيم لم تظهر إلا بعد عصر النهضة الأوروبية مع القرن 15، حيث أن الديمقراطية هذه في تطورها سبقتها ركيزة أساسية هي المواطنة سنة 1648 التي إنبنت عليها الدولة الحديثة بعد عصور الحروب الدينية ومن المبادئ التي أطرت المواطنة في هذه الفترة المشاركة والمساواة، ثم تبعتها بعد ذلك الحقوق والحريات التي بدأت مبكرا و تطورت من 1215 في بريطانيا ثم 1676 مع وثيقة حقوق الأمريكية وبعدها وثيقة الحقوق الفرنسية سنة 1789 وصولا إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1949. وفيه تطور آخر للديمقراطية في السياق الغربي الذي بدأ من العلمانية (فصل سلطة الكنيسة على سلطة الدولة) ثم التنوير (عصر الأنوار مع كانط…) ثم بعد ذلك الديمقراطية، إذن من خلال هذا التطور نجد أن من المرتكزات الديمقراطية في الدولة الحديثة هي المواطنة، الحقوق والحريات، العلمانية، التنوير والعقلانية، وبالتالي لا يمكن أن الحديث عن الديمقراطية بمعزل عن هذه القيم التي أطرتها في تطورها، وأي دولة تقصي قيمة من هذه القيم تكون ديمقراطيتها ناقصة.
كما أن الديمقراطية حصلت فيها موجات من الديمقراطية في تطورها، الأولى كانت مع نهاية الحرب العالمية الأولى، والموجة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية، والثالثة يؤرخ لها بسقوط الحكم العسكري بين البرتغال وإسبانيا واليونان، والموجة الرابعة مع سقوط الاتحاد السوفياتي، وكان الأمل أن يكون الربيع الديمقراطي 2011 هو الموجة الخامسة، لكن خاب الأمل وتحولت موجة الديمقراطية هذه إلى موجة إنتاج الاستبداد من جديد.
ومن بين مبادئ الديمقراطية، الشعب صاحب السيادة ومصدر السلطة، التداول السلمي على السلطة، حكم الأكثرية ووجود الأقلية في المعارضة، الفصل التام للسلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية والقضائية)، التمثيل عبر انتخابات حرة ونزيهة، المسائلة والمحاسبة وفق للقانون حاكما كان أو محكوما، وجود تعددية حزبية، ضمان حرية التفكير والمعتقد والتجمهر، احترام حقوق الإنسان وفق آخر تطور وصلت إليه، احترام الملكية الخاصة، احترام الأقليات والضعفاء، مراقبة الحكام والتأثير عليهم (المواطن أعلى منصب في الحكم الديمقراطي)، اللامركزية في الحكم، ثم مال الدولة يصرف عبر ميزانيات متفق عليها برلمانيا، وغيرها من مبادئ الأخرى.
فهذا التطور الذي حصل في الديمقراطية بعد أزيد من 2500 سنة، بكل ما حمله من قيم ومبادئ يقودنا مباشرة إلى “الحكم الرشيد العقلاني” الذي من سماته الرئيسية وجود مواطنة كاملة، حقوق مصاغة وحريات محفوظة، عدالة اجتماعية، مساواة أمام القانون، ثم ازدهار اقتصادي واستقرار سياسي.
في الجزء الثاني من هذه المقالة سنتحدث عن العلمانية، هل هي بالفعل هي من نتاج غربي؟ ثم سنتعرف على قيمها الإنسانية من خلال الفكر البشري عامة، بروزها في الغرب وتجلياتها، ثم تجلياتها في العالم الإسلامي وكيفية التعامل من دعا إلى استخدام العقل وبالعلمانية، مبادئ العلمانية، ثم لماذا يتم رفضها من الإسلامويين؟ وهل يكمن القول بديمقراطية بمعزل عن العلمانية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.